وجه آخر للحرب "الإسرائيلية".. القطاع الزراعي يدق ناقوس الخطر.. التصحر وانعدام الأمن الغذائي يهددان سكان غزة

تدمير لحق بمعدات زراعية نتيجة العدوان على قطاع غزة.jpg

تقرير أحمد زقوت ...ألحقت الحرب "الإسرائيلية" في قطاع غزة لنحو 15 شهراً أضراراً جسيمةً في مختلف المجالات الحيوية، لا سيما القطاع الزراعي الذي يعتبر شريان الغذاء الأساسي لأكثر من مليوني فلسطيني، نتيجة القصف المباشر وتجريف الأراضي، فضلاً عن تدمير البنية التحتية الضرورية للأنشطة الزراعية المتنوعة، كما امتد هذا التدمير الممنهج إلى الثروة الحيوانية والسمكية وإنتاج العسل من خلايا النحل، مما أدى إلى انعدام الأمن الغذائي للمواطنين وظهور حالات كثيرة لسوء التغذية، وتكبد أصحاب هذه المنشآت والمشاريع لخسائر مادية فادحة تسببت في حرمانهم من مصادر الدخل لإعالة أسرهم، وجعلهم في تعداد العاطلين على العمل مما يزيد نسبة البطالة في القطاع.

جاسم حجي من شمال غزة، أحد المزارعين الذين طالتهم الخسائر بفعل الحرب المدمرة، إذ تكررت عمليات تجريف أرضه الزراعية الواقعة شرق شارع صلاح الدين في مدينة غزة، والمكونة من خمسة دونمات مليئة بالخضروات كالطماطم والخيار والباذنجان والبطاطس وأصناف الفواكه والمزروعات المختلفة، بالإضافة إلى مزرعة للدواجن ومعملاً لتفريخ البيض.

ويقول حجي لـ "قدس نت"، إنني "خسرت مئات آلاف الشواكل نتيجة تحويل الاحتلال لأرضي إلى صحراء مبهمة المعالم، إلى جانب تدمير كافة المزروعات والمعدات وشبكات الري والشتول والأسمدة والمبيدات اللازمة لإنتاج المزروعات، وأدوات تربية المواشي الدواجن بشكلٍ تام"، مضيفاً أنّ "مزرعة الدواجن كانت تضم قبل الحرب أكثر من 12 ألف حبشة ودجاجة، وجميعها خسرتها بفعل موتها نتيجة القصف المباشر بالصواريخ والقذائف والتجريف الممنهج، بالإضافة لنقص الأعلاف لتغذيتها".

ويؤكّد المزارع، أنّه لم تعد الأراضي في شمال وادي غزة تحديداً صالحة للاستخدام الزراعي أو لتربية المواشي والأبقار والدواجن، لافتاً إلى أنّ مئات الآلاف من أطنان الصواريخ والقذائف التي انفجرت أو غير المنفجرة والقنابل السامة مثل الفسفور الأبيض، أثرت بشكل كبير على جودة الأراضي الزراعية ومحاصيلها، الأمر الذي قد يجعل صحة أهالي القطاع في خطر شديد نتيجة حجم التلوث الذي أصاب التربة.

وحول أهم التحديات التي تواجه المزارعين، يشير حجي، إلى أنّ انقطاع المياه وتدمير الآبار ونقص الوقود وانعدام مصادر الطاقة لتوفير تيار كهربائي لتشغيل غواطس المياه لري المزروعات، وشحّ المعدات المستخدمة في الزراعة، وكذلك نقص أدوات تربية المواشي والدواجن، يهدد الأمن الغذائي لسكان القطاع، كما يؤثر على مصدر دخل عشرات الآلاف من المزارعين، وكذلك تلوث التربة وحاجة الكثير من الأراضي الزراعية إلى عمليات الاستصلاح والتسوية، بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة الزراعة بشكل كبير، في ظل نقص البذور والمواد اللازمة، مما جعل من الصعب على المزارعين مواصلة عملهم.

ووفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة "الفاو"، فإنّ 75% من الحقول بغزة التي كانت تستخدم في السابق لزراعة المحاصيل وبساتين أشجار الزيتون، تضررت أو دمرت بسبب الحرب "الإسرائيلية" على القطاع منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، مبينةً أنّ أكثر من ثلثي الآبار الزراعية لم تعد تعمل ما أدى إلى شح بمياه الري، في حين وصلت خسائر الثروة الحيوانية الى 96% وتوقف إنتاج الحليب تقريبا، ولم يبق على قيد الحياة سوى 1% من الدواجن، فيما يوشك قطاع صيد الأسماك على الانهيار، ما أدى إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي.

بدوره، يؤكّد مدير العمليات والبرامج في اتحاد لجان العمل الزراعي المهندس بشير الأنقح، أنّ أكثر من 65% من الأراضي الزراعية في القطاع لحقت بها أضرار كبيرة جداً، خصوصاً في مناطق شمال غزة حيث دمرها الاحتلال كلياً، لافتاً إلى أنّ عمليات التدمير شملت إتلاف المحاصيل الحقلية والدفيئات الزراعية "البيوت البلاستيكية" ومئات حظائر الأبقار والأغنام والمواشي، ومزارع الدجاج، ومستودعات زراعية، وآبار المياه المستخدمة في الزراعة.

ويبين الأنقح لـ "قدس نت"، أنّ 58 ألف دونماً زراعياً خارج عن الخدمة من إجمالي 176 ألف دونم زراعي من الأراضي الزراعية في القطاع، بسبب تواجدها في المناطق الحدودية مع الاحتلال، حيث لا يمكن للمزارعين الوصول إلى أراضيهم نتيجة الأخطار الموجودة هناك، فضلاً عن أنّ تربة الأراضي الزراعية تلوثت بشكل كبير نتيجة القصف والتجريف، ولا يمكن تحديد حجم التلوث إلى من خلال أجهزة فحص التربة وهي غير متوفرة.

ويوضح الأنقح، أنّ الأراضي الزراعية المتبقية وهي قليلة جداً، لا يتوفر لها أي مصادر مياه بفعل تدمير الاحتلال للآبار، وقصفه لمصادر الطاقة المشغلة لها كالألواح الشمسية، لافتاً إلى أنّ المنتجات المعروضة في الأسواق حالياً هي بضائع مستوردة وليست محلية، الأمر الذي يعيق الاكتفاء الذاتي في بعض أصناف الخضار والفواكه مثل البطاطا والبندورة والخيار، حيث كانت تصدر للخارج نتيجة فائض الحاجة.

وناشد الأنقح، بضرورة توفير معدات ثقيلة من أجل تسوية الأراضي الزراعية واستصلاحها ومساعدة المزارعين بإعادة تأهيلهم وعودتهم إلى مهنتهم بتوفير أدوات تربية المواشي والمعدات الزراعية وتوفير وقود لتشغيل الآبار، وإدخال دفيئات زراعية.

وأدت الحرب إلى تدمير مزارع الإنتاج الحيواني بقطاعاته المختلفة من دواجن، ولحوم حمراء، وبيض، وألبان، فضلاً عن استهداف قطاع الصيد البحري، وتدمير قوارب وشباك الصيادين وتخريب مزارع الاستزراع السمكي.

وفي غضون ذلك، يبين الخبير في فرع الإنتاج الحيواني المهندس محمد شبلاق، أنّ الاحتلال دمر أكثر 80% من مزارع الدواجن بشكلٍ كاملٍ، حيث كانت تضم الدجاج اللاحم التي تحتوي قرابة مليون دجاجة بياضة، وتنتج على الأقل 200 مليون بيضة مائدة سنوياً، بالإضافة إلى أنّها تنتج قرابة 15 مليون دجاجة لاحمة سنوياً، مشيراً إلى أنّه تم تدمير "الفقاسات" والفراخات لإنتاج الصيصان والكتاكيت، فضلاً عن تدمير مصانع إنتاج الأعلاف لتربية المواشي كالذرة والصويا، كما أدت الصواريخ إلى هروب خلايا النحل وعدم وجود مرعى لها ما أدى إلى خسران المزارعين موسم إنتاج العسل.

ويؤكد شبلاق لـ "قدس نت"، أنّ الاحتلال قضى على الثروة الحيوانية بما يشمل أبقار وماعز وأغنام، حيث أنّه لا يتوفر بغزة سوى 20 ألف رأس غنم من أصل 55 ألف رأس حسب آخر البيانات الرسمية، والتي تساهم في إنتاج مختلف أصناف الأجبان والألبان، الأمر الذي أدى إلى عجز ونقص في هذه المنتجات بالأسواق مما أدى إلى رفع أسعارها، موضحاً أنّ خسائر مربي الدواجن كبيرة كونهم خسروا وسائل متطورة وحديثة قد استثمروا فيها مبالغ طائلة، إذ أنّ عددهم قبل الحرب كان أكثر من 4 آلاف مربي، أما بعد الحرب أصبح عددهم 2400، فيما استشهد أكثر من ألف مزارع خلال الحرب من أصل 25 ألفاً.

وحول المعضلات التي تواجه الإنتاج الحيواني، يلفت شبلاق، إلى أنّ بقاء أنقاض المزارع وخصوصاً مع تدمير أدوات التربية مثل "العلافات "ودفيئات وخزانات مياه ومولدات كهرباء، وشح المواد اللازمة يعيق إعادة تأهيل دورة الإنتاج الحيواني الذي يمثل أكثر من 30% في القطاع الزراعي، موضحاً أنّ إغلاق المعابر أدى إلى حرمان المزارعين من التصدير والاستيراد للمواد اللازمة، كذلك أدى إلى حرمان المواطنين من مصدر غذائي هام كالبروتين الحيواني واللحوم والجبن والألبان، مما أدى إلى ظهور أمراض مثل سوء التغذية التي عانى منها الأطفال وكبار السن خصوصاً، فضلاً عن ارتفاع أسعار المنتجات بعشرات الأضعاف والتي تفوق قدرة المواطنين على شرائها.

أما بخصوص قطاع الصيد، يؤكّد مسؤول لجان الصيادين في اتحاد لجان العمل الزراعي في غزة زكريا بكر، أنّ الصيد يعتبر ثاني أهم قطاع إنتاجي بعد القطاع الزراعي، ويوفر الغذاء البحري لأهالي غزة، الأمر الذي جعل هذا القطاع هدفاً للاحتلال بشكل دائم، كونه له مساهمات تدعم الاقتصاد المحلي.

ويقول بكر لـ "قدس نت"، إنّ الاحتلال منع الصيادين من دخول البحر منذ اللحظة الأولى للحرب، فضلاً عن تهجير أكثر من 80% منهم إلى جنوب القطاع، وكذلك تدمير أكثر من 90% من المراكب والقوارب ومعدات الصيد، إلى جانب استهداف 150 صياداً، منهم 50 قد قتلوا أثناء محاولتهم ممارسة الصيد في مناطق قريبة من الشاطئ على "حسكات" مجداف صغيرة جداً في مناطق لا تتجاوز 500 متر.

ويضيف بكر، أنّ الاحتلال لم يبقي من 96 لنشاً سوى واحد صالح للاستخدام، مبيناً أنّه رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ إلا أنّ الاحتلال يمنع الصيادين من دخول البحر وممارسة مهنة الصيد، الأمر الذي يفاقم الأوضاع المعيشية للصيادين، كما يعرض المواطنين لمخاطر صحية لأنّهم لم يتذوقوا منذ قرابة عام ونصف أي صنف من الأسماك، حيث أنّ المعدل الطبيعي لاستهلاك الفرد سنوياً هو 15 كيلو، لاحتوائها على وبروتينات وفيتامينات.

ويشير بكر، إلى أنّ عدد الصيادين الذين يعملون في المهنة حوالي 4500 صياد، وهناك 1500 عاملاً مرتبطاً بقطاع الصيد، سواء من فنيين وعمال وتجار وحرفيين وأصحاب مطاعم أسماك، وجميع هؤلاء عاطلون عن العمل، الأمر يؤثر سلباً على الناتج القومي الفلسطيني، وعلى 60 ألف مواطن يعيشون من هذه المهنة.

ويلفت بكر، إلى أنّ الاحتلال منذ عام 2006 ارتكب جرائم عديدة بحق قطاع الصيد، ومن أبرزها الحصار البحري الخانق والمشدد، وعمليات التلاعب بالمساحات البحرية وتقليص مساحات الصيد بين الحين والآخر، وإغلاق البحر أمام الصيادين تحديداً في مواسم إنتاج الأسماك، بالإضافة إلى عمليات الملاحقة والمطاردة التي يتخللها إطلاق النار وما ينتج عنها من قتل للصيادين واعتقال وإصابة عدداً منهم، ومصادرة المراكب وتدميرها، ومنع إدخال جميع معدات الصيد.

في ظل الواقع الكارثي الذي يعيشه قطاع غزة نتيجة الحرب الإسرائيلية المستمرة، يواجه القطاع الزراعي والأنشطة المرتبطة به أزمة غير مسبوقة تهدد الأمن الغذائي وسُبل العيش لعشرات الآلاف من الأسر. تدمير الأراضي الزراعية، وانهيار قطاع الثروة الحيوانية والصيد، وانعدام الموارد الأساسية كلها عوامل تجعل التعافي وإعادة الإعمار مهمة معقدة تتطلب تدخلاً دوليًا عاجلاً.

ومع استمرار هذه التداعيات الكارثية، تبرز الحاجة الملحة لدعم المزارعين والصيادين وإعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية لضمان استعادة الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الواردات في ظل الحصار الإسرائيلي المشدد. إن إعادة الحياة إلى هذا القطاع الحيوي ليست فقط ضرورة اقتصادية، بل مسألة بقاء وإنقاذ لمجتمع بأكمله يواجه خطر الجوع وانعدام الأمن الغذائي.

يبقى السؤال الأهم: هل ستتحرك الجهات الدولية والإنسانية لوقف هذا النزيف المستمر ودعم الفلسطينيين في غزة لاستعادة حقهم في الحياة والعيش بكرامة؟

المصدر: خاص وكالة قدس نت للأنباء - قطاع غزة