يتلقّى مئات من عناصر وضباط الشرطة الفلسطينية من قطاع غزة تدريبات مكثفة في مصر، في إطار خطة لإعداد قوة أمنية تتولّى إدارة الملف الأمني في القطاع بعد انتهاء الحرب، بحسب ما أفاد مسؤول فلسطيني لوكالة "فرانس برس"، اليوم الأحد.
وقال المسؤول، الذي طلب عدم كشف هويته، إن أكثر من 500 شرطي وضابط من غزة خضعوا في آذار/ مارس الماضي لتدريبات عملياتية ونظرية في القاهرة، مضيفًا أن "مئات آخرين يواصلون منذ نهاية أيلول/ سبتمبر دورات تدريبية مشابهة في أكاديمية الشرطة المصرية".
قوة أمنية من خمسة آلاف شرطي من أبناء غزة
وأوضح المسؤول أن العناصر الذين يتلقّون التدريب حاليًا سيشكّلون جزءًا من قوة شرطية قوامها خمسة آلاف عنصر "جميعهم من غزة"، على أن يتقاضوا رواتبهم من السلطة الفلسطينية في رام الله.
وقال ضابط فلسطيني شاب برتبة ملازم أول (26 عامًا) شارك في الدورة الأولى، رافضًا الكشف عن اسمه: "أنا سعيد جدا بهذا التدريب. نريد وقف الحرب والعدوان بشكل دائم، ونحن متشوّقون لخدمة الوطن والمواطن".
وأضاف أنه يأمل في تشكيل "قوة أمنية مستقلّة لا ترتهن لتحالفات وأهداف خارجية، نريدها بولاء لفلسطين فقط".
وبحسب المسؤول الفلسطيني، تأتي هذه التحضيرات في سياق تفاهمات أوسع جرى التوصل إليها برعاية مصرية في نهاية العام 2024 بين حركتي حماس وفتح بزعامة الرئيس محمود عباس، تقضي بدمج خمسة آلاف شرطي يتبعون للسلطة الفلسطينية مع خمسة آلاف من أفراد الشرطة التي أدارتها حماس في غزة خلال السنوات الماضية.
ومن المقرر أن تخضع هذه القوة لإشراف لجنة "كفاءات مستقلة" (تكنوقراط) اتفقت الحركتان على تشكيلها لتولى إدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، وأن تنتشر في مختلف مناطق القطاع بعد وقف القتال.
خطة ترامب والسلطة الانتقالية في غزة
وتتوازى هذه التدريبات مع ما نصّت عليه خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف الحرب في قطاع غزة، والتي أقرّها قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي مؤخرًا، وتقضي بأن يُحكم القطاع عبر "سلطة انتقالية مؤقتة" مكوّنة من لجنة فلسطينية تكنوقراطية وغير مسيّسة، تتولى إدارة شؤون الحياة اليومية للسكان تحت إشراف هيئة انتقالية دولية.
كما تنصّ الخطة على بناء قوة استقرار دولية تقدّم الدعم لقوة شرطة فلسطينية في غزة، على أن يتم ذلك بالتنسيق بين الولايات المتحدة والأردن ومصر.
ويقول المسؤول الفلسطيني إن خطة التدريب المصرية تتم بالتنسيق المباشر مع السلطة الفلسطينية، في إطار الإعداد لهذه المرحلة الانتقالية.
تنسيق مصري – فلسطيني وأدوار أوروبية
وأكد ضابط أمني رفيع في أجهزة السلطة الفلسطينية، طلب عدم ذكر اسمه، أن الرئيس محمود عباس "أعطى توجيهات واضحة لوزير الداخلية زياد هب الريح للتنسيق مع مصر بشأن تأهيل قوات الشرطة والأمن في غزة".
وبحسب المصدر نفسه، تمتد كل دورة تدريبية على مدى شهرين، وتشمل تدريبات جسدية وتنشيطية إلى جانب محاضرات توعوية وأمنية. وقال ملازم أول شارك في الدورة الأولى إن البرنامج تضمن محاضرات أمنية وسياسية حول "تبعات هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والأضرار التي لحقت بالقضية الفلسطينية"، إضافة إلى التأكيد على دور منظمة التحرير الفلسطينية "بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني" وضرورة "حماية حلم إقامة دولة فلسطينية".
وأشار الضابط إلى أن جزءًا من التدريب ركّز على أمن الحدود والمعابر، موضحًا: "تلقينا تدريبات عملياتية باستخدام تقنيات حديثة لمراقبة الحدود والتعامل مع أجهزة الفحص الأمني المتطورة على المعابر".
وكان الضابط قد تمكّن من مغادرة غزة مع عائلته في شباط/ فبراير من العام الماضي، قبل استدعائه للالتحاق بهذه الدورة في القاهرة، حيث أنهى دراسته في أكاديمية الشرطة قبل الحرب.
من جهته، قال مصدر مصري مطّلع إن القاهرة "تسعى لتجهيز قوة شرطية فلسطينية تستطيع تولّي أمن القطاع ومعابره" فور التوصل إلى ترتيبات ما بعد الحرب.
وفي السياق ذاته، نقل مسؤول أوروبي في بروكسل أن الاتحاد الأوروبي يعتزم تدريب قرابة ثلاثة آلاف شرطي من قطاع غزة خارج الأراضي الفلسطينية، في امتداد لبرامج دعم وتدريب الشرطة الفلسطينية في الضفة الغربية، التي يمولها الاتحاد منذ عام 2006 بميزانية تقارب 13 مليون يورو سنويًا.
وأشار المسؤول الأوروبي إلى أن "تثبيت الاستقرار في غزة بعد الحرب سيتطلب وجود قوة شرطة كبيرة ومؤهلة".
موقف حماس والتحديات السياسية المقبلة
على الصعيد السياسي، قال قيادي كبير في حركة حماس إن الحركة "تدعم التوافقات الوطنية الفلسطينية حول كافة التفاصيل المتعلقة بالأمن وإدارة القطاع"، في إشارة إلى قبولها المبدأي بفكرة قوة شرطية موحدة وإدارة مدنية مستقلة.
لكن القيادي نفسه شدّد على أن التحدّي يتمثل في "ما إذا كان سيتمّ التوافق مع إسرائيل حول صلاحيات هذه الشرطة واستقلاليتها"، في ظل رفض إسرائيل وأطراف دولية لأي دور لحماس في إدارة غزة في مرحلة ما بعد الحرب.
ورغم إعلان حماس في وقت سابق موافقتها على عدم حكم القطاع مباشرة، فإنها لا تزال ترفض نزع سلاحها كما تطالب الخطط الدولية والعربية، وتؤكد رغبتها في أن تكون لها "كلمة" في مستقبل نظام الحكم وترتيبات الأمن في غزة، ما يجعل ملف قوة الشرطة المرتقبة جزءًا من معادلة سياسية وأمنية معقدة لم تتضح ملامحها النهائية بعد.
