تضع القراءة التي قدمها الوزير الفلسطيني السابق الدكتور نبيل عمرو للمشهد الفلسطيني الراهن القضية الوطنية أمام مفترق تاريخي بالغ الخطورة، تتقاطع فيه حرب الإبادة في غزة مع محاولات التصفية السياسية في الضفة الغربية، في ظل حكومة إسرائيلية توصف بأنها الأكثر تطرفًا منذ قيام إسرائيل، ومناخ دولي يتأرجح بين العجز الرسمي والتعاطف الشعبي المتزايد مع الفلسطينيين.
يرى عمرو في حديث رصدته "وكالة قدس نت للأنباء" لبرنامج "50 دقيقة" الذي يقدمه الإعلامي "محمد أبوعبيد" على قناة "المشهد" الفضائية، أن التحول الأبرز الذي طرأ على القضية الفلسطينية منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 هو انتقالها من مشروع يسعى إلى تجسيد الدولة إلى معركة الحفاظ على الوجود، معتبرًا أن هذا التراجع في الأهداف المرحلية لا يعني انهيار القضية، بل دخولها مرحلة اشتباك أعمق مع النظام الدولي، بعد أن باتت في صلب الاهتمام العالمي.
بين الإبادة والبقاء
بحسب عمرو، يتعرض الفلسطينيون اليوم لنمطين متوازيين من الاستهداف:
إبادة بشرية مباشرة في قطاع غزة، وإبادة سياسية بطيئة في الضفة الغربية، عبر الاستيطان والضم وتفريغ الأرض من سكانها. ومع ذلك، يشدد على أن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري، عاجزة عن حسم الصراع، طالما أن الفلسطينيين متمسكون بأرضهم ويرفضون الهجرة أو الاستسلام.
هذا التمسك، برأي عمرو، يشكل السلاح الأهم في المعركة، حيث يقيم نحو سبعة ملايين فلسطيني على الأرض الفلسطينية في (الضفة الغربية وقطاع غزة)، وهو واقع ديمغرافي يعيد تعريف موازين القوة بعيدًا عن المقاييس العسكرية التقليدية.
الاعتراف الدولي كرصيد سياسي
في مقابل القسوة الميدانية، يلفت عمرو إلى مفارقة سياسية لافتة تتمثل في اعتراف نحو تسعة أعشار دول العالم بالدولة الفلسطينية، معتبرًا أن هذا الاعتراف ليس موقفًا رمزيًا أو أخلاقيًا فحسب، بل رصيد سياسي واستراتيجي لا يمكن تجاوزه أو إلغاؤه، حتى وإن عجز المجتمع الدولي حتى الآن عن فرضه على إسرائيل.
ويرى أن التناقض بين الموقف الشعبي العالمي المتضامن مع الفلسطينيين والانقسام الداخلي الفلسطيني يشكل إحدى نقاط الضعف الأساسية، داعيًا إلى وحدة وطنية حقيقية تكون “صناعة فلسطينية” في مواجهة مشروع التفتيت.
غزة… خطوط الصراع المفتوحة
في قراءته للوضع في قطاع غزة، يحدد عمرو ثلاثة مسارات (خطوط) تحكم المشهد:
أولها (الخط الأحمر) وهو "تمسك حركة حماس بسلاحها ولا يفارقها التطلع أن تعود إلى حكم غزة ولو حتى على جزء بسيط منها"، وثانيها (الخط الأصفر) وهو سعي إسرائيل إلى فرض وقائع حدودية وأمنية جديدة على أجزاء واسعة من القطاع "وهو ليس فقط خط يجسد السيطرة على 50% من قطاع غزة براً ولكنه يعتبر أيضاً جزء من منظومة السيطرة الإسرائيلية على غزة كاملة بحكم الطيران والتفوق الناري"، وثالثها (الخط البرتقالي الغامض) وهو مسار الوسطاء الذين يقاتلون بشراسة لانهاء الحرب ويحاولون ربط مستقبل غزة بالحل السياسي الشامل للقضية الفلسطينية، "ولكن هؤلاء (الوسطاء) يتعاملون مع الأمريكيين الذين بدورهم يقيمون علاقات خاصة مع إسرائيل ويرخون الحبل لنتنياهو ليعمل ما يشاء، ولكن هذا ليس كل شيء وليس نهاية شيء، فما زال الملف مفتوح" . ويؤكد عمرو أن هذه المسارات (الخطوط) المتداخلة تجعل من غزة قضية مفتوحة لا يمكن لإسرائيل إغلاقها عسكريًا أو سياسيًا، "واذا لم يكن هناك حل يرضى عنه الفلسطينيون ستبقى غزة (التي يتواجد فيها 2.5 مليون وهي ركام) قضية ملتهبة تؤرق الشرق الأوسط والعالم إلى مالا نهاية" .
الضفة الغربية: الهدف الحقيقي
ويعتبر عمرو أن الضفة الغربية، وليس غزة، تمثل الهدف الاستراتيجي الأساسي للحكومة الإسرائيلية، باعتبارها جوهر المشروع الاستيطاني ولبّ الصراع على الأرض والهوية. إلا أنه يشدد على أن محاولات تفريغ الضفة من سكانها (4.5 مليون) تصطدم بواقع ديمغرافي صلب، يتمثل في الفلسطينيين الذين بقوا على أرضهم رغم كل أشكال القمع.
نتنياهو ومعضلة التخريب
وفي تقييمه للمشهد السياسي الإسرائيلي، يعتبر عمرو أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يشكل عنصر تعطيل دائم لأي مسار تسوية، حتى تلك التي تصدر عن حلفائه، بسبب ارتباط سياساته بأجندته الانتخابية وبقائه السياسي. ويرى أن هذا السلوك يفاقم عزلة إسرائيل الدولية، دون أن يحقق لها الأمن أو الاستقرار.
أفق مفتوح على الاحتمالات
يخلص عمرو إلى أن الصراع في الشرق الأوسط سيظل مفتوحًا على الاضطراب والمواجهة ما لم يتم التوصل إلى حل عادل ينهي الاحتلال ويؤسس لدولة فلسطينية قابلة للحياة. وبرغم سوداوية المشهد، يؤكد أن العدالة لا تموت، وأن القضية الفلسطينية، بما تمتلكه من رصيد بشري وسياسي وأخلاقي، قادرة على البقاء في قلب المعادلة الدولية.
