يدرس مسؤولون يعملون مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضمن ما يُعرف بـ“مجلس السلام”، إمكانية إطلاق عملة رقمية مستقرة في قطاع غزة، في إطار مساعٍ لإعادة بناء الاقتصاد الذي أنهكته الحرب، بحسب خمسة مصادر مطلعة على النقاشات.
ووفق ما أوردته صحيفة “فايننشال تايمز” في تقرير نشرته، يوم الاثنين 23 فبراير/شباط 2026، فإن المحادثات لا تزال في مراحلها الأولية، فيما لا تزال آليات التطبيق والتفاصيل التنظيمية قيد البحث. وتُعد العملة المستقرة نوعًا من العملات الرقمية المرتبطة بقيمة عملة رئيسية، مثل الدولار الأمريكي، بهدف الحد من تقلبات الأسعار.
وبحث المسؤولون الفكرة ضمن رؤيتهم لمستقبل القطاع، في ظل انهيار النشاط الاقتصادي جراء الحرب، وما خلّفته من أضرار جسيمة في النظام المصرفي وشبكات المدفوعات التقليدية.
ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع أن العملة المقترحة يُرجح أن تكون مربوطة بالدولار، مع توجه لإشراك شركات خليجية وفلسطينية متخصصة في الأصول الرقمية لقيادة المشروع. وأكد المصدر أنها لن تمثل “عملة جديدة لغزة أو فلسطين”، بل أداة تمكّن السكان من إجراء معاملاتهم إلكترونيًا.
ويقود العمل على التصور ليران تانكمان، رائد أعمال إسرائيلي في مجال التكنولوجيا وجندي احتياط سابق، يشغل حاليًا منصب مستشار غير مدفوع الأجر لـ“مجلس السلام”، بحسب مصدرين مطلعين.
ويشارك في المناقشات أيضًا ممثلون عن الحكومة الفلسطينية التكنوقراطية الجديدة في القطاع، ممثلة باللجنة الوطنية لإدارة غزة المؤلفة من 14 عضوًا، إلى جانب مكتب الممثل السامي بقيادة المبعوث الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، وكلاهما يعملان تحت مظلة “مجلس السلام”.
وبحسب المصادر، سيتولى “مجلس السلام” ولجنة غزة تحديد الإطار التنظيمي وآليات الوصول إلى العملة الرقمية، إلا أن “أي قرار نهائي لم يُتخذ بعد”.
وخلال اجتماع للمجلس في واشنطن الأسبوع الماضي، أشار تانكمان إلى أن لجنة غزة تعمل على إنشاء “بنية رقمية آمنة ومنصة مفتوحة” تتيح المدفوعات الإلكترونية والخدمات المالية والتعليم والرعاية الصحية، مع ضمان تحكم المستخدم ببياناته.
وقال مسؤول في إدارة ترامب إن الجهات المعنية تدرس مختلف الخيارات الممكنة لإنعاش اقتصاد غزة، لافتًا إلى أن الولايات المتحدة سبق أن دعمت توسيع استخدام العملات المستقرة المرتبطة بالدولار.
وتتولى سلطة النقد الفلسطينية دور البنك المركزي لكل من الضفة الغربية وغزة، لكنها لا تملك صلاحية إصدار عملة وطنية، فيما يُعد الشيكل الإسرائيلي العملة الرئيسية المتداولة في الأراضي الفلسطينية. ورغم وجود تعاملات محدودة بالدولار في غزة، فإن الاعتماد الأكبر يبقى على الشيكل.
ومنذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بات الوصول إلى النقد بالشيكل محدودًا للغاية، نتيجة تدمير أو إغلاق أجهزة الصراف الآلي ومنع إدخال شحنات نقدية جديدة. وأدى ذلك إلى احتكار بعض التجار والوسطاء للسيولة المتاحة وفرض رسوم مرتفعة، ما دفع شريحة متزايدة من السكان للاعتماد على أنظمة الدفع الإلكتروني.
وبحسب أحد المطلعين، فإن من بين أهداف العملة المستقرة “تقليص الاعتماد على النقد لمنع حماس من تحقيق عوائد مالية”، نظرًا لكون المعاملات الرقمية مجهولة الهوية لكنها قابلة للتتبع.
ويرى داعمو الفكرة أن توسيع المدفوعات الرقمية قد يسمح باستمرار النشاط التجاري بعيدًا عن القيود المفروضة على إدخال النقد. في المقابل، حذرت مصادر أخرى من أن المشروع قد يعمّق الفصل الاقتصادي بين غزة والضفة الغربية، خصوصًا إذا لم تخضع العملة لإشراف سلطة النقد الفلسطينية.
وقال أحد المصادر إن غياب وسائل دفع سلسة بين المنطقتين قد يجعل من الصعب الحفاظ على الروابط الاقتصادية، ما قد يدفع غزة نحو اقتصاد شبه مستقل، وهو ما وصفه بـ“الأمر المقلق”.
غير أن مصدرًا مطلعًا نفى وجود نية لفصل الاقتصادين، مؤكدًا أن الهدف يقتصر على تمكين الفلسطينيين من إجراء معاملاتهم رقميًا.
وتبرز تحديات تقنية أمام المشروع، من بينها الانقطاعات المتكررة للكهرباء في غزة، إضافة إلى القيود المفروضة منذ سنوات على شبكات الاتصالات، حيث لا يزال القطاع يعتمد على شبكة الجيل الثاني البطيئة. وأشار تانكمان إلى أن هذه الشبكة ستُطوّر بحلول يوليو المقبل لتوفير وصول مجاني وعالي السرعة إلى الخدمات الأساسية.
