رحل عن عالمنا يوم الأحد 8 آذار/مارس 2026 المؤرخ والمفكر الفلسطيني البارز وليد الخالدي في مدينة كامبردج، عن عمر ناهز 101 عام، بعد مسيرة علمية وفكرية امتدت لأكثر من ستة عقود كرّسها لتوثيق تاريخ فلسطين والدفاع عن روايتها التاريخية في الأوساط الأكاديمية العالمية.
ويُعد الخالدي أحد أبرز المؤرخين الفلسطينيين والعرب في القرن العشرين، ومن رواد البحث العلمي في القضية الفلسطينية، إذ ساهم عبر كتبه ودراساته ومشاريعه البحثية في حفظ الذاكرة الوطنية الفلسطينية وتوثيق أحداث النكبة وتاريخ القرى المهجرة.
النشأة والبدايات
وُلد وليد أحمد سامح الخالدي في 16 تموز/يوليو 1925 في القدس، لأسرة مقدسية عريقة من الأسرة الخالدية المعروفة بدورها العلمي والسياسي في تاريخ المدينة.
تلقى تعليمه المبكر في مدارس القدس، ثم درس في مدرسة الفرندز في رام الله قبل أن ينتقل إلى المدرسة الإنجيلية في القدس لاستكمال تعليمه الثانوي. وفي عام 1945 حصل على درجة البكالوريوس من جامعة لندن متخصصًا في التاريخ الإغريقي والروماني واللغة اللاتينية، قبل أن يتخرج لاحقًا من جامعة أوكسفورد عام 1951.
ومع اندلاع نكبة عام 1948، انخرط الخالدي مبكرًا في العمل الوطني، إذ شارك ضمن وفد الهيئة العربية العليا في الأمم المتحدة للدفاع عن القضية الفلسطينية.
مسيرة أكاديمية وبحثية واسعة
عمل الخالدي محاضرًا في الدراسات السياسية في الجامعة الأمريكية في بيروت لسنوات طويلة، قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة حيث عمل باحثًا في مركز هارفارد للشؤون الدولية، كما حاضر في جامعات مرموقة مثل جامعة برنستون وجامعة أوكسفورد.
وكان أيضًا زميلًا في الأكاديمية الأمريكية للآداب والعلوم، وشارك في تأسيس الجمعية العلمية الملكية في عمّان، إلى جانب دوره البارز في تأسيس مراكز بحثية متخصصة في دراسة القضية الفلسطينية.
مؤسسة الدراسات الفلسطينية.. مشروع العمر
يُعد الخالدي أحد المؤسسين الرئيسيين لـ مؤسسة الدراسات الفلسطينية التي تأسست في بيروت عام 1963، والتي أصبحت لاحقًا واحدة من أهم المراكز البحثية المتخصصة في توثيق تاريخ القضية الفلسطينية.
وشغل منصب أمين سر المؤسسة منذ تأسيسها، قبل أن يُختار عام 2016 رئيسًا فخريًا لها بإجماع مجلس الأمناء. وحتى سنواته الأخيرة ظل يساهم في إنتاجها البحثي ويشرف على أعمالها العلمية من مقر إقامته في الولايات المتحدة.
إرث علمي في توثيق الذاكرة الفلسطينية
ترك وليد الخالدي إرثًا علميًا ضخمًا من الدراسات والكتب التي تناولت تاريخ فلسطين الحديث، وخاصة نكبة عام 1948 وقضية اللاجئين الفلسطينيين.
ومن أبرز أعماله كتاب «كي لا ننسى» الذي يُعد من أهم المراجع في توثيق القرى الفلسطينية التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي خلال النكبة، حيث جمع بين الوثائق التاريخية والروايات الشفوية الفلسطينية، مقدّمًا سجلًا تفصيليًا لذاكرة القرى المهجرة.
كما أصدر دراسات مهمة حول مجزرة دير ياسين، والسردية التاريخية الفلسطينية، وشارك في تحرير وإصدار العديد من الكتب الأكاديمية التي أصبحت مراجع أساسية للباحثين.
ويرى مؤرخون أن الخالدي كان من أبرز رواد المدرسة المهنية في الكتابة التاريخية الفلسطينية، حيث اعتمد على الوثائق والأرشيفات المتعددة وناقش الروايات التاريخية المختلفة بمنهجية علمية نقدية.
تكريم وإشادات
حظي الخالدي بتكريم واسع تقديرًا لدوره العلمي والوطني. ففي عام 2015 قلّد الرئيس محمود عباس المؤرخ الراحل وسام نجمة الشرف لدولة فلسطين من الطبقة العليا تقديرًا لإسهاماته الفكرية في خدمة القضية الفلسطينية.
كما نعت شخصيات سياسية وثقافية فلسطينية وعربية رحيله، مؤكدة أن فلسطين فقدت برحيله قامة فكرية كبيرة كرست حياتها للدفاع عن الحقيقة التاريخية للشعب الفلسطيني.
مدرسة تاريخية للأجيال
لم يكن وليد الخالدي مجرد مؤرخ يوثق الأحداث، بل كان أحد بناة الوعي التاريخي الفلسطيني الحديث. فقد أسهم في تدريب أجيال من الباحثين والمؤرخين، ووضع أسسًا منهجية لدراسة تاريخ فلسطين بعيدًا عن السرديات غير الموثقة.
ومع رحيله، يترك الخالدي إرثًا فكريًا وبحثيًا غنيًا سيبقى مرجعًا للأجيال القادمة، وشاهدًا على رحلة طويلة من العمل العلمي في سبيل حفظ الذاكرة الفلسطينية وترسيخ روايتها في التاريخ العالمي.
