أفادت القناة 13 الإسرائيلية، مساء الثلاثاء 16 يونيو/حزيران 2026، بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أوقفت في الفترة الأخيرة عملية عسكرية كانت إسرائيل تعتزم تنفيذها في قطاع غزة، في وقت تتجه فيه تل أبيب إلى توسيع سيطرتها الميدانية على مناطق إضافية من القطاع، عبر مسار وصفه التقرير العبري بأنه “ضم زاحف وهادئ”.
وبحسب التقرير، فإن العملية العسكرية نوقشت على أعلى المستويات السياسية والأمنية في إسرائيل، غير أن الإدارة الأميركية أبدت معارضة واضحة لها بعد اطلاعها على تفاصيل الخطة، وطلبت من إسرائيل عدم تنفيذها في المرحلة الحالية.
وأشار التقرير إلى أن الجيش الإسرائيلي، وبدلاً من الذهاب إلى عملية عسكرية واسعة، يعمل خلال الفترة الأخيرة على توسيع نطاق سيطرته داخل قطاع غزة، ولا سيما في المناطق المحاذية لما يُعرف بـ“الخط الأصفر”، في ظل الجمود المستمر في المفاوضات المتعلقة بالمرحلة الثانية من خطة ترامب لوقف الحرب وترتيب مستقبل القطاع.
وكان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قد قال، في تصريحات صدرت عنه نهاية أيار/مايو الماضي، إن إسرائيل تسيطر على أكثر من 60% من قطاع غزة، مضيفاً أن توجيهاته للجيش هي التقدم تدريجياً نحو السيطرة على 70% من مساحة القطاع.
ووفق القناة 13، فإن إسرائيل تسيطر حالياً على نحو 59% من مساحة غزة، مقارنة بنحو 53% عند بدء وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر الماضي. ويرى التقرير أن هذا التوسع يجري في ظل تعثر المبادرة الأميركية بشأن القطاع، وعدم التقدم في الملفات الأساسية، وعلى رأسها نزع سلاح حركة حماس، وترتيبات الانسحاب الإسرائيلي، وآلية تشكيل إدارة فلسطينية أو دولية جديدة في غزة.
ونقلت القناة عن مصدر دبلوماسي أجنبي قوله إن التحرك الإسرائيلي يتم من دون مواجهة علنية مع الوسطاء الدوليين. وادعى المصدر أن هذا الواقع أصبح ممكناً بسبب غضب الوسطاء من أداء حركة حماس في المفاوضات، زاعماً أن الحركة لا تفي بالتعهدات التي قدمتها لإدارة ترامب وللوسطاء العرب.
وبحسب التقرير، فإن إسرائيل تستغل حالة الجمود السياسي لتوسيع “المنطقة الصفراء” ميدانياً، عبر تثبيت وقائع جديدة على الأرض، من بينها توسيع مناطق السيطرة، وتحريك علامات حدودية، وتعزيز الوجود العسكري قرب مناطق سكنية، في خطوة يعتبرها منتقدون محاولة لتحويل الخط الأصفر من خط مؤقت للانتشار العسكري إلى حدود فعلية طويلة الأمد داخل القطاع.
وكانت صحيفة “وول ستريت جورنال” قد ذكرت قبل نحو ثلاثة أسابيع أن إسرائيل أعدت خططاً لاستئناف القتال في غزة بعد انتهاء المواجهة مع إيران، ونقلت عن مسؤول إسرائيلي أن الاستعدادات للعودة إلى العمليات العسكرية كانت قائمة بالفعل. كما تحدثت الصحيفة، وفق ما نقلته القناة 13، عن توسيع إسرائيلي لمناطق السيطرة قرب الخط الأصفر، على خلفية مزاعم إسرائيلية بأن حماس تعمل على إعادة بناء قدراتها العسكرية وترميم شبكة الأنفاق.
ويأتي هذا التطور في وقت تتواصل فيه الجهود الدبلوماسية لدفع المرحلة الثانية من خطة ترامب، والتي تتضمن، وفق المقترحات الأميركية، نزع سلاح حماس تدريجياً مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي من قطاع غزة.
وفي هذا السياق، نقلت القناة 13 عن مسؤول في “مجلس السلام” قوله إن المجلس يتوقع من جميع الأطراف الالتزام بتعهداتها ضمن خطة وقف إطلاق النار، بما في ذلك إسرائيل. وأضاف أن الطريق الأسرع لتنفيذ أهداف الاتفاق يتمثل في قبول حماس بخارطة الطريق التي طرحها مبعوث المجلس إلى غزة نيكولاي ملادينوف، والتي تقوم على تفكيك السلاح تدريجياً، يعقبها انسحاب إسرائيلي تدريجي.
في المقابل، كانت حماس والفصائل الفلسطينية قد أعلنت أنها سلّمت الوسطاء المصريين والقطريين والأتراك رداً موحداً بشأن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، عقب مباحثات عقدت في مدينة العلمين المصرية.
وبحسب ما أعلنته مصادر فلسطينية مشاركة في المفاوضات، فإن رد الفصائل يتضمن آلية لحصر السلاح الثقيل وتخزينه تدريجياً وعلى مراحل، وفق جدول زمني يتم الاتفاق عليه بعد استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق.
وربطت الفصائل بدء أي خطوات في ملف السلاح بدخول اللجنة الوطنية الفلسطينية إلى قطاع غزة ومباشرة عملها، وانتشار قوة الاستقرار الدولية، وتفكيك المجموعات المسلحة المتعاونة مع إسرائيل، إلى جانب انسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجياً من المناطق التي يسيطر عليها داخل القطاع.
كما شددت الفصائل على أن أي ترتيبات تتعلق بالسلاح يجب أن تتم عبر اللجنة الوطنية الفلسطينية وبالتعاون مع الفصائل، ومن دون تسليم أي أسلحة لإسرائيل أو لأي جهة غير فلسطينية.
وأكدت كذلك أن تنفيذ بنود الاتفاق، بما في ذلك ملف السلاح، يجب أن يكون مرتبطاً بمسار سياسي يضمن حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته، مع التشديد على ضرورة تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بكل تفاصيلها قبل الانتقال إلى المراحل اللاحقة.
وتكشف هذه التطورات عن مسارين متوازيين في غزة: مسار دبلوماسي متعثر تقوده واشنطن والوسطاء الإقليميون، ومسار ميداني إسرائيلي يقوم على توسيع السيطرة داخل القطاع بصورة تدريجية، من دون الإعلان عن عملية عسكرية واسعة قد تصطدم مباشرة بالموقف الأميركي.
وبين اعتراض واشنطن على العملية العسكرية الإسرائيلية، وتعثر المفاوضات مع حماس، وتوسع السيطرة الإسرائيلية على الأرض، يبدو أن قطاع غزة يدخل مرحلة جديدة عنوانها تثبيت الوقائع الميدانية بدلاً من الحسم العسكري المباشر، بما يهدد بتحويل “الخط الأصفر” إلى خط تقسيم دائم داخل القطاع.
