أكد رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري أن القرار الإسرائيلي المتعلق بسحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل في البلدة القديمة ومحيط الحرم الإبراهيمي الشريف يشكل منعطفاً خطيراً في استهداف المدينة ومؤسساتها، معتبراً أنه محاولة لفرض واقع استيطاني جديد في قلب الخليل، وإرضاء المستوطنين قبيل الاستحقاقات السياسية داخل إسرائيل.
وقال الجعبري، خلال حديث تابعته "وكالة قدس نت للأنباء" عبر برنامج “ملف اليوم” على شاشة تلفزيون فلسطين الرسمي، إن ما أعلنه وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش، الذي يشغل أيضاً منصب وزير في وزارة الجيش، بشأن إلغاء بنود من اتفاق الخليل وسحب صلاحيات التخطيط والبناء من البلدية، لا يمكن فصله عن حملة إسرائيلية ممنهجة تستهدف البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي الشريف والمناطق المغلقة في المدينة.
وأوضح أن اتفاق الخليل، أو ما يعرف ببروتوكول الخليل، هو اتفاق سياسي جرى توقيعه بعد اتفاق أوسلو، وبرعاية وإشراف الإدارة الأميركية، لافتاً إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالي بنيامين نتنياهو هو من وقع الاتفاق في حينه، الأمر الذي يجعل تصريحات سموتريتش، بحسب الجعبري، تحدياً ليس فقط للفلسطينيين، بل للاتفاقيات الدولية وللجهات التي رعتها.
وأضاف الجعبري أن سموتريتش هدد مراراً باتخاذ هذه الخطوة، لكنه اختار الإعلان عنها في هذا التوقيت في محاولة لاستمالة المستوطنين وكسب أصواتهم، من خلال تقديم وعود تتعلق بفرض السيطرة على البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي والمناطق المغلقة، وسحب الصلاحيات من بلدية الخليل لصالح المستوطنين والجهات الإسرائيلية.
وبيّن أن بروتوكول الخليل قسم المدينة إلى منطقتين: H1 الخاضعة للإدارة الفلسطينية، وH2 الخاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، مع بقاء الصلاحيات المدنية والخدماتية لبلدية الخليل في مناطق المدينة كافة. وأشار إلى أن منطقة H2 ليست محصورة في الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة فقط، بل تضم أحياء واسعة ويقطنها نحو 80 ألف مواطن، وتشمل مناطق مثل واد الحصين، حارة جابر، السلايمة، تل الرميدة، أجزاء من حارة بسنينة، المنطقة الصناعية، جبل جوهر، وحارة الجعبري.
وشدد رئيس البلدية على أن القرار الإسرائيلي يهدف عملياً إلى سحب الصلاحيات التخطيطية من البلدية، وفتح المجال أمام المستوطنين لتغيير معالم الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة، والاستيلاء على مبان وأراض تابعة للبلدية، وإقامة بؤر استيطانية جديدة من دون الرجوع إلى بلدية الخليل أو الأوقاف الإسلامية.
وقال الجعبري إن ما يقوم به سموتريتش هو “شرعنة” لما تنفذه الحكومة الإسرائيلية والمستوطنون على الأرض منذ فترة، مشيراً إلى أن المستوطنين استولوا قبل أسابيع على أحد مباني البلدية عند مدخل البلدة القديمة، وأنهم يسعون إلى توسيع سيطرتهم على مزيد من الممتلكات والمواقع الحساسة.
وأكد أن بلدية الخليل لن تعترف بأي جسم بديل أو إدارة استيطانية داخل المدينة، وأن أهالي الخليل لن يتعاملوا إلا مع مجلس بلدي منتخب يمثلهم. وأضاف أن البلدية ستواصل تقديم خدماتها في جميع مناطق المدينة، بما فيها البلدة القديمة والمناطق المغلقة ومحيط الحرم الإبراهيمي، رغم التحديات المالية والقيود الإسرائيلية.
وأشار الجعبري إلى أنه توجه، عقب صدور القرار، إلى الحرم الإبراهيمي الشريف وأدى صلاة الظهر فيه برفقة مئات المواطنين، مؤكداً أن هذه الخطوة حملت رسالة واضحة بأن بلدية الخليل وأهل المدينة متمسكون بالحرم وبالبلدة القديمة وبحقهم في إدارة مدينتهم.
وحذر من أن الاحتلال يسعى إلى دفع المواطنين إلى ترك مناطقهم عبر التضييق والإغلاقات ومنع التجول والاقتحامات المتكررة، خصوصاً في مناطق واد الحصين وحارة جابر والسلايمة وتل الرميدة. لكنه شدد على أن عنوان المرحلة هو الصمود والثبات، وأن البلدية ستعمل، بالتعاون مع المؤسسات الفلسطينية، على توفير الحد الأدنى من مقومات الصمود للسكان.
ودعا الجعبري الحكومة الفلسطينية إلى عقد اجتماع عاجل في دار بلدية الخليل، معتبراً أن حضور الحكومة إلى قلب المدينة سيكون رداً سياسياً واضحاً على سياسة سموتريتش، ورسالة للعالم بأن الخليل ليست وحدها في مواجهة محاولات الضم والسيطرة. كما دعا إلى توفير دعم مالي للبلدية حتى تتمكن من الاستمرار في تقديم الخدمات للمواطنين في مناطق H2 والمناطق المغلقة.
وكشف رئيس بلدية الخليل أن البلدية باشرت سلسلة خطوات سياسية ودبلوماسية وقانونية لمواجهة القرار، بينها عقد اجتماع طارئ لمؤسسات وفعاليات المدينة في دار البلدية، وتوجيه رسائل إلى أكثر من 120 بلدية ترتبط بعلاقات توأمة مع الخليل حول العالم، إضافة إلى مخاطبة السفراء والقناصل والجهات الدولية لشرح خطورة ما يجري.
وأوضح أن هذه الرسائل تهدف إلى حشد التأييد الدولي والضغط على الحكومات والمؤسسات المعنية للتدخل الفوري، مؤكداً أن ما تتعرض له الخليل لا يتعلق فقط بالاستيلاء على أرض أو مبنى، بل بمحاولة الاستيلاء على صلاحيات بلدية تاريخية أقدم من الاحتلال بعقود طويلة.
وانتقد الجعبري موقف الإدارة الأميركية، قائلاً إنها رعت توقيع بروتوكول الخليل، وعليها أن تتحمل مسؤوليتها تجاه ما يجري. وأكد أن صمت واشنطن إزاء خطوات سموتريتش وحكومة نتنياهو يشجع على تقويض الاتفاقيات الموقعة ويمس أي حديث عن السلام أو الاستقرار.
وفي ما يتعلق بالحرم الإبراهيمي الشريف، قال الجعبري إن الدخول إلى الحرم بات يشبه الدخول إلى ثكنة عسكرية، بسبب الحواجز والتفتيش والإجراءات التي تطال الرجال والنساء والأطفال. وأضاف أن الاحتلال يستخدم هذه الإجراءات لترهيب الفلسطينيين ومنعهم من التوجه إلى الحرم، في إطار سياسة تستهدف فرض التقسيم الزماني والمكاني وتغيير الوضع القائم.
وشدد على أن الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة جزء لا يتجزأ من مدينة الخليل والأرض الفلسطينية، داعياً المواطنين إلى تكثيف وجودهم في الحرم وإقامة الصلوات فيه، ومؤكداً أن الرد الشعبي على السياسة الإسرائيلية يجب أن يكون بتعزيز الحضور الفلسطيني في المناطق المستهدفة.
كما حذر الجعبري من تأثير القرار على الاقتصاد المحلي في الخليل، مشيراً إلى أن المدينة تعد أحد أهم المراكز الاقتصادية الفلسطينية، وأن إغلاق مداخلها والقيود المفروضة على مناطقها الصناعية والتجارية يضرب الاقتصاد الفلسطيني عموماً، وليس اقتصاد الخليل وحده. ورغم ذلك، أكد أن في المدينة إصراراً على استمرار العمل والإنتاج والبناء، سواء من البلدية أو من أصحاب المصانع ورأس المال الفلسطيني.
وختم الجعبري حديثه بتوجيه رسالة إلى “كل الشرفاء في العالم”، وإلى الاتحاد الأوروبي والإدارة الأميركية والمؤسسات الدولية، داعياً إلى التدخل العاجل لوقف إجراءات سموتريتش وحماية بلدية الخليل وصلاحياتها ومبانيها وأراضيها، وحماية الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة من محاولات السيطرة والتهويد.حسب متابعة "وكالة قدس نت للأنباء"
وأكد أن قرار سموتريتش “لن يمر”، وأن بلدية الخليل، بالتعاون مع مؤسسات المدينة والقيادة الفلسطينية وأبناء الشعب الفلسطيني، ستواصل الدفاع عن صلاحياتها وحقوق المواطنين ومقدسات المدينة، في مواجهة ما وصفه بحملة استيطانية شرسة تستهدف قلب الخليل وهويتها الوطنية والتاريخية.
