تشهد المنطقة بعد مرور شهر على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تداعيات اقتصادية متسارعة انعكست على اقتصادها، وبثت تخوفات كبيرة لدولها، ولا سيما لجهة أسعار المواد والسلع والمخزونات.
وبدأت الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير الماضي هجوماً عسكرياً مشتركاً واسع النطاق على إيران، التي أطلقت بدورها هجوماً مضاداً بعنوان "الوعد الصادق 4"، استهدفت خلاله مواقع في إسرائيل وقواعد عسكرية أمريكية ومنشآت ومواقع حيوية ونفطية عديدة في دول الخليج.
ومنذ اليوم الأول للحرب، أعلنت وسائل إعلام إيرانية توقف حركة مرور السفن في مضيق هرمز، قبل أن تتوالى المعلومات من إيران عن استهداف ناقلات نفط حاولت العبور دون الالتفات لتحذيرات طهران، دون إعلان رسمي عن إغلاق الممر المائي.
وأسهمت الحرب في زيادة حالة عدم اليقين في الأسواق المالية، وارتفاع مستويات المخاطر الجيوسياسية، في حين تعرضت الأسواق الناشئة لضغوط ناتجة عن تقلبات أسعار الطاقة وتكاليف التمويل.
وتتدحرج تداعيات الحرب مثل "كرة ثلج" لتأخذ أبعاداً اقتصادية متزايدة، بعدما بدأت كصراع عسكري مباشر قبل أن تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية، مهددة استقرار اقتصادات العديد من الدول.
ومع اتساع رقعة الحرب، تحول مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية في العالم، من شريان حيوي للتجارة العالمية إلى نقطة اختناق حادة، ما انعكس بشكل مباشر على تدفقات الطاقة، وسلاسل الإمداد، والقطاعات الصناعية والغذائية حول العالم.
ويرى مراقبون أن الحرب على إيران تتجه نحو التحول إلى أزمة اقتصادية عالمية شاملة، مع ارتفاع أسعار الطاقة، وتضرر سلاسل الإمداد، وتزايد تكاليف الدفاع، فيما تبقى الأسئلة مفتوحة حول مدى استمرار الصراع وكيفية احتواء تداعياته التي تهدد استقرار الأسواق التجارية والمالية في العديد من دول المنطقة.
وأكد خبراء عرب في الشأن الاقتصادي إن استمرار الحرب لشهر كامل أدى إلى خلق بيئة اقتصادية أكثر تقلباً في المنطقة، مع تأثيرات واضحة على الطاقة والتجارة والسياحة والطيران.
وقالوا لوكالة أنباء ((شينخوا)): "إذا استمر التصعيد، فمن المرجح أن تتعمق هذه التداعيات لتشمل تباطؤاً في النمو الاقتصادي وارتفاعاً إضافياً في مستويات التضخم، إلى جانب ضغوط مستمرة على سلاسل الإمداد العالمية".
وبينوا أن هذه التطورات تعكس حالة من عدم الاستقرار الإقليمي، وستمتد تأثيراتها إلى أسواق الطاقة والتجارة الدولية وحركة السفر، ما يستدعي من الحكومات والشركات تعزيز إجراءات التكيف وإدارة المخاطر خلال الفترة المقبلة.
-- ارتفاع أسعار النفط والغاز
وأشار الخبير الاقتصادي الأردني الدكتور رعد التل إلى أن أسعار النفط سجلت ارتفاعات ملحوظة بفعل المخاوف من تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي يعد ممراً رئيسياً لتجارة النفط العالمية، موضحاً أن الارتفاع امتد إلى أسعار المشتقات النفطية، ما أدى إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج في العديد من الدول، وأعاد الضغوط التضخمية إلى الواجهة في اقتصادات عدة تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة.
واتفق الإعلامي والباحث الإماراتي إبراهيم الذهلي مع الدكتور التل في أن تداعيات الحرب بدأت تنعكس بشكل واضح على الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط والمحروقات نتيجة حالة عدم اليقين في الأسواق.
وأوضح الذهلي أن هذا الارتفاع يزيد الضغوط على الدول المستوردة للطاقة، ويرفع تكاليف النقل والإنتاج، ما يؤدي إلى زيادة أسعار السلع الأساسية على المستوى العالمي.
وحسب أستاذ الاقتصاد في جامعة بغداد الدكتور زياد الجبوري، فإن تداعيات الحرب كبيرة ومتعددة وأثرت على زيادة أسعار المشتقات النفطية والغاز بشكل عام في أغلب دول العالم، مبيناً أن استهداف منشآت الطاقة في إيران وبعض دول الخليج سينعكس بصورة سلبية على مجمل النشاطات الاقتصادية في العالم، كون أن الصناعة في العالم تعتمد بشكل كبير على النفط.
وأوضح أن العراق يعد من أكثر دول المنطقة تأثراً بهذه الحرب لكون اقتصاده ريعياً ويعتمد على تصدير النفط بأكثر من 90%، لافتاً إلى أن الحكومة قد لا تتمكن من تأمين رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين نتيجة انخفاض وارداتها النفطية.
ويرى الباحث الاقتصادي ومستشار المركز العربي للدراسات بالقاهرة أبوبكر الديب أن الحرب تدفع سوق النفط العالمي إلى حالة من الهلع الاستباقي، حيث ترتفع الأسعار ليس فقط نتيجة نقص فعلي في الإمدادات، لكن أيضاً بسبب توقعات المخاطر المرتبطة بتعطل مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وهو ما يجعل سعر البرميل يتحرك مدفوعاً بعوامل نفسية واحترازية إلى جانب العوامل الحقيقية.
وأغلق خام برنت، الأسبوع الماضي، عند 114 دولاراً للبرميل، مسجلاً ارتفاعاً بأكثر من 55% منذ بداية الحرب، مقابل 72 دولاراً قبل اندلاعها، فيما تقلص حجم الإمدادات المفقودة من النفط إلى نحو 15 مليون برميل يومياً من أصل 20 مليوناً قبل الحرب.
وبشأن الغاز، قفزت الأسعار من 30 يورو لكل ميغاواط/ساعة قبل الحرب إلى 70 يورو حالياً، مع توقف قطر عن تصدير الغاز المسال، الذي يمثل نحو 20% من الاستهلاك العالمي، بعد إعلانها حالة "القوة القاهرة".
ويرى خبراء أن استمرار إغلاق مضيق هرمز قد يؤدي إلى فقدان 13 إلى 14 مليون برميل يومياً من الإمدادات العالمية، ما قد يرفع أسعار النفط إلى 85 دولاراً إذا انتهت الحرب مطلع إبريل المقبل، و100 دولار إذا ما استمرت حتى نهاية نفس الشهر.
وفي ظل تصاعد المخاوف من نقص إمدادات النفط وارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية، أعلنت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية عن الإفراج الجماعي عن أكثر من 400 مليون برميل من احتياطياتها الاستراتيجية، في أكبر تدخل منسق منذ تأسيس الوكالة عام 1974.
ويمثل القرار سادس تدخل جماعي للوكالة، لكنه الأضخم من حيث الحجم، حيث يتزامن مع توقف شبه كامل لحركة الشحن عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط والغاز المسال عالمياً.
وأشار الأكاديمي والباحث الاقتصادي اللبناني مدير مركز إشراق للدراسات الدكتور أيمن عمر إلى أن تعطل مضيق هرمز أدى إلى اضطراب واسع في حركة التجارة العالمية، ما انعكس مباشرة في ارتفاع أسعار النفط والمحروقات وزيادة غير مسبوقة في كلفة الشحن والتأمين البحري، إضافة إلى تأخير وصول السلع الأساسية إلى الأسواق.
وأكد الأكاديمي عمر أن الطاقة أصبحت العامل المحوري في موجة التضخم الحالية، إذ أدى ارتفاع أسعار النفط إلى سلسلة من التأثيرات المتتابعة شملت ارتفاع كلفة النقل والإنتاج وزيادة أسعار المواد الغذائية، إضافة إلى تضخم يمتد من المنتج إلى المستهلك.
وخالف المحلل الاقتصادي العماني خلفان الطوقي الجميع، كون بلاده استفادت من ارتفاع أسعار النفط العالمي جراء الحرب، حيث حقق النفط العماني رقماً قياسياً عالمياً، وهو الأول في تاريخه، حيث وصل سعر برميل النفط العماني إلى 167 دولاراً للبرميل، بعد أن كان يراوح قبل الحرب عند 62 دولاراً للبرميل.
-- تأثر حركة الشحن والتجارة
وبين الخبير التل أن حركة الشحن البحري والتجارة الدولية تأثرت بفعل ارتفاع تكاليف التأمين وتزايد المخاطر المرتبطة بالمرور في مناطق التوتر وقد دفع ذلك بعض شركات الشحن إلى إعادة توجيه مساراتها نحو طرق أطول وأكثر كلفة، ما انعكس على أسعار السلع المستوردة وأثر في كفاءة سلاسل التوريد العالمية، خاصة في القطاعات المرتبطة بالطاقة والمواد الأولية.
من جهته، أكد الباحث الذهلي أن سلاسل الإمداد الدولية تأثرت أيضاً، حيث أدت التحديات المرتبطة بالممرات البحرية الإقليمية، بما في ذلك مضيق هرمز، إلى تأخيرات في شحن المواد الخام والسلع، الأمر الذي دفع العديد من الشركات إلى إعادة تقييم المخاطر والبحث عن مسارات بديلة، رغم ارتفاع تكلفتها.
فيما أشار الخبير الجبوري إلى أن الحرب أدت إلى خسارة العراق خلال شهر واحد لأكثر من 8 ملايين دولار، هي أجور عبور الطائرات في الأجواء العراقية فقط، بالإضافة إلى خسارته لملايين الدولارات نتيجة توقف الرحلات الجوية من وإلى المطارات العراقية.
وتوقعت منظمة التجارة العالمية تباطؤ نمو التجارة العالمية إلى 1.9% خلال العام الحالي 2026، مقارنة مع 4.6% في العام 2025، جراء ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد تكاليف النقل والشحن، فيما حذرت من أن الحرب تشكل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي العالمي، ما يتطلب إبقاء سلاسل الإمداد مفتوحة لتجنب نقص الإمدادات وارتفاع أسعار الأسمدة.
بدورها، حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وهي منظمة اقتصادية حكومية دولية تضم 35 دولة عضواً، تأسست عام 1961، من خروج الاقتصاد العالمي عن مسار النمو القوي، بفعل تصاعد الحرب ورفع معدلات التضخم بشكل حاد في حال استمرار التوقف شبه التام لحركة شحنات الطاقة عبر مضيق هرمز.
وتسببت الحرب بضغوط كبيرة على أسواق الشحن الجوي العالمية، وهو ما أثر بشكل مباشر على حركة التجارة الدولية، حيث أدى إغلاق بعض المجالات الجوية وتعطل حركة العبور في مراكز مثل دبي والدوحة، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار وقود الطائرات ورسوم التأمين، إلى قفزات حادة في أسعار الشحن الجوي.
وذكرت وورلد ايه سي دي لبيانات الشحن الجوي أن متوسط أسعار الشحن الجوي العالمية ارتفع بنسبة 10% خلال الأسبوع المنتهي في 15 مارس، ليصل إلى 2.67 دولار للكيلوجرام.
وأشارت إلى أن الأسعار الفورية عالمياً صعدت بنسبة 12% لتصل إلى 3.19 دولار للكيلوجرام، في حين كانت القفزة الأكبر من نصيب الشرق الأوسط وجنوب آسيا، حيث بلغت الأسعار الفورية 4.37 دولار للكيلوجرام بزيادة أسبوعية 22% وسنوية 58%.
كما بينت البيانات أن أسعار الشحن من جنوب آسيا إلى أوروبا ارتفعت بنسبة 70%، ومن جنوب آسيا إلى أمريكا الشمالية بنسبة 58%، ومن أوروبا إلى الشرق الأوسط بنسبة 55%. ويعكس هذا الاتساع نطاق التأثير من أزمة إقليمية إلى اضطراب يطال سلاسل الإمداد العالمية.
وتعيد الحرب إلى الأذهان سيناريوهات الاضطراب التي شهدها العالم في أزمات سابقة، لكن بشكل أكثر تعقيداً نظراً لتداخل مسارات التجارة العالمية مع بؤر التوتر في المنطقة، حسبما ذكر الخبير الديب.
وبين الديب أن أي تهديد للممرات البحرية الرئيسية يؤدي إلى إعادة توجيه خطوط الشحن أو تقليصها، وهو ما يرفع تكاليف النقل والتأمين ويطيل زمن وصول السلع ويخلق اختناقات في الأسواق العالمية.
فيما يلفت الأكاديمي اللبناني عمر إلى أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بندرة السلع، بل بتعطل تدفقها وارتفاع كلفة إيصالها، ما يهدد الأمن الغذائي العالمي، خصوصاً في الدول النامية التي تشكل فيها المواد الغذائية نسبة كبيرة من إنفاق الأسر.
وفي تأثير الحرب على المدخلات الزراعية الأساسية مثل الأسمدة والطاقة، يرى الدكتور عمر ما ينذر بارتفاع إضافي في تكاليف الإنتاج الزراعي خلال المواسم المقبلة، وبالتالي موجة تضخم مؤجلة قد تكون أكثر حدة.
-- تراجع نسبي بأعداد السياح
وأشار الخبير التل إلى أن دول المنطقة شهدت تراجعاً نسبياً في أعداد السياح نتيجة المخاوف الأمنية المرتبطة بالتصعيد العسكري، حيث تأثرت حركة السفر الجوي بشكل مباشر، إذ تم تعديل أو إلغاء عدد من الرحلات، وإعادة رسم مسارات الطيران لتجنب مناطق النزاع، ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات وارتفاع تكاليف التشغيل لدى شركات الطيران، وبالتالي ارتفاع أسعار التذاكر بشكل عام.
واتفق الباحث الذهلي مع التل في أن حركة السفر والطيران شهدت تراجعاً ملحوظاً، مع قيام شركات الطيران بتعديل مساراتها لتجنب مناطق التوتر، إلى جانب انخفاض الطلب على السفر نتيجة التحذيرات الصادرة في عدد من الدول.
وأوضح الخبير الجبوري أن قطاع السياحة في العراق يعد من القطاعات التي تأثرت بصورة واضحة نتيجة الحرب في عموم العراق، وخاصة في إقليم كردستان شمالي العراق، الذي يعد شهر مارس الجاري موسم الذروة السياحي فيه.
وبين الجبوري أن الحرب منعت مئات الآلاف من مدن وسط وجنوب وغربي العراق من زيارة الإقليم، فضلاً عن السائحين الأجانب، وأدت إلى حدوث بطالة في هذا القطاع، فضلاً عن أن الشركات الصغيرة أصبحت مهددة بالإفلاس إذا استمرت الحرب لفترة أطول.
من جانبه، أكد الخبير الديب أن قطاع السياحة والسفر وحركة الطيران يعد من أكثر القطاعات هشاشة أمام الصدمات الجيوسياسية، لأن قرارات السفر ترتبط بدرجة كبيرة بعامل الثقة والاستقرار، ومع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط تتراجع شهية السائحين للسفر إلى المنطقة حتى لو كانت بعض الدول بعيدة نسبياً عن بؤر الصراع.
وحسب الخبير الديب، فإن ارتفاع أسعار الوقود يؤدي إلى زيادة تكلفة تذاكر الطيران، وهو ما يقلل من الطلب على السفر، وفي الوقت ذاته فإن شركات الطيران تضطر إلى تغيير مساراتها لتجنب مناطق الخطر.
وأدت الحرب في المنطقة إلى إلغاء آلاف المسافرين حجوزاتهم بالفنادق والمنتجعات خوفاً من تداعياتها، فيما أسهمت قضية مضيق هرمز في ارتفاع كبير في أسعار وقود الطائرات، الذي يمثل عادة ما بين خمس إلى ربع النفقات التشغيلية للطائرات.
وتسببت الحرب في خسائر لقطاع السياحة بالمنطقة تبلغ نحو 600 مليون دولار يومياً، وذلك وفق تقديرات المجلس العالمي للسياحة والسفر، حيث أسهم إلغاء الرحلات الجوية وإغلاق المجال الجوي بدول عدة في المنطقة، والمخاوف المتزايدة لدى من كانوا يخططون للسفر إليها، في إلحاق أضرار كبيرة بقطاع السياحة بعد اندلاع حرب إيران.
وكانت تقديرات المجلس العالمي للسياحة والسفر، قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أن السياح سوف ينفقون نحو 207 مليارات دولار في الشرق الأوسط عام 2026.
ويؤكد المحلل الاقتصادي العماني خلفان الطوقي أن الحرب أثرت سلباً وبمستوى كبير جداً على الفنادق، حيث إن كثيراً من الدول حول العالم، وخاصة أوروبا، ألغت رحلاتها إلى الشرق الأوسط ودول الخليج، وبالطبع منها سلطنة عمان.
