في حي المعادي العريق بالقاهرة، حيث تضفي الأشجار الوارفة لمسة من الهدوء على صخب المتاجر والمقاهي، كانت عقارب الساعة تقترب من التاسعة مساءً، حيث تبدأ ذروة الحياة في العاصمة المصرية في هذا التوقيت من الأيام العادية، لكن اليوم، المشهد بات مغايرا تماماً.
بخطوات مثقلة، وقف عبد الرحمن محمد يغلق أبواب متجره للهواتف المحمولة، مطفئاً أنوار "النيون" التي كانت تتلألأ حتى ما بعد منتصف الليل، ويقول بلهجة يكسوها التعجب "القاهرة مدينة عرفت تاريخيا بأنها لا تنام، لكننا اليوم ندفع نحو صمت لم نعهده من قبل".
هذا الصمت ليس مجرد تغيير في نمط الحياة، بل هو انعكاس لقرار حكومي شامل يلزم المحال والمراكز التجارية والمنشآت الصناعية بإغلاق أبوابها في تمام التاسعة مساءً.
ويأتي هذا الإجراء كاستجابة اضطرارية لضغوط اقتصادية حادة خلفتها التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، والتي شملت مواجهات عسكرية بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى.

وتعتمد مصر بشكل كبير على واردات الغاز الطبيعي لتشغيل محطات الكهرباء، حيث كانت الإمدادات القادمة من الحقول الإقليمية تغطي نحو 20 بالمئة من الاستهلاك المحلي، ومع توقف هذه التدفقات منذ بدء الهجمات على إيران في 28 فبراير الماضي، واضطراب الملاحة في مضيق هرمز، قفزت فاتورة الطاقة الشهرية لمصر من 1.2 مليار دولار إلى مستوى قياسي بلغ 2.5 مليار دولار.
خلف الأرقام الاقتصادية الكبيرة، تبرز قصص إنسانية تعكس حجم التحدي، فعلى سبيل المثال، ياسين سامي (28 عاماً)، صاحب متجر للإلكترونيات بالعاصمة القاهرة، كان يخطط لحفل زفافه في منتصف أبريل المقبل، لكنه يواجه الآن قلقاً حقيقياً من عدم قدرته على إتمام الاحتفال في ظل إجراءات الإغلاق وتصاعد التكاليف.
وقال سامي في تصريحات لوكالة أنباء ((شينخوا)) بحسرة "كيف نقيم زفافاً في مدينة تعيش على السهر إذا كان كل شيء سينتهي قبل أن يبدأ؟ يشعر المواطن العادي أنه يتحمل ضريبة صراعات اندلعت بعيداً".
وعلى مقربة من "ميدان التحرير" بوسط القاهرة، ينظر محمد هاني، صاحب مقهى شعبي، إلى طاولاته الخاوية. بالنسبة له، فإن كل زيادة في سعر لتر الوقود أو تذكرة المترو تعني اقتطاعاً مباشراً من ميزانية الغذاء والدواء لأسرته.
ويقول هاني "المساء كان هو وقت الرزق الحقيقي لنا، والآن فقدنا نصف ساعات العمل".
في محاولة لموازنة الكفة، اعتمدت الحكومة المصرية استراتيجية مزدوجة؛ فبينما فرضت "الظلام الجزئي" على المدن الكبرى، أبقت الأنوار مضاءة في المناطق السياحية بالقاهرة والسوبر ماركت والصيدليات إلى جانب المدن السياحية مثل الغردقة وشرم الشيخ والأقصر وأسوان.
وتعد هذه الوجهات "رئة الاقتصاد" الحالية، حيث حققت نحو 16.7 مليار دولار من العملة الصعبة العام الماضي، وهي مبالغ حيوية لتأمين السلع الأساسية.

وبالتوازي، طبقت الدولة إجراءات تقشفية صارمة شملت خفض مخصصات الوقود للمركبات الحكومية بنسبة 30 بالمئة، ووقف العمل مؤقتاً في بعض المشروعات القومية الكبرى، واعتماد نظام "العمل عن بعد" لموظفي الجهاز الإداري والقطاع الخاص يوم الأحد من كل أسبوع لتوفير استهلاك الكهرباء.
ويرى الباحث الاقتصادي بالمركز العربي للبحوث والدراسات بالقاهرة أبو بكر الديب أن هذه الخطوات هي "دواء مر" تحت وطأة نقص الوقود.
ويضيف في تصريح لـ((شينخوا)) "القرار ضروري لتخفيف الضغط المالي، لكنه سيؤدي حتماً إلى تراجع القوة الشرائية وانكماش في قطاعي المطاعم والترفيه، اللذين يمثلان ركيزة أساسية في الاقتصاد الخدمي المصري".
وبينما تخبو أضواء القاهرة تدريجياً كل ليلة، تظل العاصمة المصرية تراقب بقلق تطورات الصراع الإقليمي، حيث بات الهدوء في شوارعها سيد الموقف، ليس برغبة من سكانها، بل بفعل قوى جيوسياسية رسمت حدود الحركة والضوء من وراء البحار.
