يشهد مسار مفاوضات وقف إطلاق النار في قطاع غزة حراكاً جديداً تقوده الأطراف الوسيطة، في محاولة لكسر حالة الجمود التي خيمت على الاتفاق خلال الفترة الأخيرة، ولا سيما مع تصاعد الانشغال الإقليمي إثر حرب إيران. وتستضيف القاهرة هذا الحراك عبر سلسلة اجتماعات ومباحثات تهدف إلى إعادة إحياء تنفيذ بنود الاتفاق المتعثرة، ودفع الأطراف نحو معالجة الملفات العالقة.
وبحسب ما أوردته مصادر نقلت عنها وسائل إعلام، فإن القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين مباحثات شارك فيها الوسطاء إلى جانب الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، وذلك في إطار استكمال الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار في غزة. وأشارت المصادر إلى أن أجواء إيجابية سادت هذه اللقاءات، مع تأكيد مختلف الأطراف التزامها بمواصلة العمل لتنفيذ بنود الاتفاق، وسط توافق على استكمال المحادثات في القاهرة خلال الأسبوع المقبل.
في هذا السياق، أكدت حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية جديتها في استئناف خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بجميع مراحله، مع التشديد على ضرورة استكمال المرحلة الأولى بكل بنودها. وأوضحت الحركة، عقب لقاءات أجراها وفدها مع مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، إضافة إلى اجتماع مع ملادينوف بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، أنها ملتزمة بالاتفاق كاملاً، وقد تلقت دعوة لمواصلة المحادثات خلال الأيام المقبلة في القاهرة.
ويرى محللون أن هذا الحراك يعكس حرص الوسطاء، وفي مقدمتهم مصر، على إبقاء ملف غزة مفتوحاً سياسياً وعدم السماح لإسرائيل بفرض أمر واقع جديد في القطاع مستفيدة من انشغال المنطقة بتطورات أخرى. كما أن استئناف الاتصالات يهدف إلى تحريك القضايا المؤجلة، وعلى رأسها بدء عمل «لجنة التكنوقراط»، باعتبارها إحدى القضايا الجوهرية في ترتيبات المرحلة المقبلة.
في المقابل، تدرك «حماس» أن إسرائيل لا تبدي استعداداً فعلياً للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، في ظل ما تعتبره الحركة محاولة إسرائيلية للتنصل من الالتزامات والاستحقاقات المترتبة عليها. ومن هنا، تسعى الحركة، بحسب تقديرات سياسية، إلى إظهار التزامها الكامل بالاتفاق وإلقاء مسؤولية التعطيل على الجانب الإسرائيلي، بما يحرجه أمام المجتمع الدولي ويفكك حالة الجمود الحالية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن النقاشات الجارية في القاهرة تناولت كذلك ملفات حساسة، أبرزها ملف السلاح، ودمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، إضافة إلى تمكين «لجنة التكنوقراط» من مباشرة عملها. وبحسب مصادر فلسطينية، فإن «حماس» شددت على أن أي نقاش في ملف السلاح يجب أن يسبقه انسحاب الاحتلال ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، محذرة من أن القفز إلى هذا الملف قبل توفير هذه الشروط قد يؤدي إلى فراغ أمني واسع.
ويبرز ملف نزع سلاح «حماس» بوصفه أحد أكثر القضايا تعقيداً، خصوصاً بعد طرحه ضمن الخطة المرتبطة بملادينوف، والتي تتحدث عن تفكيك شبكة الأنفاق والتخلي التدريجي عن السلاح خلال أشهر، مقابل انسحاب إسرائيلي كامل بعد التحقق من خلو غزة من السلاح. إلا أن إسرائيل تربط انسحابها من القطاع بإنجاز نزع السلاح أولاً، وهو ما يزيد تعقيد المشهد ويجعل هذه النقطة إحدى أبرز العقبات أمام التقدم.
وبينما يرى بعض المراقبين أن ما يجري حالياً لا يتجاوز تبادل الرسائل وتهيئة الملفات بانتظار انقشاع الظروف الإقليمية، يعتقد آخرون أن الاجتماعات المقبلة قد تحمل خطوات عملية، خاصة في ما يتعلق بترتيب عمل «لجنة التكنوقراط» وتهيئة الأرضية للانتقال إلى المراحل التالية من الاتفاق.
في المحصلة، يعكس الحراك الجاري محاولة جديدة لإنعاش اتفاق غزة ومنع انهياره الكامل، وسط تأكيد من «حماس» على التزامها بالمضي في جميع المراحل، مقابل استمرار الشكوك بشأن الموقف الإسرائيلي وإمكان تجاوبه مع أي تقدم حقيقي في المفاوضات.
