بعد مرور نحو ثلاثة أشهر على إعلان تشكيل «لجنة إدارة قطاع غزة» من القاهرة، لا تزال اللجنة عاجزة عن مباشرة عملها ميدانياً داخل القطاع، في ظل استمرار تعثر دخول أعضائها عبر معبر رفح، رغم فتحه خلال الفترة الماضية، ما يعكس تعقيدات سياسية وأمنية متعددة تحيط بملف إدارة غزة في مرحلة ما بعد الحرب.
وبحسب مصادر فلسطينية تحدثت لصحيفة «الشرق الأوسط»، فإن تأخر تسلم اللجنة لمهامها يعود إلى أربعة عوامل رئيسية، أبرزها الرفض الإسرائيلي المستمر للسماح بدخول أعضائها، إلى جانب غياب اتفاق واضح مع حركة «حماس» بشأن آليات التسليم، فضلاً عن عدم توفر موازنة مالية تُمكّن اللجنة من أداء مهامها، إضافة إلى غياب قوة ميدانية داعمة سواء دولية أو محلية.
الرفض الإسرائيلي... العقبة الأبرز
تشير المعطيات إلى أن الموقف الإسرائيلي يمثل العائق الأكثر تأثيراً، حيث ترفض حكومة بنيامين نتنياهو حتى الآن السماح بدخول اللجنة إلى القطاع، رغم الجهود التي يقودها وسطاء، على رأسهم مصر، بالتنسيق مع الولايات المتحدة.
وتؤكد مصادر فلسطينية أن إسرائيل لا تبدي اهتماماً فعلياً بخطط إعادة ترتيب الوضع الإداري في غزة، بما في ذلك المبادرات المرتبطة بما يُعرف بـ«مجلس السلام» أو الرؤى الأميركية، ما يضع مستقبل اللجنة في دائرة التجاذبات السياسية الإقليمية والدولية.
خلافات غير محسومة مع «حماس»
في موازاة التعقيدات الخارجية، لا تزال الخلافات الداخلية تلقي بظلالها على عمل اللجنة، إذ لم يتم التوصل إلى تفاهم نهائي مع حركة «حماس» بشأن تفاصيل تسليم المهام، بما يشمل إدارة المؤسسات، وترتيبات الأمن، وقضية السلاح.
ورغم إعلان «حماس» استعدادها لتسليم إدارة القطاع، إلا أن مراقبين يرون أن الحركة لم تتخذ خطوات عملية كافية في هذا الاتجاه، بل تواصل تعزيز نفوذها على الأرض، ما يثير تساؤلات حول مدى استعدادها الفعلي للتخلي عن السيطرة لصالح اللجنة.
غياب التمويل يعطل الانطلاق
كما يشكل غياب الموارد المالية عائقاً جوهرياً أمام اللجنة، التي يُفترض أن تضطلع بمهام إنسانية وإغاثية واسعة في قطاع يعاني من أوضاع كارثية. ويرى محللون أن أي جهة إدارية لا يمكنها العمل دون موازنات واضحة تضمن تنفيذ خطط الطوارئ وإعادة الإعمار وتوفير الخدمات الأساسية للسكان.
الحاجة إلى قوة داعمة على الأرض
إلى جانب ذلك، يبرز غياب قوة أمنية أو دولية تدعم عمل اللجنة كعامل إضافي في تأخير انتشارها، حيث يُنظر إلى وجود مثل هذه القوة كضمانة للاستقرار ومنع أي خروقات محتملة، خصوصاً في ظل استمرار التوترات الميدانية.
وتشير تقديرات إلى أن تشكيل جهاز شرطة فلسطيني داخل القطاع قد يكون شرطاً أساسياً لتسهيل دخول اللجنة، خاصة إذا اقترن بضغوط أميركية على إسرائيل للموافقة على ذلك.
رهانات على اجتماع القاهرة
في ظل هذه التعقيدات، تتجه الأنظار إلى الاجتماعات المرتقبة في القاهرة، والتي يُتوقع أن تناقش بشكل موسع مستقبل اللجنة وآليات تمكينها من العمل. ويرى مراقبون أن نجاح هذه الاجتماعات مرهون بتوفر إرادة سياسية دولية، خصوصاً من جانب الولايات المتحدة، إلى جانب استعداد الأطراف الفلسطينية لتقديم تنازلات متبادلة.
وفي المحصلة، يبقى ملف لجنة إدارة غزة عالقاً بين حسابات السياسة والأمن والتمويل، ما يعكس صعوبة الانتقال إلى مرحلة إدارة مدنية مستقرة في القطاع دون توافقات شاملة تعالج جذور الأزمة.
