تتجه الأنظار إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، التي تستعد لاحتضان جولة مفاوضات إيرانية أميركية يوم السبت 11 ابريل/نيسان 2026 توصف بأنها من الأكثر حساسية منذ عقود، في محاولة لانتزاع اتفاق يضع حداً دائماً للحرب الدائرة منذ أواخر فبراير/شباط، وسط تعقيدات ميدانية وسياسية لا تزال تضغط بقوة على فرص النجاح. وتؤكد باكستان رسمياً أنها تستضيف هذه المحادثات في إطار مساعٍ لبلورة “حل دائم ومستدام”، بينما تصفها تقارير دولية بأنها اختبار حاسم لمدى صمود الهدنة المؤقتة المعلنة هذا الأسبوع.
ووصل الوفد الإيراني إلى إسلام آباد مساء الجمعة 10 ابريل/نيسان 2026 برئاسة رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، ويضم وزير الخارجية عباس عراقجي، وأمين مجلس الدفاع علي أكبر أحمديان، ومحافظ البنك المركزي، إلى جانب لجان أمنية وسياسية وعسكرية واقتصادية وقانونية، في إشارة إلى اتساع الملفات المطروحة على الطاولة، من وقف الحرب إلى الاقتصاد والعقوبات والممرات البحرية. وفي المقابل، توجه نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى باكستان على رأس الوفد الأميركي، بمشاركة المبعوث ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترامب، وفق ما أكدته تقارير أميركية ودولية.
وتأتي هذه المفاوضات في ظل هدنة مشروطة لمدة أسبوعين أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أوقفت مؤقتاً الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية على إيران، لكنها لم تنهِ بعد أزمة مضيق هرمز، كما لم توقف التوتر المرتبط بالجبهة اللبنانية، وهو ما جعل الهدنة تبدو حتى الآن أقرب إلى نافذة اختبار منها إلى تسوية مستقرة. وتقول رويترز ووكالات أخرى إن استمرار القيود الإيرانية على الملاحة في المضيق أبقى أسواق الطاقة العالمية تحت الضغط، بينما تنظر العواصم المعنية إلى محادثات إسلام آباد باعتبارها الفرصة الأبرز لمنع عودة المواجهة العسكرية.
شروط إيرانية مسبقة وواضحة
غير أن طهران دخلت إلى هذه الجولة بشروط مسبقة واضحة. فقد أعلن قاليباف أن بدء التفاوض مشروط بتنفيذ بندين تقول إيران إنهما تم الاتفاق عليهما سابقاً: وقف إطلاق النار في لبنان، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج. كما كرر وزير الخارجية عباس عراقجي الموقف نفسه، معتبراً أن أي مسار تفاوضي لا يمكن أن يمضي بينما تستمر الغارات الإسرائيلية على لبنان. وتؤكد تقارير متقاطعة أن هذه الشروط أثارت شكوكاً حتى اللحظة الأخيرة بشأن انطلاق الاجتماعات وفق الجدول المقرر.
ونقل الإعلام الرسمي عن قاليباف قوله لاحقاً : إن إيران “لديها نوايا حسنة ولكن لا ثقة في الولايات المتحدة“، مضيفاً "مستعد للتوصل إلى اتفاق إذا عرضت الولايات المتحدة اتفاقا حقيقيا ومنحت إيران حقوقها".
رسائل مزدوجة تجمع بين الانفتاح والتهديد
في المقابل، تبعث واشنطن برسائل مزدوجة تجمع بين الانفتاح والتهديد. فقد قال فانس قبل مغادرته إن بلاده مستعدة لـ“مفاوضات إيجابية” إذا تفاوضت إيران “بحسن نية”، محذراً في الوقت نفسه من محاولة “التلاعب” بواشنطن. أما ترامب، فصعّد لهجته بالقول إن إيران لا تملك “أوراقاً” تفاوضية حقيقية باستثناء قدرتها على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، ولوّح بإعادة استخدام القوة إذا فشلت المباحثات، مع تأكيده أن الولايات المتحدة لن تسمح بتهديد الممرات المائية الدولية.
ملفات أشد تعقيداً
وتكشف المعطيات المتداولة أن جوهر الخلاف لا يقتصر على وقف إطلاق النار فقط، بل يمتد إلى ملفات أشد تعقيداً، أبرزها البرنامج النووي الإيراني، ومصير اليورانيوم المخصب، ورفع العقوبات الأميركية، ومستقبل مضيق هرمز، فضلاً عن نفوذ طهران الإقليمي. وتشير تقارير رويترز ووكالات أخرى إلى أن الولايات المتحدة تريد إعادة فتح المضيق والحد من القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، بينما تدفع طهران باتجاه رفع العقوبات واستعادة أصولها وتثبيت مطالبها السيادية في المضيق، ما يعكس اتساع الفجوة بين رؤيتي الطرفين.
الجبهة اللبنانية
وتبرز الجبهة اللبنانية كواحدة من أكبر العقد التي تهدد المسار التفاوضي. فبينما تصر إيران على أن وقف النار يجب أن يشمل لبنان، تواصل إسرائيل هجماتها على حزب الله، في وقت قالت فيه واشنطن وتل أبيب إن الحرب على الحزب ليست جزءاً من تفاهم الهدنة مع طهران. وقد أودت الضربات الإسرائيلية الأخيرة في لبنان بمئات القتلى، بحسب تقارير إخبارية دولية، ما منح الموقف الإيراني ذريعة إضافية للتشدد وربط التفاوض بوقف هذا المسار العسكري.
وفي هذا السياق، تبدو باكستان حريصة على تثبيت صورتها كوسيط قادر على جمع الخصوم حول طاولة واحدة. فقد أكد رئيس الوزراء شهباز شريف أن هذه المرحلة “حاسمة” وأن بلاده ستواصل تسهيل الوصول إلى حل دائم، بينما أظهرت مؤشرات رسمية وإعلامية باكستانية أن إسلام آباد فرضت إجراءات أمنية واسعة واستنفاراً لوجستياً استعداداً للاجتماعات. وتفيد تقارير دولية بأن نمط التفاوض قد يكون غير مباشر، على غرار جولات سابقة بوساطة أطراف إقليمية، مع إبقاء المكان والتوقيت الدقيقين ضمن ترتيبات أمنية مشددة.
ويرى مراقبون أن أهمية هذه الجولة لا تنبع فقط من مستوى التمثيل السياسي، بل أيضاً من كونها قد ترسم شكل المرحلة التالية في الإقليم كله. فإذا نجحت، قد تفتح الباب أمام تثبيت هدنة أوسع، وتخفيف الضغط على أسواق الطاقة، وبدء تفاهمات حول النووي والعقوبات والملاحة. أما إذا تعثرت، فإن البديل المرجح سيكون عودة سريعة إلى التصعيد، خصوصاً مع استمرار الاستعدادات العسكرية الأميركية، وتشدد إيران في شروطها، وتواصل القتال على الساحة اللبنانية.
وعليه، تنطلق مفاوضات إسلام آباد وسط توازن دقيق بين فرصة دبلوماسية نادرة وكمّ هائل من الشكوك. فالمشهد حتى مساء الجمعة يشير إلى حضور الوفدين واستعداد الوسيط الباكستاني، لكنه يكشف أيضاً أن الطريق إلى اتفاق دائم لا يزال مليئاً بالألغام السياسية والميدانية، وأن نجاح هذه الجولة سيتوقف على قدرة الطرفين على تجاوز منطق الشروط القصوى قبل أن تنقضي مهلة الهدنة الهشة.
