«فتح» على أعتاب المؤتمر الثامن: سباق الترتيبات وصراع التمثيل قبل لحظة إعادة تشكيل القيادة

ترأس رئيس دولة فلسطين محمود عباس (أبومازن)، مساء الخميس 08 يناير/كانون الثاني 2026، بمقر الرئاسة في مدينة رام الله، الجلسة الافتتاحية للدورة الثالثة عشر للمجلس الثوري لحركة فتح

تكثف الأطر القيادية في حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» اجتماعاتها الداخلية استعداداً لعقد المؤتمر العام الثامن في موعده المقرر منتصف الشهر المقبل، في وقت تتداخل فيه الترتيبات التنظيمية مع نقاشات حساسة تتعلق بتركيبة المؤتمر، وحجم العضوية، وشكل القيادة الجديدة التي ستنبثق عنه.

 وبحسب مصادر متعددة داخل الحركة، فإن الساعات الماضية شهدت حراكاً متواصلاً داخل اللجنة التحضيرية واللجان المنبثقة عنها، في محاولة لإنجاز الملفات العالقة قبل الموعد المحدد لانعقاد المؤتمر.حسب تقرير لصحيفة «القدس العربي».

ووفق المصادر ذاتها، فإن الاجتماع الذي عقده الرئيس الفلسطيني محمود عباس(أبومازن)، بصفته رئيس حركة «فتح»، مع اللجنة التحضيرية مساء الأحد، لم يحسم بصورة نهائية ملف العضوية، بعدما طُرحت أمامه قائمة واسعة ضمت عدداً كبيراً من الأسماء تجاوز بكثير الأعداد التي اعتادت الحركة اعتمادها في مؤتمراتها السابقة ( نحو 4000 عضو) . وتشير المعطيات التي نقلها  التقرير إلى أن هذا الأمر دفع الرئيس عباس إلى مطالبة اللجنة بإعادة التدقيق في القوائم، والعودة إلى معايير أكثر تقييداً، بما ينسجم مع الطبيعة التمثيلية للمؤتمر وفق النظام الداخلي للحركة (1500 عضو) يمثلون ساحات الحركة في الداخل والخارج.

خلاف تنظيمي حول حجم المؤتمر

بحسب مسؤول في المجلس الثوري، فإن اللجنة التحضيرية أجرت خلال الفترة الماضية عملية مراجعة واسعة للأسماء التي تنطبق عليها شروط العضوية، سواء من القيادات التنظيمية الثابتة بحكم مواقعها، أو من ممثلي الأقاليم والمكاتب الحركية والقطاعات النقابية والنسوية والشبابية، إضافة إلى شريحة الأسرى. غير أن هذه العملية أفضت إلى قائمة طويلة بشكل غير مسبوق، ما أثار نقاشاً داخلياً حول ما إذا كان المؤتمر سيتجه إلى توسيع قاعدة التمثيل، أم العودة إلى صيغة أكثر انضباطاً من حيث العدد.

وتفيد المصادر بأن الرئيس عباس شدد خلال الاجتماع على ضرورة الالتزام بالنظام الداخلي والمعايير المعتمدة، معتبراً أن المؤتمر العام ليس تجمعاً مفتوحاً لكل من تنطبق عليه الصفة التنظيمية، بل إطار تمثيلي تحكمه محددات واضحة. ومن هنا، عادت اللجنة التحضيرية إلى اجتماعات متواصلة لإعادة فرز العضوية وتقليص الأسماء، تمهيداً لعرض القوائم المعدلة لاعتمادها رسمياً.

ترتيبات ميدانية متعددة الساحات

في موازاة الجدل المتصل بالعضوية، تسير الحركة في إعداد البنية اللوجستية والتنظيمية للمؤتمر، الذي يُفترض أن يمتد على ثلاثة أيام. ووفق المعلومات التي أوردها تقرير «القدس العربي»، فإن المقر الرئيسي سيكون في رام الله، مع ترتيبات موازية لعقد جلسات أو نقاط مشاركة في قطاع غزة والقاهرة وبيروت، بهدف استيعاب الكوادر الذين قد يتعذر عليهم الوصول إلى الضفة الغربية.

وتشير هذه الترتيبات إلى محاولة فتحاوية مبكرة لتجاوز أي عراقيل قد تفرضها إسرائيل على حركة المشاركين، خصوصاً القادمين من الخارج أو من بعض الساحات التي تواجه تعقيدات سياسية وأمنية. وفي هذا الإطار، اتخذت قيادة الحركة قراراً باحتساب النصاب القانوني للمؤتمر على أساس الساحات الأربع مجتمعة، بما يضمن انعقاده حتى في حال تعذر مشاركة بعض الأعضاء من موقع جغرافي محدد.

لجان متخصصة وإدارة دقيقة للمؤتمر

ضمن التحضيرات الجارية، شُكلت سلسلة من اللجان الفرعية لتولي الجوانب الفنية والإعلامية واللوجستية المرتبطة بالمؤتمر. ووفق ما أورده التقرير، تتولى اللجنة الإعلامية، برئاسة نائب أمين سر اللجنة المركزية صبري صيدم، إعداد المواد الإعلامية والتنظيمية الخاصة بالمؤتمر، بما في ذلك الشعار والمطبوعات والمواد الإرشادية المتعلقة بآليات التصويت والترشح.

كما أُنيطت الجوانب اللوجستية والإدارية بلجان أخرى يشرف عليها حسين الشيخ، عضو اللجنة المركزية ونائب الرئيس الفلسطيني، وتتمثل مهمتها في تنظيم استقبال المشاركين، وإدارة أعمال المؤتمر، ومتابعة الجوانب الفنية للعملية الانتخابية وفرز الأصوات. ولا يقتصر عمل هذه اللجان على الترتيبات التقنية، بل يمتد إلى الإعداد لليوم الانتخابي الذي يُنتظر أن يشهد اختيار أعضاء الهيئات القيادية الجديدة، إلى جانب إقرار وثائق تنظيمية وسياسية مرتبطة بمسار الحركة في المرحلة المقبلة.

سباق مبكر على المواقع القيادية

بالتوازي مع ترتيبات الانعقاد، بدأت داخل أطر الحركة تحركات متسارعة لقيادات وكوادر تسعى إلى خوض انتخابات اللجنة المركزية والمجلس الثوري. وتشير إفادات مسؤولين في الحركة إلى أن المشهد الداخلي يشهد نشاطاً ملحوظاً من شخصيات معروفة وأخرى صاعدة، بعضها ينتمي إلى أطر ميدانية ونقابية وشبابية، وكلها تسعى إلى قياس فرصها وبناء قواعد تأييد بين الأعضاء المتوقع مشاركتهم في المؤتمر.

وتوحي هذه التحركات بأن المؤتمر الثامن لن يكون مجرد محطة تنظيمية دورية، بل مناسبة لإعادة توزيع موازين القوى داخل «فتح». فداخل الحركة يدور حديث متزايد عن احتمال دخول وجوه جديدة إلى اللجنة المركزية للمرة الأولى، من بينها شخصيات تُصنف ضمن ما تسميه الأطر التنظيمية بـ"فئة الشباب"، في مقابل توقعات بإعادة ترشح معظم أعضاء القيادة الحالية للحفاظ على مواقعهم.

نحو إعادة ضبط مشهد الترشح

وبحسب مصادر من داخل الحركة، فإن أحد أبرز الدروس التي تتعامل معها القيادات هذه المرة هو مسألة كثافة المرشحين، التي أثرت في مؤتمرات سابقة على توزع الأصوات وطبيعة التمثيل داخل الهيئات المنتخبة. ونقل تقرير «القدس العربي» عن أحد قيادات الأقاليم في غزة أن هناك توجهاً لترشيد عدد المرشحين، بما يمنع التشتت، ويعزز تمثيل الساحات والقطاعات بشكل أكثر توازناً.

ويعكس هذا التوجه رغبة في الوصول إلى معادلة لا تطغى فيها المنافسة الفردية على الحسابات التنظيمية الأشمل، خصوصاً في ظل نقاشات داخلية تتعلق بضرورة ضمان حضور قطاعات مثل المرأة والشبيبة والأسرى، وعدم إبقاء التمثيل محصوراً في النخب التقليدية وحدها.

مؤتمر يتجاوز الترتيبات إلى سؤال الدور

ولا يقتصر النقاش الدائر حول المؤتمر على الجوانب الإجرائية، بل يمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بموقع الحركة نفسها ودورها السياسي في المرحلة المقبلة. ففي مقالات وآراء تناولت المؤتمر المرتقب، رأى السفير نظمي حزوري أن المؤتمر الثامن يشكل محطة مفصلية لإعادة ترتيب البيت الفتحاوي، وصياغة مقاربة وطنية أكثر شمولاً تعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية على المستويين الإقليمي والدولي، وفق ما ورد في طرحه المشار إليه في المادة الأصلية.

وفي اتجاه أكثر نقدية، كتب المتوكل طه سلسلة مقالات اعتبر فيها أن المؤتمر المقبل يمثل اختباراً فعلياً لقدرة «فتح» على مراجعة ذاتها، وإعادة تعريف علاقتها بالسلطة وبالمشروع الوطني، محذراً من أن الجمود التنظيمي والسياسي قد يفضي إلى مزيد من التآكل الداخلي. ويرى طه، كما ورد في قراءاته، أن استعادة الحركة لدورها التاريخي تتطلب شجاعة في المراجعة، وقدرة على اتخاذ قرارات تعيد وصل التنظيم بوظيفته الأصلية كحركة تحرر وطني.

لحظة مفصلية قبل إعادة تشكيل الهرم الفتحاوي

في المجمل، تكشف التحضيرات الجارية عن أن «فتح» تدخل مؤتمرها الثامن وسط تداخل واضح بين اعتبارات التنظيم، وحسابات النفوذ، والأسئلة السياسية الكبرى. فالمعركة لا تدور فقط حول عدد الأعضاء أو ترتيب القاعات أو آليات الاقتراع، بل أيضاً حول شكل القيادة المقبلة، وحدود التجديد الممكن، والقدرة على إنتاج خطاب وبرنامج يواكبان التحولات الفلسطينية والإقليمية.

وبينما تعمل اللجنة التحضيرية على استكمال القوائم وضبط الترتيبات النهائية، يبدو أن الحركة تقف أمام استحقاق داخلي بالغ الحساسية: مؤتمر يفترض أن يعيد إنتاج الشرعية التنظيمية، لكنه قد يتحول أيضاً إلى مساحة اختبار لمدى قدرة «فتح» على التكيف مع مرحلة جديدة، عنوانها إعادة ترتيب القيادة من جهة، وإعادة تعريف الدور السياسي من جهة أخرى.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - غزة