سلّط تحقيق مطوّل نشرته صحيفة هآرتس الضوء على ظاهرة مقلقة تتفاقم في قطاع غزة، تتمثل في اختفاء عشرات الأطفال شهريًا، في ظل الفوضى الإنسانية التي خلّفتها الحرب المستمرة.
آلاف تحت الركام ومئات بلا مصير
بحسب تقديرات «المركز الفلسطيني للمفقودين»، لا تزال نحو 2700 جثة لأطفال مدفونة تحت أنقاض المنازل المدمّرة، في حين يُرجّح أن نحو 200 طفل آخرين فُقدوا في ظروف مرتبطة بالحرب، سواء داخل مخيمات النزوح أو قرب نقاط توزيع المساعدات أو في مناطق انتشار الجيش الإسرائيلي.
ويعرض التحقيق هذه الحالات من منظور إنساني، مسلطًا الضوء على قصص الأطفال وعائلاتهم، بعيدًا عن الأرقام المجردة، في طرح وصفته الصحيفة بأنه مختلف عن السائد في الإعلام الإسرائيلي.
اختفاء في دقائق
من بين القصص التي وثقها التحقيق، حالة الطفل محمد غبن (4 أعوام)، الذي اختفى من خيمة عائلته في بيت لاهيا شمال القطاع. وتروي والدته أنه كان يلعب أمام الخيمة، ثم دخل ليعانقها قبل أن يخرج مجددًا، ليختفي خلال دقائق دون أي أثر.
نداءات يومية وبحث مستمر
وأشار التحقيق إلى انتشار نداءات يومية عبر منصات التواصل الاجتماعي في غزة، تنشرها عائلات فقدت أطفالها، أو صور لأطفال عُثر عليهم وهم يبحثون عن ذويهم. وغالبًا ما تتراوح أعمار هؤلاء بين 3 و10 سنوات.
ووفق الصحيفة، لا تعود حالات الاختفاء فقط إلى الضياع وسط مخيمات النزوح، بل ترتبط أحيانًا بشكل مباشر بالعمليات العسكرية، إذ اختفى بعض الأطفال قرب مناطق تماس مثل محور "نتساريم"، فيما عُثر على آخرين كانوا يبحثون عن الطعام.
صدمات نفسية واختفاء غامض
كما تناول التحقيق حالة الطفل سامر أبو جامع (10 أعوام)، الذي كان يعاني من اضطرابات نفسية بعد مشاهدته عمليات قتل خلال الحرب. واختفى سامر بعد مغادرته خيمة عائلته قرب رفح، دون أن تتوفر أي معلومات عن مصيره حتى الآن.
وتقول والدته إنها تراه في أحلامها باستمرار، مضيفة: "سأواصل البحث عنه حتى آخر نفس".
اتهامات متبادلة وغموض
وأشار التقرير إلى تضارب الروايات داخل غزة بشأن أسباب الاختفاء، حيث نفت جهات محلية وجود عمليات خطف منظمة، معتبرة أن الحالات تعود إلى الضياع أو ظروف عائلية، فيما تحدثت مصادر أخرى عن دور لجهات مسلحة في نشر الفوضى.
شبهة ابتزاز استخباراتي
وفي إحدى الحالات، ذكر التحقيق أن عائلة طفلة مفقودة تلقت اتصالًا من شخص عرّف نفسه بأنه من الاستخبارات الإسرائيلية، عرض تزويدهم بمعلومات مقابل التعاون، وهو ما رفضته العائلة.
قيود على جهود البحث
من جانبها، أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن لديها آلاف الطلبات المفتوحة للبحث عن مفقودين في غزة، لكنها تواجه قيودًا كبيرة على عملها، خاصة في ما يتعلق بالوصول إلى المحتجزين أو الحصول على معلومات من الجانب الإسرائيلي.
مأساة مستمرة
يعكس هذا التحقيق حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها الأطفال في غزة، حيث لا يقتصر الخطر على القصف والدمار، بل يمتد إلى فقدان الأمان وانقطاع الروابط العائلية، في ظل واقع معقد يجعل الوصول إلى إجابات حول مصير المفقودين مهمة شاقة ومفتوحة على كل الاحتمالات.
