علي الذوادي في كواليس الاتفاق الأميركي الإيراني: دبلوماسية قطرية هادئة تضغط على واشنطن وتربك حسابات نتنياهو

علي الذوادي خلف رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري في مجلس الأمن (الأناضول).jpeg

برز اسم الدبلوماسي القطري علي الذوادي في قلب الكواليس السياسية التي سبقت التفاهم الأميركي الإيراني المرتقب، بعد تقارير إسرائيلية وعربية تحدثت عن دور محوري لعبه في تقريب المواقف بين واشنطن وطهران، ودفع مسار التهدئة الإقليمية إلى مراحله النهائية.

وكشف محلل الشؤون العربية في قناة i24NEWS العبرية، باروخ يديد، مساء الثلاثاء 16 يونيو/حزيران 2026، أن الذوادي، الذي يُنظر إليه داخل دوائر الوساطة بوصفه أحد الوجوه الصاعدة في الدبلوماسية القطرية، كان من أبرز الشخصيات التي تولت إدارة الاتصالات غير المباشرة مع الإيرانيين، وصولاً إلى بلورة الاتفاق الذي تقول واشنطن إنه يمهد لإنهاء جولة الحرب وفتح مسار تفاوضي جديد.

وبحسب التقرير، أجرى الذوادي أربع زيارات ضمن مسار الوساطة، وجلس مع المسؤولين الإيرانيين لساعات طويلة وصلت إلى نحو عشرين ساعة من المداولات المكثفة، قبل أن يبلغ المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بأن الطريق بات مفتوحاً أمام التوصل إلى صيغة تفاهم قابلة للعرض على الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الدور القطري لم يكن هامشياً أو بروتوكولياً، بل كان جزءاً من هندسة تفاوضية أوسع شاركت فيها أطراف إقليمية ودولية، بينها قطر وباكستان، بهدف منع انهيار وقف إطلاق النار، وتثبيت إطار أولي للتفاوض بين واشنطن وطهران بعد أشهر من التصعيد العسكري والسياسي.

وتقول مصادر مطلعة على مسار المحادثات إن الوفد القطري، بقيادة علي الذوادي وحمد الكبيسي، تحرك بسرية عالية، حتى إن رحلته إلى طهران تمت عبر تركيا للحفاظ على طابع المهمة بعيداً عن الأضواء. وتركزت المباحثات مع الإيرانيين على ضمانات وقف الحرب، ومصير المخزون الإيراني من اليورانيوم المخصب، ومستقبل العقوبات، وفتح مضيق هرمز، إضافة إلى تأثير الجبهات الإقليمية، ولا سيما لبنان، على أي تفاهم نهائي.

ويُفهم من التسريبات أن الذوادي لم يعمل منفرداً، بل ضمن شبكة تفاوضية ضمت ويتكوف وكوشنر، مع تنسيق مباشر مع الدوحة وواشنطن. وبعد بلورة الصيغة الأولية، مارس الثلاثة ضغوطاً على ترامب لدفعه إلى اعتماد الاتفاق، في وقت جرى فيه، وفق التقرير الإسرائيلي، منع مسارات اتصال أخرى كان يمكن أن تعرقل التفاهم أو تؤثر في صياغته، ومن بينها قنوات مرتبطة بإسرائيل أو برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

وتمنح هذه التفاصيل للدور القطري بعداً سياسياً يتجاوز الوساطة التقليدية. فالدبلوماسية القطرية، التي راكمت حضوراً في ملفات غزة والرهائن والحوار مع الفصائل الفلسطينية، بدت في هذا المسار وكأنها تنتقل إلى مستوى أوسع، يتصل مباشرة بإدارة التوازنات بين الولايات المتحدة وإيران، وضبط حدود الحركة الإسرائيلية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

ويأتي صعود اسم الذوادي بعد أشهر من ظهوره في ملف آخر أثار جدلاً داخل إسرائيل، حين حضر مكالمة الاعتذار التي أجراها نتنياهو مع رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في البيت الأبيض، عقب الهجوم الإسرائيلي على العاصمة القطرية الدوحة في أيلول/سبتمبر 2025.

علي الذوادي.jpg


 

وتقول تقارير إسرائيلية إن الذوادي ظهر في صور تلك المكالمة إلى جانب مسؤولين أميركيين، ما أثار تساؤلات واسعة حول موقعه داخل قنوات التواصل بين الدوحة وواشنطن وتل أبيب. وفي حين زعم مدون من أصول غزاوية مقيم في الولايات المتحدة أن نتنياهو التقى الذوادي شخصياً بعد المكالمة، نفى ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي ذلك، مؤكداً أن الدبلوماسي القطري حضر المكالمة فقط، من دون حصول تواصل مباشر مع الفريق الإسرائيلي.

غير أن مجرد حضور الذوادي في تلك اللحظة السياسية الحساسة عكس، وفق مراقبين، مقدار الثقة التي باتت تمنحها الدوحة له في الملفات السرية والمعقدة، خصوصاً تلك التي تتقاطع فيها العلاقات الأميركية الإسرائيلية مع المصالح القطرية ودور قطر كوسيط إقليمي.

وفي الملف الإيراني، تبدو أهمية الدور القطري مضاعفة. فالولايات المتحدة، بحسب تقارير غربية، أصبحت أكثر اعتماداً على وسطاء خليجيين وباكستانيين في إدارة التواصل مع طهران، خصوصاً مع تزايد التباين بين أجندة ترامب الساعية إلى إنهاء الحرب سريعاً، وحسابات نتنياهو الأمنية والسياسية التي ترفض إعطاء إيران مكاسب دبلوماسية أو مالية من دون ثمن استراتيجي واضح.

وتشير القراءة الإسرائيلية إلى أن نتنياهو وجد نفسه أمام واقع تفاوضي لا يتحكم بكل مفاصله. فالصفقة التي جرى العمل عليها بين واشنطن وطهران، بمساعدة قطرية وباكستانية، لم تمر عبر القنوات الإسرائيلية التقليدية، بل وُضعت في إطار أميركي أوسع يسعى إلى إنهاء الحرب وتخفيف التوتر في لبنان والخليج ومضيق هرمز.

ومن هنا تبرز حساسية ما كشفه باروخ يديد: فالدبلوماسي القطري، وفق روايته، لم ينجح فقط في الحصول على موافقة إيرانية أولية، بل ساهم أيضاً في إقناع مركز القرار الأميركي بالتحرك سريعاً نحو الاتفاق، حتى لو أدى ذلك إلى تهميش بعض التحفظات الإسرائيلية أو تأجيلها إلى مراحل لاحقة.

ويعكس ذلك تحوّلاً في موقع قطر داخل هندسة الأزمات الإقليمية. فبعد أن ارتبط اسمها بوساطات غزة وتبادل الأسرى والرهائن، أصبحت الدوحة لاعباً في ملفات أكبر، تتصل بإيران والولايات المتحدة وأمن الطاقة ومسار التهدئة في لبنان. ويبدو أن علي الذوادي بات أحد أبرز وجوه هذا التحول، بوصفه مسؤولاً يعمل في منطقة رمادية بين الدبلوماسية العلنية والاتصالات الخلفية.

لكن، رغم الزخم الذي أحاط باسمه، تبقى معظم التفاصيل المتداولة حول عدد الزيارات، وطبيعة الضغوط على ترامب، وحجم التنسيق مع كوشنر وويتكوف، مستندة إلى تقارير إعلامية وتسريبات سياسية، لا إلى إعلان رسمي قطري أو أميركي. ولذلك، فإن توصيف الذوادي بأنه “مهندس الاتفاق” يعكس قراءة إعلامية لدوره، أكثر مما يمثل توصيفاً رسمياً صادراً عن الأطراف المعنية.

ومع ذلك، فإن تراكم المؤشرات يضعه في موقع متقدم ضمن فريق الوساطة القطرية. فقد عُرف عنه حضوره في ملفات التهدئة بغزة، وتواصله مع أطراف متعددة، وارتباطه بمكتب رئيس الوزراء القطري، إضافة إلى ظهوره في لحظات دبلوماسية حساسة، من مكالمة الاعتذار الإسرائيلية إلى مفاوضات طهران.

سياسياً، يحمل بروز الذوادي أكثر من دلالة. فهو يكشف أولاً أن قطر لم تعد تكتفي بدور “الوسيط المضيف” للمحادثات، بل باتت تقدم مبعوثين قادرين على إدارة التفاوض الميداني والاتصال المباشر بالأطراف المتخاصمة. ويكشف ثانياً أن إدارة ترامب فضّلت في هذه المرحلة الاعتماد على قنوات خليجية مرنة بدلاً من ترك مسار الاتفاق رهينة للعلاقة المتوترة بين واشنطن وتل أبيب.

أما بالنسبة لإسرائيل، فإن هذه التطورات تعني أن جزءاً من مستقبل المواجهة مع إيران وحلفائها لم يعد يُصاغ فقط في الغرف الأمنية الإسرائيلية أو عبر التنسيق المباشر مع واشنطن، بل في قنوات تفاوضية متعددة تشارك فيها الدوحة وإسلام آباد وعواصم أخرى.

وبينما تنتظر المنطقة التوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم، يبقى اسم علي الذوادي حاضراً في خلفية المشهد، بوصفه أحد رجال الظل الذين انتقلوا إلى الواجهة في لحظة مفصلية. وإذا ثبت أن الاتفاق الأميركي الإيراني سيصمد، فإن الدبلوماسية القطرية ستكون قد سجلت واحدة من أكثر تدخلاتها تأثيراً في توازنات الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - i24NEWS