الأونروا أمام أخطر اختبار: عجز مالي وضغط قانوني وإسرائيلي يهددان قدرتها على البقاء

المستشار الإعلامي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، عدنان أبو حسنة.jpg

حذّر المستشار الإعلامي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، عدنان أبو حسنة، من أن الوكالة تواجه تحديات مالية وعملياتية وقانونية متصاعدة، قد تجعل العام الحالي من أخطر الأعوام على مستقبل عملها، في ظل نقص التمويل، وتصاعد القيود الإسرائيلية، واتساع الاحتياجات الإنسانية في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس ولبنان وسوريا والأردن.

وقال أبو حسنة، في مقابلة ضمن برنامج “العاشرة” عبر قناة “ المملكة” الأردنية، تابعتها “وكالة قدس نت للأنباء”، إن الأونروا لا تواجه أزمة مالية عابرة، بل أزمة مركبة تطال قدرتها على دفع رواتب موظفيها، والاستمرار في تقديم خدمات التعليم والصحة والإغاثة لملايين اللاجئين الفلسطينيين. وأوضح أن التمويل المتوفر لدى الوكالة قد يكفي حتى نهاية أغسطس/آب أو سبتمبر/أيلول فقط، مشيرًا إلى أن الأونروا تحتاج، وفق التقديرات الحالية، إلى ما بين 100 و200 مليون دولار لضمان استمرار عملياتها حتى نهاية العام.

وأكد أبو حسنة أن الوكالة بحاجة إلى “كاش فلو” بصورة عاجلة حتى تتمكن من دفع رواتب نحو 30 ألف موظف ومتعاقد، والاستمرار في إدارة خدماتها الأساسية، لا سيما في قطاعات التعليم والصحة والإغاثة. وأضاف أن المانحين ما زالوا يقدمون دعمًا مهمًا، لكنه لا يكفي أمام حجم التحديات، خصوصًا بعد قطع التمويل الأمريكي في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب.

أزمة بدأت مع قرارات ترامب وتفاقمت بعد اتهامات إسرائيلية

واستعرض التقرير المرافق للمقابلة أبرز المحطات التي أثرت على عمل الأونروا خلال السنوات الأخيرة، بدءًا من يناير/كانون الثاني 2018، حين أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب في ولايته الأولى تجميد 65 مليون دولار كانت مخصصة كدفعة أولى للوكالة، قبل أن تعلن واشنطن في أغسطس/آب من العام ذاته وقف التمويل بشكل كامل ونهائي.

ومع وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض، استؤنف الدعم الأمريكي للأونروا في أبريل/نيسان 2021، ما خفف من الأزمة مؤقتًا، لكنه لم يعالج العجز الهيكلي. كما وُقعت “اتفاقية الإطار” بين واشنطن والأونروا، متضمنة شروطًا تتعلق بالحياد والرقابة على الموظفين والمناهج الدراسية مقابل استمرار الدعم.

غير أن الأزمة تصاعدت مجددًا بعد 26 يناير/كانون الثاني 2024، حين أعلنت الولايات المتحدة تعليق تمويلها للأونروا بشكل فوري، عقب اتهامات إسرائيلية لموظفين في الوكالة بالمشاركة في أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول. وتبعت واشنطن نحو 16 دولة مانحة أخرى، قبل أن يقر الكونغرس الأمريكي في مارس/آذار 2024 قانونًا يمنع تمويل الأونروا لمدة عام كامل على الأقل، ما جعل الحصار المالي الأمريكي رسميًا وقانونيًا لفترة طويلة.

وفي أبريل/نيسان من العام ذاته، بدأت بعض الدول، بينها فرنسا وكندا وأستراليا وألمانيا، استئناف تمويلها تدريجيًا بعد صدور نتائج لجنة تحقيق مستقلة شُكلت بتكليف من الأمم المتحدة، وخلصت إلى أنه لا بديل عمليًا عن الأونروا في تقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين.

قانون إسرائيلي يضيّق عمل الوكالة

إلى جانب الأزمة المالية، تواجه الأونروا تحديًا قانونيًا وسياسيًا متزايدًا من جانب إسرائيل. ففي 28 أكتوبر/تشرين الأول 2024، صادقت الكنيست الإسرائيلية على قانون يحظر أنشطة الأونروا داخل إسرائيل والقدس الشرقية، ويمنع أي اتصال رسمي معها، ما يضع الوكالة أمام حصار قانوني وميداني يهدد قدرتها على تنفيذ تفويضها.

وقال أبو حسنة إن من بين التطورات السلبية أيضًا عدم السماح لموظفي الأونروا الدوليين بدخول القدس والضفة الغربية، معتبرًا أن هذا الإجراء يفاقم صعوبة العمل في وقت تتزايد فيه حاجة اللاجئين إلى خدمات الوكالة.

وشدد التقرير على أن الأونروا لا تمثل مجرد وكالة أممية لتقديم خدمات التعليم والصحة والمساعدات الغذائية، بل تعد شاهدًا سياسيًا وإنسانيًا على النكبة الفلسطينية، ودليلًا على استمرار قضية اللاجئين الفلسطينيين، وهو ما يجعلها موضع استهداف سياسي متواصل.

غزة: 90% من منشآت الأونروا مدمرة

وفي قطاع غزة، وصف أبو حسنة التحديات بأنها هائلة، قائلًا إن نحو 90% من منشآت الأونروا تعرضت للتدمير الكامل أو الجزئي. وأوضح أن الوكالة تمكنت من استئناف العملية التعليمية في غزة، لكن بصعوبة بالغة، في ظل نقص القرطاسية، وغياب المقاعد الدراسية، والضغط النفسي والعقلي الكبير على الطلاب.

وأشار إلى أن الأونروا ما زالت تمثل “جسمًا كبيرًا ومتماسكًا” في غزة، إذ يعمل لديها نحو 11 ألف موظف في القطاع، يتركز عملهم في التعليم والصحة والإغاثة. لكنه أكد أن هذا الدور يضع على الوكالة ضغطًا إضافيًا، لأن السكان ينظرون إليها باعتبارها العنوان الرئيسي لتقديم الخدمات في ظل انهيار واسع في البنية المدنية.

وقال أبو حسنة إن غزة لم تعد في مستوى المجاعة الذي كانت عليه قبل أشهر، لكن المعاناة ما زالت شديدة. فالمواد الغذائية تدخل إلى القطاع، بما في ذلك عبر القطاع التجاري، غير أن غالبية السكان فقدوا مصادر رزقهم ولا يملكون القدرة على شراء الاحتياجات الأساسية، لذلك ما زالوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية والتكايا والمطابخ.

كما حذر من انتشار أمراض جلدية مثل الجرب وجدري الماء، نتيجة نقص المياه الصالحة للشرب والاستخدام، إضافة إلى نقص كبير في الأدوية. واعتبر أن تحسين الأوضاع في غزة يحتاج إلى جهد واسع يشمل الإسكان، والبنية التحتية، والمدارس، وفرص العمل، وإعادة بناء الأمل لدى السكان الذين قال إن أحلامهم “سُحقت” وأصبحوا يبحثون فقط عن سبل البقاء أحياء.

تقشف ورواتب مخفضة دون الاستغناء عن الموظفين

وعن الإجراءات الداخلية التي اتخذتها الأونروا لمواجهة الأزمة المالية، قال أبو حسنة إن الوكالة خفضت 20% من رواتب الموظفين في مختلف مناطق عملياتها، إلى جانب إجراءات تقشفية أخرى. لكنه أكد أن الجهود الحالية تتركز على تفادي أي خطوات أشد، مثل وقف الخدمات أو إنهاء خدمات الموظفين.

وفي رده على أسئلة بشأن تقليص أيام الدوام المدرسي وبعض الإجراءات الإدارية في الضفة الغربية، قال أبو حسنة إن هناك قرارات تتعلق بالعملية التعليمية، لكن الأهم أن الأونروا لم تستغنِ عن أي طالب أو مدرس، وأن هدف الإجراءات هو الحفاظ على استمرار التعليم والخدمات الصحية ضمن الإمكانات المتاحة.

وأضاف أن تقليص أعداد الموظفين، سواء في التعليم أو الصحة، سينعكس حتمًا على مستوى الخدمات، لأن الموظفين هم جوهر الخدمة نفسها. وأوضح أن التعليم يستحوذ على نحو 78 إلى 80% من ميزانية الأونروا، ما يجعل الحفاظ على المدرسين ودافعيتهم جزءًا أساسيًا من مهمة الوكالة.

الضفة الغربية: حواجز وبطالة ونزوح من المخيمات

وفي الضفة الغربية، قال أبو حسنة إن الوضع الإنساني يزداد صعوبة بفعل مئات الحواجز الإسرائيلية، ومنع غالبية الفلسطينيين من العمل داخل إسرائيل، وتراجع قدرة السلطة الفلسطينية على دفع رواتب كاملة لموظفيها، إضافة إلى الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة.

وأشار إلى أن الأونروا تتعامل مع تداعيات نزوح نحو 32 ألف فلسطيني من مخيمات تعرضت لاقتحامات وعمليات عسكرية إسرائيلية، موضحًا أن جزءًا من هؤلاء يعيشون في محيط المخيمات أو في قرى ومراكز إيواء، بعد تدمير مئات المنازل داخل المخيمات.

وقال إن الأونروا تقدم لهؤلاء خدمات صحية وتعليمية ومساعدات غذائية ونقدية محدودة، لكنه شدد على أن الموارد المتوفرة “غير كافية على الإطلاق”، لأن الأمر يتعلق بأناس اقتُلعوا من بيوتهم وأماكنهم.

تحركات لحشد التمويل

وفي محاولة لتجاوز الأزمة، أشار أبو حسنة إلى أن القائم بأعمال المفوض العام الجديد للأونروا بدأ اتصالات مكثفة مع المانحين، وزار بروكسل مؤخرًا، كما يعتزم التوجه إلى نيويورك لبحث ملف التمويل. وأوضح أن هناك جهودًا تبذل على المستويين الإقليمي والدولي، بمشاركة دول عربية وأوروبية، والجامعة العربية، والأردن، ومصر، ودول خليجية.

وذكر أن السعودية قدمت مساهمتها السنوية البالغة مليوني دولار، وأن الاتصالات مستمرة مع مانحين تقليديين وأوروبيين، إلى جانب محاولات لاستقطاب مانحين جدد من العالمين العربي والإسلامي والقطاع الخاص.

وكالة خدمات وشاهد سياسي

وخلص أبو حسنة إلى أن أزمة الأونروا لا تتعلق فقط بغزة أو الضفة الغربية أو القدس، بل تمتد إلى لبنان وسوريا والأردن، حيث يعيش ملايين اللاجئين الفلسطينيين تحت أوضاع اقتصادية واجتماعية قاسية.

وتحمل الأزمة، وفق ما عُرض في البرنامج، بعدًا سياسيًا لا يقل خطورة عن بعدها المالي، إذ إن إضعاف الأونروا أو شل عملها يعني عمليًا استهداف أحد أهم الشواهد الدولية على قضية اللاجئين الفلسطينيين، وعلى استمرار مسؤولية المجتمع الدولي تجاههم إلى حين إيجاد حل عادل لقضيتهم.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - عمّان