واصلت قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي، يوم الاثنين 18 أيار/ مايو 2026، خرق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، عبر إطلاق النار والقصف المدفعي والجوي باتجاه مناطق متفرقة شرقي القطاع وجنوبه، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية والصحية والغذائية بين مئات آلاف النازحين الذين ما زالوا يعيشون في خيام ومراكز إيواء تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة.
وفي أحدث التطورات الميدانية، استُشهد شاب فلسطيني وأصيب آخرون جراء قصف نفذته طائرة مسيرة إسرائيلية قرب دوار بني سهيلا، شرقي مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة. وأفادت مصادر طبية ومحلية بأن القصف استهدف مجموعة من المواطنين في المنطقة، ما أدى إلى استشهاد الشاب محمد عبد السلام أبو شاب وإصابة مواطنين بجروح متفاوتة. وأوردت تقارير محلية أن طائرة إسرائيلية مسيرة استهدفت محيط الدوار مساء الاثنين، ما أسفر عن شهيد وإصابة آخر.
وترافق الاستهداف الجوي مع قصف مدفعي وإطلاق نار من آليات الاحتلال باتجاه المناطق الشرقية والجنوبية من خان يونس، بينما أطلقت الزوارق الحربية الإسرائيلية نيرانها تجاه سواحل رفح، في مشهد يعكس استمرار التوتر الميداني رغم سريان وقف إطلاق النار منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وتقول مصادر محلية إن هذه الخروقات باتت جزءاً من يوميات السكان في المناطق القريبة من خطوط التماس، حيث يعيش المدنيون بين خطر القصف المباشر وصعوبة الوصول إلى الغذاء والماء والخدمات الصحية.
وبحسب بيانات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، ارتفع عدد الشهداء منذ بدء وقف إطلاق النار إلى 877 شهيداً، إضافة إلى 2602 إصابة و776 حالة انتشال، فيما بلغت الحصيلة الإجمالية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 نحو 72,769 شهيداً و172,704 إصابات. كما أفادت الوزارة بأن مستشفيات القطاع استقبلت خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة جثامين 6 شهداء و40 مصاباً، في حين لا يزال عدد من الضحايا تحت الأنقاض وفي الطرقات، وسط عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم.
وتأتي هذه التطورات بينما تؤكد الأمم المتحدة أن الظروف المعيشية في غزة ما تزال «متردية للغاية»، مع استمرار نزوح معظم السكان وتعرضهم لمخاطر صحية وبيئية وأمنية متواصلة. ووفق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة «أوتشا»، فإن شاحنة واحدة فقط من كل شاحنتين تنقلان المساعدات من مصر إلى غزة تمكنت من تفريغ حمولتها عند المعابر التي تسيطر عليها إسرائيل خلال الأيام العشرة الأولى من مايو/أيار. كما تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 43 ألف شخص في القطاع تعرضوا لإصابات غيّرت مجرى حياتهم، بينما تعاني خدمات التأهيل من ضغط يتجاوز قدرتها بكثير.
إنسانياً، لم تعد الأزمة مقتصرة على أعداد الضحايا أو حجم الدمار، بل باتت تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية: وجبة الطعام، جرعة الدواء، صورة الأشعة، أو إمكانية الوصول إلى طبيب. فالنازحون، الذين فقد كثير منهم منازلهم ومصادر دخلهم، يعتمدون بصورة شبه كاملة على المساعدات الغذائية والوجبات الساخنة التي تقدمها المطابخ الخيرية والمنظمات الدولية، وسط استمرار القيود على دخول الإمدادات وتراجع التمويل الإنساني.
وفي وسط القطاع، شارك عشرات النازحين الفلسطينيين في وقفة احتجاجية أمام أحد مراكز توزيع الطعام التابعة لمنظمة «المطبخ المركزي العالمي» في قرية المصدر، تنديداً بتقليص إمدادات الوجبات الساخنة للعائلات الفقيرة. ورفع المشاركون، وبينهم رجال ونساء وأطفال، لافتات تطالب باستمرار الخدمات الغذائية، فيما قرع بعضهم أواني فارغة في رسالة احتجاجية على تقليص الوجبات، محذرين من العودة إلى المجاعة إذا استمر القرار. ونقلت وكالة الأناضول عن مشاركين قولهم إن الوجبات الساخنة تمثل مصدر الغذاء الأساسي لعائلات لا تملك المال ولا غاز الطهي ولا الخشب الكافي لإعداد الطعام.
وكان «المطبخ المركزي العالمي» أعلن في 14 مايو/أيار أنه سيعود إلى مستويات الطهي التي كان يعتمدها قبل وقف إطلاق النار في أكتوبر، موضحاً أن القرار «مدفوع بالكامل بضغوط مالية» ولا يعكس تراجعاً في الاحتياجات على الأرض. وقالت المنظمة إنها ستواصل تقديم مئات الآلاف من الوجبات الساخنة يومياً، بعدما كانت قد رفعت عملياتها في فترة سابقة إلى مليون وجبة يومياً استجابة لانهيار الوصول إلى الغذاء.
ويثير هذا التقليص مخاوف واسعة بين العائلات النازحة، خصوصاً في المخيمات والمناطق التي تعتمد على «التكايا» والمطابخ الجماعية. فالغذاء المتاح لا يكفي لتلبية الاحتياجات اليومية، والأسعار ارتفعت بدرجة لا تناسب قدرة السكان المنهكين اقتصادياً. ووفق تقرير لـ«يورونيوز»، تراجعت كميات المساعدات الداخلة إلى غزة بنسبة 37 في المئة بين الأشهر الثلاثة الأولى التي تلت وقف إطلاق النار والفترة الممتدة من يناير/كانون الثاني إلى أبريل/نيسان 2026، فيما لم يتم تأمين سوى نحو 10 في المئة من التمويل المطلوب للعمليات الإنسانية الحرجة خلال العام.
صحياً، تتعمق الكارثة داخل المستشفيات القليلة المتبقية في الخدمة. فقد حذرت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة من أن نقص الأدوية والغذاء الصحي والرعاية الدورية يهدد حياة نحو 225 ألف مريض بارتفاع ضغط الدم، في بيئة يفاقمها النزوح المتكرر، والخوف المستمر، والفقر، والبطالة، وانعدام الغذاء المتوازن. وتقول مصادر طبية إن توقف الفحوصات الدورية يحرم المرضى من الاكتشاف المبكر والسيطرة على المرض، في حين أدى تدمير مراكز الرعاية الأولية إلى فجوة خطيرة في التشخيص والمتابعة.
وتتضاعف المخاطر على أصحاب الأمراض المزمنة مع النقص الحاد في أدوية الضغط والسكري وأمراض القلب والجهاز التنفسي. وقالت منظمة أطباء بلا حدود إن القيود الإسرائيلية على دخول الإمدادات الطبية تسببت في نقص حاد بالأدوية والمستلزمات، مشيرة إلى أن نحو نصف مخزونها من أدوية الأمراض غير السارية أصبح عند مستويات حرجة، بما يشمل أدوية السكري وارتفاع ضغط الدم والربو وأمراض أخرى. وحذرت المنظمة من أن هذا النقص قد يؤدي إلى وفيات يمكن تجنبها بين المرضى المزمنين.
وفي مؤشر إضافي إلى انهيار القدرة التشخيصية، قالت مصادر طبية في غزة إن المنظومة الصحية فقدت 76 في المئة من أجهزة التصوير الطبي خلال الحرب، فيما تعمل الأجهزة المتبقية تحت ضغط فني هائل وبلا صيانة كافية أو قطع غيار. ولم تعد خدمة الرنين المغناطيسي متاحة في القطاع بعد تدمير 9 أجهزة، بينما يعمل 5 أجهزة فقط من أصل 18 جهاز تصوير مقطعي، ولا يتبقى سوى 33 جهاز أشعة عادية من أصل 88 كانت موجودة قبل الحرب.
وتعني هذه الأرقام، عملياً، أن آلاف الجرحى والمرضى يخضعون للتشخيص والعلاج في ظروف منقوصة، حيث قد يتأخر اكتشاف النزيف الداخلي أو الكسور المعقدة أو الأورام أو مضاعفات الإصابات المزمنة. كما أن نقص أجهزة التصوير داخل غرف العمليات، خصوصاً أجهزة «الفلوروسكوبي»، يحد من قدرة الأطباء على إجراء تدخلات جراحية دقيقة، في وقت لا تزال الإصابات الناتجة عن القصف والانفجارات تشكل عبئاً يومياً على المستشفيات.
وفي الضفة الغربية، لا تبدو الصورة أقل توتراً. فقد أشار «أوتشا» إلى هدم 45 مبنى يملكها فلسطينيون بين 5 و11 مايو/أيار، إضافة إلى زيادة حادة في عنف المستعمرين، إذ ارتفع المتوسط الشهري للحوادث التي تسببت بسقوط ضحايا أو أضرار في الممتلكات بمقدار 14 ضعفاً منذ عام 2020.
وبين القصف المتقطع، وخطر الجوع، وانهيار الخدمات الصحية، يجد سكان قطاع غزة أنفسهم أمام معادلة قاسية: وقف إطلاق نار لا يوقف الموت بالكامل، ومساعدات لا تدخل بالكميات الكافية، ومنظومة صحية تكافح للبقاء بأجهزة متهالكة وأدوية شحيحة. وفي ظل هذا الواقع، يتحول كل تأخير في إدخال الغذاء والدواء وقطع الغيار إلى تهديد مباشر لحياة المدنيين، خصوصاً الأطفال والمرضى وكبار السن والجرحى الذين يحتاجون إلى رعاية مستمرة لا يملك القطاع اليوم مقومات توفيرها.
