اتهامات باختطاف القرار وغياب البرنامج السياسي وسط جدل ياسر عباس وتصدر مروان البرغوثي
فجّر وزير الخارجية الفلسطيني الأسبق وعضو اللجنة المركزية السابق لحركة «فتح»، ناصر القدوة، انتقادات حادة وغير مسبوقة لمؤتمر الحركة الثامن، معتبراً أن ما جرى «ليس مؤتمراً» بالمعنى التنظيمي والسياسي، بل «لَمّة» جرى ترتيبها، وفق قوله، بما يخدم تعزيز نفوذ الرئيس محمود عباس (أبومازن) داخل الحركة والسلطة والنظام السياسي الفلسطيني.
وفي مقابلة من مارسيليا تابعتها «وكالة قدس نت للأنباء» عبر قناة «الغد» ضمن برنامج «مدار الغد»، قال القدوة إن حركة «فتح» التي وصفها بأنها «حركة مجيدة قادها رجال عظماء وقدمت تضحيات كبيرة»، بدأت منذ أكثر من 15 عاماً مساراً من التراجع والانحدار، مضيفاً أن المؤتمر الأخير «قطع الشك باليقين» وأثبت، حسب تعبيره، أن «الأمور خربت بشكل نهائي ولا مجال للإصلاح من الداخل».
وجاءت تصريحات القدوة بعد أيام من اختتام المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح»، الذي أعاد انتخاب محمود عباس (أبومازن) رئيساً للحركة بالإجماع، وفق ما جاء في بيان للمؤتمر ووكالة الأنباء الفلسطينية «وفا». كما انتخب المؤتمر لجنة مركزية جديدة ومجلساً ثورياً، في أول مؤتمر عام للحركة منذ عام 2016.
ورأى القدوة أن المؤتمر افتقر إلى الأسس القانونية والتنظيمية، قائلاً إن عضوية المؤتمر لم تُحكم، بحسب رأيه، بنظام واضح، وإن اللجنة التحضيرية اختارت أعضاء المؤتمر، ثم تولى هؤلاء انتخاب الهيئات القيادية، بما يجعل النتائج «معروفة مسبقاً». وذهب إلى أن المؤتمر لم يناقش برنامجاً سياسياً حقيقياً، رغم ما وصفه بخطورة المرحلة التي يمر بها الشعب الفلسطيني في ظل الحرب على غزة، وتصاعد الاستيطان، وتراجع مكانة النظام السياسي الفلسطيني.
وتقابل اتهامات القدوة رواية رسمية مغايرة؛ إذ أعلنت رئاسة المؤتمر أن العملية الانتخابية جرت في أربع ساحات هي رام الله وغزة ولبنان والقاهرة، وبلغت نسبة المشاركة 94.64%، بمشاركة 2595 عضواً، وتنافس 59 مرشحاً على 18 مقعداً في اللجنة المركزية، و450 مرشحاً على 80 مقعداً في المجلس الثوري. كما أكدت رئاسة المؤتمر أن الاقتراع والفرز جريا ورقياً ويدوياً بإشراف لجنة من القضاة ولجنة انتخابات حركية.
ورغم ذلك، اعتبر القدوة أن «فتح الثورة» تراجعت لصالح ما وصفه بـ«فتح السلطة»، المرتبطة بالمناصب والكراسي ومؤسسات الحكم، مضيفاً أن غياب البرنامج السياسي وتحول المؤتمر إلى تنافس على المواقع يعكسان أزمة أعمق من خلافات تنظيمية عابرة.
وتطرق القدوة إلى نتائج اللجنة المركزية الجديدة، معتبراً أن تغيير بعض الوجوه لا يعني تغييراً في النهج، بل يهدف، حسب قوله، إلى إظهار صورة إصلاحية للخارج. وانتقد دخول شخصيات جديدة إلى اللجنة، قائلاً إن المسألة لا تتعلق بأسماء بعينها بقدر ما تتعلق بغياب رؤية سياسية وقدرة قيادية حقيقية لمواجهة إسرائيل والولايات المتحدة والتحديات الإقليمية.
وكانت النتائج الرسمية غير النهائية قد أظهرت تصدر الأسير مروان البرغوثي انتخابات اللجنة المركزية بحصوله على 1893 صوتاً، تلاه رئيس جهاز المخابرات العامة ماجد فرج بـ1884 صوتاً، ثم جبريل الرجوب بـ1631 صوتاً، وحسين الشيخ بـ1586 صوتاً. كما دخلت أسماء جديدة إلى اللجنة، بينها ياسر عباس نجل الرئيس محمود عباس، وليلى غنام، وزكريا الزبيدي، وتيسير البرديني، وأحمد أبو هولي، وعدنان غيث، وموسى أبو زيد، وإياد صبحي صافي.
وحول انتخاب ياسر عباس عضواً في اللجنة المركزية، قال القدوة إن الخطوة قد تُقرأ باعتبارها تكريساً لـ«توريث النفوذ»، لكنه استدرك بأن وجوده لا يخلق، من وجهة نظره، «فرقاً نوعياً» ما دام القرار الحقيقي بيد الرئيس محمود عباس. وكانت تقارير إعلامية قد أشارت قبل المؤتمر إلى جدل داخل «فتح» بشأن حضور نجل الرئيس وترشحه، وإلى تشكيك بعض الأطراف في ما إذا كان ذلك يمهد لدور سياسي أكبر له، بينما نفى قياديون في الحركة وجود نية لتوريث السلطة، مؤكدين أن ياسر عباس عضو قديم في الحركة ورجل أعمال يسعى إلى دور سياسي.
وفي ملف الخلافة، اعتبر القدوة أن كل ما يجري حالياً في الساحة الفلسطينية يرتبط، بدرجة أو بأخرى، بمرحلة ما بعد محمود عباس، محذراً من احتمال دخول النظام الفلسطيني في صراع داخلي مفتوح بين أجنحة ومراكز نفوذ. ووصف هذا الاحتمال بأنه «مرعب ومزعج لكنه وارد»، داعياً إلى ترتيبات جديدة تبعد المجموعة الحاكمة الحالية عن القرار السياسي، على حد قوله.
كما هاجم القدوة الحديث الرسمي عن عام للديمقراطية وانتخابات مقبلة، معتبراً أن الانتخابات العامة الحقيقية الوحيدة الممكنة هي انتخابات المجلس التشريعي والرئاسة، لكنه استبعد أن تنظمها القيادة الحالية طوعاً، لأنها، بحسب رأيه، تدرك أنها قد تخسر الحكم في حال جرت انتخابات نزيهة. واستعاد تجربة انتخابات 2021 التي ألغيت بعد تشكيله قائمة «الحرية» ودعمه مروان البرغوثي مرشحاً للرئاسة.
وتحمل مواقف القدوة أهمية إضافية بالنظر إلى مساره داخل «فتح». فقد كان عضواً في اللجنة المركزية، وفُصل من الحركة عام 2021 بعد سعيه إلى تشكيل قائمة مستقلة للانتخابات التشريعية التي لم تُجر لاحقاً، قبل أن تعلن الحركة في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 إعادته إلى صفوفها بعد أكثر من أربع سنوات على فصله.
وتكشف المقابلة عن اتساع الفجوة داخل «فتح» بين الرواية الرسمية التي تقدم المؤتمر بوصفه محطة تنظيمية لتجديد الشرعية، وبين رواية معارضة ترى فيه أداة لإعادة إنتاج القيادة نفسها وترتيب موازين القوى في مرحلة خلافة الرئيس عباس. وبين هذين الخطين، تبدو الحركة التي قادت النظام السياسي الفلسطيني لعقود أمام اختبار مزدوج: استعادة دورها الوطني في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد، أو الانزلاق أكثر في صراعات النفوذ والشرعية والتمثيل.
