مصطفى البرغوثي: إسرائيل تنتقل من “المناطق العازلة” إلى الضم الدائم.. ومخطط باب السلسلة يستهدف قلب القدس

د.مصطفى البرغوثي.jpg

أمين عام المبادرة الوطنية يحذر من تغيير ديمغرافي وقانوني في القدس ويربطه بمشروع توسعي 

حذر أمين عام المبادرة الوطنية الفلسطينية، الدكتور مصطفى البرغوثي، من أن الإجراءات الإسرائيلية في القدس والضفة وغزة ولبنان وسوريا لم تعد إجراءات أمنية مؤقتة، بل تمثل، وفق تقديره، تطبيقا عمليا لمشروع توسعي يقوم على فرض وقائع عسكرية واستيطانية جديدة يصعب التراجع عنها.

وقال البرغوثي، في مقابلة متلفزة رصدتها "وكالة قدس نت للأنباء"، إن “لا شيء مؤقتا في عمليات التوسع الاستيطاني والتوسع الإسرائيلي”، معتبرا أن إسرائيل لا تنسحب من مناطق تسيطر عليها إلا إذا أصبحت كلفة بقائها أكبر من قدرتها على الاحتمال.

وتأتي تصريحات البرغوثي عقب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية قال إن إسرائيل سيطرت منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 على نحو ألف كيلومتر مربع من الأراضي في غزة وجنوب لبنان وسوريا، في إطار ما وصفته الصحيفة باستراتيجية عسكرية أكثر هجومية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ووفق التقرير، فإن إسرائيل تسيطر على أكثر من نصف قطاع غزة، بينما تشكل المساحة الأكبر من الأراضي التي سيطرت عليها في لبنان نحو 500 كيلومتر مربع ضمن ما تسميه “منطقة أمنية”.

“إسرائيل الكبرى” في صلب القراءة السياسية

قال البرغوثي إن الحديث عن “مناطق عازلة” يخفي، في جوهره، مشروعا أوسع مرتبطا برؤية “إسرائيل الكبرى”، مشيرا إلى أن نتنياهو لم يخفِ ارتباطه بهذا التصور في تصريحات سابقة. وكانت صحيفة تايمز أوف إسرائيل قد نقلت في أغسطس/آب 2025 أن نتنياهو قال في مقابلة مع قناة i24 إنه يشعر بأنه في “مهمة تاريخية وروحية”، وإنه مرتبط “جدا” برؤية “إسرائيل الكبرى”.

واستند البرغوثي كذلك إلى تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكبي، الذي قال في مقابلة مع تاكر كارلسون، عند سؤاله عن فكرة تمدد إسرائيل من النيل إلى الفرات، إنه “سيكون أمرا جيدا لو أخذوها كلها”، قبل أن يحاول لاحقا تخفيف وقع تصريحه بوصفه “مبالغة”. وقد أثارت هذه التصريحات غضبا واسعا في المنطقة، لأنها شملت، بحسب التوصيف الجغرافي المطروح في المقابلة، أراضي في لبنان وسوريا والأردن وأجزاء من السعودية والعراق.

غزة: السيطرة العسكرية تقوض أي حديث عن “اليوم التالي”

وفي ما يتعلق بقطاع غزة، قال البرغوثي إن إسرائيل تسيطر الآن، بحسب تقديره، على نحو 64% من مساحة القطاع، بينما حُشر أكثر من مليوني فلسطيني في المساحة المتبقية، واصفا ذلك بأنه واقع “رهيب” لا يسمح بأي حديث جدي عن دولة فلسطينية متصلة جغرافيا أو عن مرحلة سياسية لاحقة للحرب.

وأضاف أن إسرائيل لا تكتفي بالسيطرة العسكرية، بل تعمل على “مسح الوجود الفلسطيني” في المناطق الخاضعة لسيطرتها عبر الجرافات والتفجيرات، معتبرا أن تل أبيب لم تتخل عن فكرة تهجير الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية.

وأشار إلى أن وقف إطلاق النار في غزة يُخرق بصورة مستمرة، متهما إسرائيل بمنع دخول المساعدات بالكميات المتفق عليها، وتعطيل فتح معبر رفح بصورة تسمح بحرية الحركة، ومنع إعادة الإعمار أو دخول اللجنة الوطنية إلى القطاع.

باب السلسلة: أخطر حلقات تهويد البلدة القديمة

في ملف القدس، اعتبر البرغوثي أن إعادة تفعيل قرار مصادرة قديم يعود إلى عام 1968 في حي باب السلسلة، الملاصق للمسجد الأقصى من جهة حائط البراق، يمثل “خطرا استراتيجيا” يتجاوز السيطرة على عقارات ومحال تجارية.

وكانت محافظة القدس قد أعلنت أن سلطات الاحتلال صادقت على خطة للاستيلاء على عقارات فلسطينية في حي باب السلسلة داخل البلدة القديمة، بهدف تعزيز السيطرة على المنطقة المحيطة بالمسجد الأقصى. ووفق وكالة الأنباء الفلسطينية، تستند الخطة إلى تفعيل أمر مصادرة قديم يعود إلى عام 1968، وتستهدف بين 15 و20 عقارا تاريخيا تعود ملكيتها لعائلات مقدسية وتشمل مباني وأوقافا إسلامية من العصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية.

وبحسب تقارير محلية، تضغط شركة تطوير الحي اليهودي، التي تعمل بإشراف حكومة الاحتلال، لتنفيذ المصادرة بذريعة “تعزيز السيطرة اليهودية والأمنية” في المنطقة. كما تؤكد المعطيات أن العقارات المستهدفة تقع على شارع باب السلسلة، أحد أهم المسارات المؤدية إلى المسجد الأقصى.

“السيطرة على البلدة القديمة تعني السيطرة على القدس”

قال البرغوثي إن خطورة استهداف باب السلسلة تكمن في جانبين: الأول سياسي وديمغرافي، لأن تصفية الوجود الفلسطيني في البلدة القديمة تعني، وفق قوله، تصفية الوجود الفلسطيني في قلب القدس؛ والثاني ديني، لأن السيطرة على المنطقة تمس مباشرة بالمسجد الأقصى وتفتح الطريق أمام مخططات أكثر خطورة.

وأضاف أن البلدة القديمة هي “قلب القدس النابض”، وأن السيطرة عليها تجعل السيطرة على بقية أرجاء المدينة أكثر سهولة، بما ينعكس على كامل الضفة الغربية.

وحذر من أن المسألة لا تتعلق بالمسجد الأقصى وحده، بل تطال أيضا كنيسة القيامة، بما يجعل إسرائيل قادرة على التحكم الكامل بالمشهد الديني والسياسي في قلب المدينة المقدسة.

من الاستيطان الزاحف إلى الاستيطان العلني

وردا على سؤال بشأن تنظيم جمعيات استيطانية متطرفة رحلات إلى غزة ولبنان وسوريا للمطالبة بالاستيطان فيها، قال البرغوثي إن التحول من الاستيطان الزاحف إلى الاستيطان العلني يعكس شعور إسرائيل بأنها “فوق القانون” ومحصنة من المحاسبة.

وتدعم تقارير إسرائيلية ودولية هذا الاتجاه؛ إذ ذكرت تايمز أوف إسرائيل في أبريل/نيسان 2026 أن عشرات الناشطين الاستيطانيين عبروا إلى سوريا ولبنان في محاولات رمزية للدفع باتجاه إقامة مستوطنات في مناطق خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، قبل أن يعيدهم الجيش الإسرائيلي.

كما نقلت تقارير إسرائيلية أن 22 وزيرا ونائبا من الائتلاف الحكومي طالبوا بالسماح لمجموعات استيطانية بجولة في شمال غزة لفحص مواقع محتملة لإقامة تجمعات إسرائيلية مستقبلية.

دعوة لعقوبات ومقاطعة لا بيانات إدانة

قال البرغوثي إن الرد على هذه السياسات لا يكون ببيانات الإدانة وحدها، بل بفرض عقوبات جدية على إسرائيل، بما يشمل تعليق الاتفاقيات التجارية والسياسية معها، ووقف كل أشكال التطبيع والمقاطعة الشاملة من الدول العربية.

وأشار إلى مواقف إسبانيا الداعية إلى تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. وكانت يورونيوز قد ذكرت أن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز دعا في أبريل/نيسان 2026 إلى كسر أو تعليق الاتفاق، متهما إسرائيل بانتهاك القانون الدولي، إلا أن الدعوة واجهت معارضة واسعة داخل الاتحاد الأوروبي حالت دون تبني موقف موحد.

وفي تحديث أوروبي مرتبط بملف الاستيطان، قالت رويترز إن أيرلندا تعتزم طرح مشروع قانون خلال الأسابيع المقبلة لتقييد التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، مشيرة إلى أن إسبانيا هي الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي طبقت بالفعل قيودا مماثلة.

 ضغوط دولية متزايدة على بن غفير وإسرائيل

تزامنت تصريحات البرغوثي مع موجة انتقادات دولية جديدة لإسرائيل، بعد نشر وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير مقطعا يظهر نشطاء من أسطول مساعدات لغزة وهم مقيدو الأيدي بعد اعتراضهم في المياه الدولية. وقالت رويترز إن الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا وكندا ودولا أخرى أدانت طريقة التعامل مع النشطاء، بينما طالبت إيطاليا بمناقشة فرض عقوبات على بن غفير.

واعتبر البرغوثي أن هذه الحادثة تكشف “غطرسة” إسرائيلية ناتجة عن غياب المحاسبة، قائلا إن الإهانات التي تعرض لها نشطاء أجانب هي، في جوهرها، إهانة لحكوماتهم أيضا.

غياب الاستراتيجية العربية

وختم البرغوثي بالتأكيد أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب استراتيجية عربية وفلسطينية موحدة لمواجهة التوسع الإسرائيلي، سواء في القدس أو الضفة أو غزة أو خارج فلسطين.

وقال إن العالم العربي يمتلك إمكانيات هائلة، وإن توجيه جزء صغير منها لدعم صمود الفلسطينيين في القدس والبلدة القديمة والخليل والضفة يمكن أن يغيّر الصورة على الأرض.

وأضاف أن “الشيء الوحيد الذي يمنع إسرائيل من استكمال مخططاتها حتى الآن هو صمود الشعب الفلسطيني وبقاؤه”، معتبرا أن دعم المقدسيين المهددين بالترحيل في باب السلسلة أصبح “من أقدس المهمات” أمام الفلسطينيين والعرب والمسلمين وكل المدافعين عن القدس.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - رام الله