في مؤشر إلى أن واشنطن تسعى لتحويل أي تفاهم محتمل مع طهران إلى بوابة لإعادة هندسة التحالفات في الشرق الأوسط، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قادة عربًا ومسلمين، خلال مكالمة جماعية السبت 23 مايو/أيار 2026، أنه يتوقع من الدول التي لم تنضم بعد إلى “اتفاقيات أبراهام” المضي نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، في حال التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب مع إيران.
وبحسب تقرير لموقع “أكسيوس”، نقلًا عن مسؤولين أميركيين مطلعين، شارك في المكالمة قادة من السعودية والإمارات وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن والبحرين، وتركزت المداولات على الاتفاق الأميركي – الإيراني الآخذ بالتبلور. ووفق التقرير، قال ترامب إن خطوته الإقليمية التالية بعد وقف الحرب مع إيران ستكون توسيع دائرة السلام مع إسرائيل، وعلى رأس ذلك محاولة الدفع نحو اتفاق سعودي – إسرائيلي.
طلبٌ فاجأ الحلفاء
أفاد التقرير بأن طلب ترامب فاجأ خصوصًا قادة السعودية وقطر وباكستان، وهي دول لا تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل. ونقل “أكسيوس” عن مسؤول أميركي أن “الصمت ساد الخط”، قبل أن يسأل ترامب مازحًا إن كان المشاركون لا يزالون على المكالمة. وأضاف أن ترامب أبلغهم بأن مبعوثيه جاريد كوشنر وستيف ويتكوف سيتابعان معهم هذا الملف خلال الأسابيع المقبلة.
وفي منشور على منصته “تروث سوشيال”، شكر ترامب دول الشرق الأوسط على “الدعم والتعاون”، معتبرًا أن ذلك التعاون سيتعزز بانضمامها إلى “اتفاقيات أبراهام”. كما لوّح، في طرح غير مسبوق سياسيًا، بإمكان انضمام إيران نفسها يومًا ما إلى الاتفاقيات، وهو ما يعني نظريًا اعترافًا إيرانيًا بإسرائيل، الأمر الذي ترفضه طهران منذ عقود.
الاتفاق مع إيران: لم يُوقّع بعد
ورغم موجة التفاؤل التي أثارتها تصريحات ترامب، تشير التحديثات الأخيرة إلى أن الاتفاق لم يُوقّع بعد. فقد نقلت وسائل إعلام عن مسؤول أميركي أن واشنطن وطهران توصلتا إلى اتفاق “مبدئي” لإعادة فتح مضيق هرمز، على أن يحتاج أي تفاهم نهائي إلى مصادقة ترامب والقيادة الإيرانية العليا. كما أوضح المسؤولون أن آلية التعامل مع مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب ما زالت قيد البحث.
وتتحدث الصيغة المتداولة عن تمديد وقف إطلاق النار 60 يومًا، وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ورفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ومنح إعفاءات تسمح لطهران ببيع النفط، مقابل مفاوضات لاحقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك مصير مخزون اليورانيوم المخصب. غير أن مصادر إيرانية نفت أن تكون طهران وافقت على تسليم مخزونها النووي.
وفي أحدث مؤشرات التعثر، نقلت “الجزيرة” عن وكالة “تسنيم” الإيرانية أن “العراقيل الأميركية” لا تزال قائمة بشأن بعض البنود، ولا سيما آلية الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وأن احتمال إلغاء الاتفاق ما زال واردًا. كما ذكرت أن المذكرة المحتملة تنص على عودة حركة السفن في مضيق هرمز إلى مستويات ما قبل الحرب خلال أسابيع، ورفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية خلال 30 يومًا.
نتنياهو يرفع سقف الشروط
في المقابل، يسعى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى تثبيت شروط إسرائيل داخل أي اتفاق نهائي. ونقلت “رويترز” عن مصدر سياسي إسرائيلي أن نتنياهو أبلغ ترامب، في اتصال بينهما السبت 23 مايو/أيار 2026، أن إسرائيل ستحتفظ بحرية العمل ضد التهديدات في كل الجبهات، بما في ذلك لبنان، وأن ترامب أبدى دعمًا لهذا المبدأ. كما قال المصدر إن ترامب أكد تمسكه بتفكيك البرنامج النووي الإيراني وإخراج كل اليورانيوم المخصب من إيران كشرط للتوقيع على اتفاق نهائي.
وتخشى إسرائيل، وفق تقارير متعددة، أن يؤدي الاتفاق إلى تقييد حركتها العسكرية في لبنان أو فرض ترتيبات تهدئة تشمل حزب الله. وتشير تقارير إلى أن واشنطن تطلع إسرائيل على مسار المفاوضات، لكن الخلاف يتمحور حول حدود “حرية العمل” الإسرائيلية إذا دخل الاتفاق حيز التنفيذ.
السعودية بين الضغط الأميركي والشرط الفلسطيني
يبقى الملف السعودي العقدة المركزية في خطة ترامب الإقليمية. فولي العهد السعودي محمد بن سلمان أبدى في مراحل سابقة استعدادًا للتطبيع مع إسرائيل، لكن الموقف السعودي بات أكثر تشددًا خلال العام الأخير، مع تمسك الرياض بمسار واضح ومحدد زمنيًا لإقامة دولة فلسطينية كشرط لأي تطبيع. ويقول مسؤولون أميركيون وإسرائيليون إن السعودية لن تتحرك في هذا الملف قبل اتضاح نتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ومعرفة شكل الحكومة التي ستتشكل بعدها.
ويكشف هذا الشرط أن واشنطن تحاول استثمار الاتفاق مع إيران لإطلاق مسار تطبيع إقليمي واسع، بينما ترى العواصم العربية أن تجاوز القضية الفلسطينية، أو منح حكومة إسرائيلية يمينية مكافأة سياسية من دون التزام واضح، قد يكون مخاطرة داخلية وإقليمية كبيرة.
معارضة جمهورية وقلق من “صفقة ضعيفة”
داخليًا، يواجه ترامب انتقادات من داخل الحزب الجمهوري نفسه. فقد ذكرت “الغارديان” أن عددًا من صقور الحزب حذروا من أن وقفًا للنار لمدة 60 يومًا، وفتح مضيق هرمز، والسماح لإيران ببيع النفط، قد يمنح طهران مكاسب كبيرة من دون ضمانات كافية بشأن برنامجها النووي. وأكد ترامب ردًا على الانتقادات أن الاتفاق “لم يُنجز بالكامل بعد”، وأنه وجّه مفاوضيه إلى عدم التسرع.
اقتصاديًا، انعكست التوقعات بقرب التوصل إلى تفاهم على أسواق الخليج، حيث سجلت معظم البورصات الخليجية ارتفاعًا الأحد 24 مايو/أيار 2026 مع تراجع المخاوف من استمرار إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.
خلاصة المشهد
المعادلة التي يحاول ترامب فرضها تبدو واضحة: اتفاق مع إيران يفتح هرمز ويجمّد التصعيد، مقابل مسار تطبيع أوسع مع إسرائيل. لكن الطريق إلى ذلك لا يزال مليئًا بالعقبات: إيران تريد ضمانات ورفعًا فعليًا للحصار والإفراج عن أموالها، إسرائيل تريد حرية عسكرية كاملة وتفكيكًا نوويًا شاملًا، والسعودية تشترط مسارًا فلسطينيًا لا تقبل به حكومة نتنياهو الحالية.
بذلك، لا تبدو “صفقة إيران” مجرد تفاهم أمني أو نووي، بل محاولة أميركية لإعادة ترتيب الشرق الأوسط سياسيًا، من هرمز إلى الرياض، ومن طهران إلى تل أبيب، في لحظة قد تحدد شكل الإقليم للسنوات المقبلة.
