شنّت إسرائيل، يوم الأحد 24 أيار/مايو 2026، موجة غارات واسعة على جنوب وشرق لبنان، رغم سريان وقف إطلاق نار هش منذ 17 نيسان/أبريل، في وقت برز فيه لبنان كأحد الملفات الحساسة داخل التفاهم الأميركي ـ الإيراني الجاري بحثه لإنهاء الحرب الإقليمية.
وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية ارتفاع الحصيلة التراكمية للعدوان الإسرائيلي على لبنان، منذ 2 آذار/مارس حتى 24 أيار/مايو، إلى 3151 شهيدًا و9571 جريحًا، بعدما كانت الحصيلة المعلنة مساء السبت 3123 شهيدًا و9506 جرحى. ويعكس هذا التحديث اتساع الضربات خلال الساعات الأخيرة، خصوصًا في الجنوب والبقاع.
وفي أحدث حصيلة ميدانية، قالت وزارة الصحة إن غارات إسرائيلية متلاحقة على بلدة عربصاليم في قضاء النبطية أسفرت عن شهيدين، أحدهما مسعف، وإصابة عشرة آخرين بينهم ستة مسعفين، فيما أفادت وسائل إعلام لبنانية بتجدد الغارات على بلدات في الجنوب والبقاع الغربي مساء الأحد.
وجاءت هذه الغارات غداة ضربة دامية على بلدة صير الغربية قرب النبطية، قالت وزارة الصحة اللبنانية إنها أسفرت عن استشهاد 11 شخصًا بينهم طفل وست نساء، وإصابة تسعة آخرين بينهم أربعة أطفال وامرأة. وتواصل إسرائيل تنفيذ ضربات تقول إنها تستهدف مواقع لحزب الله، رغم وقف إطلاق النار الذي بدأ في 17 نيسان/أبريل وتم تمديده لعدة أسابيع.
وذكرت الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان، أن الغارات طالت مواقع عدة في الجنوب والشرق، بينها النميرية والدوير وعبا وجبشيت والبازورية، فيما أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء شملت 16 موقعًا في جنوب لبنان والبقاع. كما دُمّر مركز إقليمي للدفاع المدني في النبطية بغارة ليلية، من دون أن يقدم الجيش الإسرائيلي تعليقًا فوريًا على استفسار وكالة فرانس برس.
في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ سلسلة عمليات ضد مواقع وبنى عسكرية إسرائيلية، بينها استهداف تجمعات جنود وآليات ومواقع داخل الأراضي اللبنانية المحتلة وعبر الحدود. وذكرت تقارير أن الحزب استهدف جنودًا إسرائيليين في منطقة البياضة بمسيّرة، كما أطلق رشقة صاروخية باتجاه قوات إسرائيلية في رشاف.
سياسيًا، قال الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم إنه يأمل أن يُنجز التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وأن يشمل لبنان عبر “وقف كامل للأعمال العدائية”. وأضاف أن المؤشرات تدل على قرب إنجاز الاتفاق، معتبرًا أن لبنان يجب أن يكون جزءًا من أي تسوية إقليمية توقف الحرب.
ورفض قاسم، في خطاب له، أي مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، معتبرًا أنها “مكسب صافٍ لإسرائيل”، وهاجم الضغوط الأميركية لنزع سلاح الحزب، قائلًا إن نزع السلاح يعني تجريد لبنان من قدرته الدفاعية و”فتح الطريق أمام الإبادة”، وفق تعبيره.
وتأتي تصريحات قاسم بالتوازي مع معلومات عن تفاهم أميركي ـ إيراني محتمل يقوم على تمديد وقف إطلاق النار 60 يومًا، وإعادة فتح مضيق هرمز، والسماح لإيران ببيع النفط، ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، والإفراج عن جزء من الأموال المجمدة، على أن تُستأنف لاحقًا مفاوضات البرنامج النووي. وتشير مسودة التفاهم، وفق تقارير، إلى وقف الأعمال العدائية على الجبهات، بما في ذلك لبنان، لكن تفاصيل التنفيذ لا تزال قابلة للتغيير.
غير أن العقدة اللبنانية لا تزال حاضرة بقوة في الموقف الإسرائيلي. فقد قال مصدر سياسي إسرائيلي إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال اتصال السبت، أن إسرائيل ستحتفظ بـ“حرية العمل” ضد التهديدات في جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وأن ترامب أيّد هذا المبدأ. كما نقل المصدر أن ترامب شدد على تفكيك البرنامج النووي الإيراني وإخراج كل اليورانيوم المخصب من إيران قبل أي اتفاق نهائي.
وعلى الخط ذاته، صادق رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير على خطط لمواصلة القتال في القيادة الشمالية، وقال إن الجيش “يواصل مهاجمة حزب الله في كل الأبعاد”، وإن أمن سكان الشمال والقوات الإسرائيلية “فوق كل اعتبار”، في إشارة إلى أن تل أبيب لا تنوي ربط وقف النار في لبنان تلقائيًا بأي تفاهم مع طهران وواشنطن.
وتكشف التطورات أن لبنان تحوّل إلى ورقة مركزية في المفاوضات الإقليمية: فإيران تريد إدراج الجبهة اللبنانية في أي وقف شامل للحرب، وحزب الله يراهن على “مظلة” تفاهم أميركي ـ إيراني تنهي الضربات الإسرائيلية، بينما تصر إسرائيل على عدم التنازل عن حرية الحركة العسكرية، وتضغط واشنطن على بيروت في ملف السلاح والمفاوضات.
وبذلك، يقف لبنان بين مسارين متناقضين: مسار دبلوماسي يتحدث عن وقف شامل للأعمال العدائية، ومسار ميداني تصعّده الغارات والإنذارات الإسرائيلية والردود الصاروخية والمسيّرة. وحتى تتضح الصيغة النهائية للاتفاق الأميركي ـ الإيراني، يبقى الجنوب اللبناني ساحة اختبار أولى لمدى قدرة أي صفقة إقليمية على وقف الحرب، أو تحوّلها إلى هدنة مؤقتة تترك لإسرائيل هامش التصعيد متى شاءت.
