الرجوب: فتح لا تُورَّث ولا تنكسر.. ومؤتمر الحركة خطوة نحو لملمة الداخل وتجديد الشرعية الفلسطينية

عضو اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب

في واحدة من أكثر المقابلات السياسية صراحة بعد المؤتمر الثامن لحركة فتح، قدّم عضو اللجنة المركزية للحركة جبريل الرجوب قراءة موسعة لمخرجات المؤتمر، مؤكداً أن فتح خرجت من محطة تنظيمية صعبة بـ“مخرجات سلسة”، وأن المرحلة المقبلة تتطلب وحدة داخلية، إصلاحاً سياسياً ومؤسساتياً، وتجديداً لشرعية النظام الفلسطيني.

وفي حديث تابعته "وكالة قدس نت للأنباء" ضمن حلقة من بودكاست ما بعد السابع” مع الكاتب الصحفي عصمت منصور، شدد الرجوب على أن حركة فتح ما زالت، برأيه، “الحركة الأقدر على التعبير عن طموحات الفلسطينيين”، نافياً وجود توريث داخل الحركة، ومؤكداً أن المؤتمر أنتج قيادة شرعية ملتزمة بالنظام الداخلي وبمخرجاته.

مؤتمر فتح: مدخلات صعبة ومخرجات سلسة

استهل الرجوب حديثه بالإشارة إلى أن المؤتمر انعقد في ظروف “صعبة وقاسية”، وسط جدل حول العضوية والتوقيت وجدول الأعمال، لكنه اعتبر أن نجاح انعقاده بحد ذاته يمثل إنجازاً تنظيمياً وسياسياً.

وقال إن المؤتمر جاء في “مرحلة تاريخية حرجة”، وإن مخرجاته السياسية والتنظيمية عبّرت، وفق تقديره، عن تطلعات الفلسطينيين، رغم اعتراضات وانتقادات بعض الكوادر التي لم تتمكن من المشاركة.

وأضاف أن على أبناء فتح “محاكمة الحركة” من خلال ثلاثة عناصر: ترسيخ العقيدة الوطنية الفلسطينية، حجم الاهتمام الشعبي والإقليمي والدولي بالمؤتمر، والمخرجات التي رأى أنها تؤكد استمرار دور الحركة في المشروع الوطني.

الرجوب يرد على الانتقادات: ضيق الوقت والظروف فرضا شكل المؤتمر

وفي رده على سؤال حول غياب النقاش السياسي العميق والمحاسبة التنظيمية بعد نحو عقد من الانتظار، أقر الرجوب بحق المواطنين والكوادر في توجيه اللوم، لكنه دعا إلى “مراعاة الظروف” التي أحاطت بانعقاد المؤتمر.

وأوضح أن فتح لم تكن حتى اللحظات الأخيرة متأكدة من إمكانية عقد المؤتمر، وأن التوافق داخل اللجنة المركزية جرى على إنجازه خلال ثلاثة أيام، بما يمنع “الإفساد أو التخريب”، معتبراً أن مجرد إنجازه دون ارتدادات سلبية يشكل “خطوة أولى” في مسار أوسع.

البرنامج السياسي: الدولة والقدس واللاجئون وفق قرارات الإجماع الوطني

أكد الرجوب أن الموقف السياسي لفتح ما زال يستند إلى قرارات المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988، التي وصفها بأنها “البوصلة والمرشد”، مشيراً إلى أن الهدف المركزي هو إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، عاصمتها القدس، وحل قضية اللاجئين وفق قرارات الأمم المتحدة.

وقال إن فتح تتعامل مع المجتمع الدولي بخطاب “سياسي واقعي”، يربط بين الشرعية الدولية والتحولات المتزايدة ضد الاحتلال، مؤكداً أن الحركة ترى في هذه اللحظة فرصة يجب عدم إضاعتها.

المقاومة الشعبية الشاملة بدلاً من الفوضى المسلحة

تحدث الرجوب عن حق الفلسطينيين في “كل أشكال المقاومة”، لكنه شدد على أن التوجه العملي المطروح حالياً هو المقاومة الشعبية الشاملة، بأبعادها السياسية والاجتماعية والجغرافية والدبلوماسية.

وأشار إلى ضرورة توظيف المحافل الدولية والمنابر القانونية والسياسية في مواجهة الاحتلال، وفضح ما وصفه بجرائم الإبادة والتطهير العرقي والضم الزاحف في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي الوقت ذاته، قال إن فتح منفتحة على مراجعة شاملة مع فصائل العمل الوطني بشأن شكل الصدام مع الاحتلال، ضمن مشروع وطني أوسع.

الوحدة الوطنية: سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد

وضع الرجوب الوحدة الوطنية في مقدمة أهداف المرحلة المقبلة، لكنه ربطها بأربعة مفاهيم أساسية: الاتفاق على الحل السياسي، وتحديد شكل المواجهة مع الاحتلال، وبناء دولة تقوم على التعددية والديمقراطية وسيادة القانون، وإنهاء الانقسام ضمن صيغة “سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد، أمن واحد”.

وأكد أن الشراكة الوطنية يجب أن تُبنى من خلال انتخابات حرة يشارك فيها الجميع، في إطار سياسي ومؤسساتي موحد.

إصلاحات سياسية وقضائية وأمنية وإدارية

لم ينكر الرجوب حاجة النظام الفلسطيني إلى إصلاحات واسعة، قائلاً إن هناك قناعة داخل الحركة بضرورة إصلاح سياسي وقضائي وأمني وإداري ومالي وإعلامي، بما ينسجم مع صورة الدولة الفلسطينية المستقبلية.

ووصف النظام السياسي الفلسطيني بأنه يعيش “حالة شلل استراتيجي”، لكنه أكد في المقابل أن هناك رئيساً شرعياً، ومجلساً وطنياً شرعياً، ومنظمة تحرير شرعية، معتبراً أن مخرجات مؤتمر فتح يمكن أن تكون رافعة لتجديد الشرعية السياسية.

لا رفع راية بيضاء ولا تفكيك للسلطة

في واحدة من أبرز رسائله السياسية، شدد الرجوب على أن هناك خيارات غير مطروحة على الإطلاق، قائلاً إن الفلسطينيين لن يرفعوا “راية بيضاء”، ولن يغادروا الوطن، ولن يفككوا مؤسسات السلطة والدولة.

وأضاف أن من يطرح خيار الكفاح المسلح عليه أن يقدمه بوضوح للنقاش، لكنه دعا في الوقت ذاته إلى عدم “التكتكة” والمزايدات الداخلية بين الفلسطينيين.

إسرائيل ونتنياهو: من إدارة الصراع إلى حسمه

خصص الرجوب جزءاً واسعاً من حديثه لمهاجمة الحكومة الإسرائيلية، معتبراً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انتقل من إدارة الصراع إلى محاولة حسمه، بما يهدف إلى اجتثاث الكيان السياسي الوطني الفلسطيني من الأجندة.

وقال إن إسرائيل، وفق تقديره، لم تعد تتعامل مع المخاطر عبر الاحتواء والدبلوماسية، بل عبر المواجهة المفتوحة والقوة العسكرية، مستغلة ما جرى في السابع من أكتوبر.

كما شن هجوماً حاداً على بتسلئيل سموتريتش، واصفاً إياه بأنه “غوبلز جديد”، ومعتبراً أن بعض رموز اليمين الإسرائيلي يقدمون “صوراً مشوهة للنازية والفاشية” في وعي العالم.

لا توريث في فتح: المؤتمر هو مصدر الشرعية

نفى الرجوب وجود صراع بين “حرس قديم” و“حرس جديد”، كما رفض الحديث عن التوريث داخل حركة فتح، قائلاً إن الحركة “لا يوجد فيها توريث ولا أحد يتورث”.

وأكد أن المؤتمر هو مصدر الشرعية التنظيمية، وأن اللجنة المركزية المنتخبة باتت تمتلك شرعية التعامل مع المرحلة المقبلة، وفق النظام الداخلي ومخرجات المؤتمر.

وأضاف أن قوة فتح تكمن في استمرارها كامتداد لجيل المؤسسين منذ الانطلاقة، وفي قدرتها التاريخية على صهر الفلسطينيين في بوتقة وطنية واحدة، بعيداً عن التقسيمات الجغرافية والسياسية والهويات المفروضة.

تيار دحلان: الرجوب يقر بالخطأ ويدعو إلى المعالجة

في ملف تيار محمد دحلان، أقر الرجوب بأن فتح أخطأت حين لم تُنفذ قرار المجلس الثوري المتعلق بعودة من لم يرتكب مخالفات أو لا يواجه قضايا قضائية أو لا يشكل امتداداً خارج الحركة.

وقال إن القرار كان يسمح بعودة هؤلاء “بكبرياء واحترام” إلى صفوف الحركة، لكنه تعطل، مؤكداً أن هذا الخطأ “سيُعالج”.

ورفض الرجوب تصوير الملف على أنه انشقاق نهائي، مشيراً إلى أن فتح لن تسمح بخلق حالة انقسام داخلية جديدة، وداعياً المعنيين إلى منح القيادة فرصة لـ“لملمة الحركة”.

المرحلة المقبلة: أربعة أو خمسة أشهر حاسمة

اعتبر الرجوب أن الأشهر الأربعة أو الخمسة المقبلة ستكون حاسمة، سواء في مواجهة المشروع الإسرائيلي، أو في ترتيب البيت الفلسطيني، أو في استثمار التحولات الإقليمية والدولية المتزايدة لصالح الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

ورأى أن إسرائيل أصبحت عبئاً حتى على حلفائها، وأن الإقليم بدأ يعيد صياغة معادلاته على أساس أن اندماج إسرائيل في المنطقة لا يمكن أن يتم دون حل جوهر القضية الفلسطينية.

خلاصة سياسية

قدّم الرجوب في المقابلة رؤية تقوم على ثلاث ركائز: تثبيت فتح كعمود فقري للمشروع الوطني، لملمة البيت الداخلي بما في ذلك معالجة ملف دحلان، والانطلاق نحو وحدة وطنية مشروطة بوحدة السلطة والقانون والسلاح.

وبين الدفاع عن مؤتمر فتح، والاعتراف بالحاجة إلى الإصلاح، والهجوم على الحكومة الإسرائيلية، بدا الرجوب حريصاً على إرسال رسالة مزدوجة: فتح تعترف بثقل الأزمة، لكنها لا ترى نفسها خارج المعادلة؛ والسلطة، رغم الشلل والتحديات، ليست مشروعاً للتفكيك بل منصة يجب إصلاحها وتجديد شرعيتها.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - رام الله