كثّف الجيش الإسرائيلي غاراته على مناطق واسعة في جنوب لبنان وشرقه، في تصعيد ميداني جديد تزامن مع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توسيع العمليات العسكرية ضد حزب الله، وسط مخاوف من انهيار الهدنة الهشة وتعثر مسار المفاوضات التي ترعاها واشنطن بين لبنان وإسرائيل.
واستهدفت الغارات الإسرائيلية، منذ ساعات الصباح الأولى الاثنين 25 مايو/أيار 2026 ، بلدات ومناطق في البقاع والجنوب، بينها مشغرة في البقاع الغربي، والنبطية وكفر رمان وعربصاليم وشحور وياطر وحداثا وجبال البطم، إلى جانب قصف مدفعي طال مناطق أخرى في الجنوب. وذكرت وكالة الأنباء اللبنانية أن مشغرة تعرضت لسلسلة غارات شكلت “حزاماً نارياً”، فيما أفادت تقارير ميدانية بوقوع قتلى وجرحى ونزوح سكان من مناطق مهددة بالقصف.
وأفادت وزارة الصحة اللبنانية، بأن حصيلة الضحايا منذ بدء الهجوم الإسرائيلي الموسع على لبنان في 2 مارس/آذار الماضي ارتفعت إلى 3185 قتيلاً و9633 جريحاً، فضلاً عن نزوح أكثر من مليون شخص من ديارهم.
وقال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف أكثر من 70 موقعاً قال إنها تابعة لحزب الله خلال يوم واحد، بينها مراكز قيادة ومخازن أسلحة وبنى تحتية في صور والبقاع ومناطق أخرى، في حين أعلنت وكالة أسوشيتد برس أن الجيش الإسرائيلي أكد تنفيذ ضربات واسعة ضد مواقع للحزب، بينما تحدثت الوكالة عن استمرار الاشتباكات رغم وقف إطلاق نار توسطت فيه الولايات المتحدة منذ منتصف أبريل/نيسان.
في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ سلسلة هجمات ضد تجمعات ومواقع عسكرية إسرائيلية، مستخدماً المسيّرات الانقضاضية والصواريخ وقذائف المدفعية. وقال الحزب إنه استهدف قوات وآليات إسرائيلية في مواقع عدة، بينها الخيام وأفيفيم وشوميرا والمطلة ومسغاف عام، في وقت أقر الجيش الإسرائيلي بمقتل أحد جنوده، لترتفع حصيلة قتلاه المعلنة في المعارك الأخيرة إلى 24 وفق المعطيات المتداولة.
وجاء التصعيد بعد تهديدات مباشرة أطلقها نتنياهو في مقطع مصور، قال فيه إن إسرائيل ستزيد وتيرة الضربات ضد حزب الله، مشيراً إلى أن الحزب يستخدم مسيّرات مزودة بالألياف الضوئية ضد القوات الإسرائيلية. ونقلت رويترز عن نتنياهو قوله إن الجيش الإسرائيلي لن “يرفع قدمه عن دواسة الوقود”، بل سيزيد الضغط العسكري.
وترافق موقف نتنياهو مع دعوات أشد تطرفاً من وزراء في حكومته، إذ دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى رد واسع على هجمات المسيّرات، قائلاً إن “مقابل كل مسيّرة متفجرة يجب أن تسقط 10 مبانٍ في بيروت”، فيما دعا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى العودة إلى حرب أوسع في لبنان.
سياسياً، يضع هذا التصعيد الهدنة أمام اختبار بالغ الخطورة، خصوصاً أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، برعاية أمريكية، كانت قد بدأت لأول مرة منذ عقود، مع حديث عن اجتماعات عسكرية جديدة لبحث وقف إطلاق النار وترتيبات الجنوب اللبناني. ونقلت أسوشيتد برس عن مسؤول أمريكي أن استمرار الهجمات يهدد مسار الهدنة، وأن واشنطن ترى أن الوضع الحالي “غير قابل للاستمرار”.
وتنظر واشنطن وتل أبيب إلى سلاح حزب الله باعتباره العقدة الأساسية في أي تسوية مقبلة، بينما يؤكد لبنان أن أي تفاوض لا يمكن أن يتجاوز مطلب الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب واحترام السيادة اللبنانية. وفي هذا السياق، شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون، وفق تقارير لبنانية، على أن الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب “مطلب لا تنازل عنه”.
ويأتي التصعيد اللبناني في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، مع استمرار المفاوضات الأمريكية الإيرانية بشأن تهدئة أوسع في المنطقة، ما يجعل جبهة لبنان جزءاً من معادلة أكبر تشمل إيران وغزة والبحر الأحمر ومضيق هرمز. وتشير رويترز إلى أن استمرار القتال بين إسرائيل وحزب الله قد يهدد مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية، في ظل مطالبة طهران بوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان ضمن أي تفاهم أوسع.
وبينما تقول إسرائيل إن عملياتها تهدف إلى “سحق” حزب الله ومنع هجمات المسيّرات على قواتها وشمالها، يؤكد حزب الله أن عملياته تأتي رداً على الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة. وبين الروايتين، يدفع المدنيون في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية الثمن الأكبر، مع اتساع رقعة القصف والنزوح وتزايد المخاوف من انزلاق الهدنة إلى حرب مفتوحة جديدة.
