هآرتس تكشف شبكة تهريب إلى غزة بتنسيق أمني إسرائيلي.. ولائحة اتهام تفضح “المنطقة الرمادية” بين المساعدات والسوق السوداء

جندي إسرائيلي يقف في معبر كرم أبو سالم (غيتي إيميجز).webp

كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن تفاصيل قضية أمنية وقضائية جديدة تتعلق بتهريب بضائع غير خاضعة للرقابة إلى قطاع غزة، عبر مسارات قالت الصحيفة إن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية سهّلتها أو علمت بها خلال العامين الماضيين، في وقت كانت فيه إسرائيل تفرض قيوداً مشددة على دخول السلع والمساعدات إلى القطاع.

وبحسب هآرتس، فإن لائحة اتهام قُدمت الشهر الماضي إلى المحكمة العسكرية في معسكر عوفر ضد شخص يدعى رجب سليم، تتضمن مزاعم بأن قوات الأمن الإسرائيلية نقلت سراً بضائع غير خاضعة للرقابة إلى غزة، وأن رجلاً يعرف باسم “أبو باسل” تولى إدارة شبكة تهريب عملت بالتنسيق مع جهات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

وتشير لائحة الاتهام، وفق الصحيفة، إلى أن “أبو باسل” كان يتمتع بعلاقات واسعة داخل الشرطة الإسرائيلية، وأنه استخدم هذه العلاقات للتدخل في حوادث مرتبطة بعمليات تهريب، بما في ذلك إطلاق سراح أشخاص أوقفوا خلال محاولة إدخال بضائع إلى القطاع. كما أكد مصدر مطلع على التحقيق لهآرتس وجود آلية منسقة لنقل البضائع.

ووفق الرواية القضائية، فإن رجب سليم، وهو من سكان غزة ويحمل تصاريح إقامة في إسرائيل وكان موجوداً في الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، أنشأ من رام الله شبكة لنقل بضائع إلى قطاع غزة، مستفيداً من علاقاته مع تجار وسكان في القطاع. وتقول اللائحة إنه شارك في عمليات نقل تمت بالتنسيق مع المؤسسة الأمنية، بعضها كان مرتبطاً بالمساعدات الإنسانية، كما عمل لصالح منظمة “المطبخ المركزي العالمي”، قبل أن تزعم لائحة الاتهام أن حركة حماس بدأت لاحقاً السيطرة على جزء من البضائع التي كان يجلبها.

وتضمنت البضائع، بحسب لائحة الاتهام، هواتف محمولة، وأجهزة حاسوب، وسجائر، وتبغاً، وألواحاً شمسية، وبطاريات، ومولدات كهربائية، ودراجات كهربائية، وغسالات، إضافة إلى أدوات هندسية ومحركات ومواد تدخل في تجهيز الخرسانة. وتقول اللائحة إن 16 شاحنة محملة ببضائع تُقدر قيمتها بعشرات ملايين الشواكل دخلت إلى غزة، معظمها عبر معبر كرم أبو سالم، من خلال جمعية تُدعى “المهاجر الفلسطيني”.

وتعرض لائحة الاتهام مساراً مفصلاً للتهريب، يبدأ من نقل البضائع إلى مستودعات، بينها مستودع في بيت عربة بمنطقة أريحا في الأغوار، ثم تحميلها في شاحنات يقودها سائقون يعملون نيابة عن “أبو باسل”، قبل وصولها إلى معبر كرم أبو سالم، حيث كان يجري تبديل السائقين بسائقين من غزة ينقلون البضائع إلى داخل القطاع.

وتبرز في القضية واقعة قالت هآرتس إنها تكشف حجم نفوذ “أبو باسل” داخل المؤسسة الأمنية. ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، داهمت قوات أمنية مستودعاً في بيت عربة بينما كان رجال سليم يحمّلون شاحنات ببضائع تشمل سجائر وأجهزة إلكترونية ومعدات ميكانيكية. ووفق لائحة الاتهام، تدخل “أبو باسل” لدى ضابط أمن في المكان، لتنتهي الواقعة بإطلاق سراح الموقوفين ومغادرة الشرطة دون اتخاذ إجراءات بحقهم.

وتقول اللائحة إن أنشطة المستودع أُغلقت لاحقاً، ثم وُقّع عقد إيجار جديد في محاولة لإضفاء مظهر قانوني على نشاط بدا وكأنه يتم “تحت رعاية الدولة وبموافقة المسؤولين الأمنيين”. ولم يصدر، بحسب هآرتس، رد من جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك” أو الشرطة الإسرائيلية على ما ورد في القضية.

من جانبه، قال المحامي ناشف درويش، المدافع عن رجب سليم، إن موكله ينفي التورط في التهريب، ويتمسك بأن ما قام به كان بعلم وتنسيق مع قوات الأمن، مضيفاً أن القضية شديدة التعقيد بسبب تداخل ما وصفه بـ”المنطقة الرمادية” بين النشاط المصرح به وغير المصرح به.

وتأتي هذه القضية في سياق فضائح أوسع تتعلق بتهريب بضائع إلى غزة خلال الحرب. فقد ذكرت وكالة أسوشيتد برس في فبراير/شباط الماضي أن النيابة الإسرائيلية وجهت اتهامات إلى 12 شخصاً، بينهم جنود واحتياطيون، بتهريب سلع مثل السجائر وهواتف آيفون والبطاريات إلى غزة، وبـ”مساعدة العدو وقت الحرب”، وسط اتهامات بالاحتيال والرشوة وتمويل نشاطات تصفها إسرائيل بالإرهابية.

وتكشف هذه المعطيات عن تناقض سياسي وأمني بالغ الحساسية: ففي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تفرض رقابة مشددة على المساعدات والسلع المتجهة إلى غزة بذريعة منع وصولها إلى حماس، تشير لوائح اتهام وتحقيقات صحفية إسرائيلية إلى وجود قنوات تهريب استفادت من ثغرات داخل المنظومة الأمنية نفسها، وربما من علاقات مباشرة مع جهات شرطية وأمنية.

وبذلك، لا تبدو القضية مجرد ملف جنائي يتعلق بتهريب بضائع، بل اختباراً أوسع لمصداقية منظومة الرقابة الإسرائيلية على المعابر، ولطبيعة العلاقة بين الأجهزة الأمنية والسوق السوداء التي نشأت على هامش الحرب والحصار. كما تفتح الباب أمام أسئلة سياسية وقانونية بشأن من كان يقرر فعلياً ما يدخل إلى غزة، ولمن كانت تذهب الأرباح، وكيف تحولت المعابر المغلقة أمام كثير من المساعدات إلى ممرات لبضائع بملايين الشواكل عبر “قنوات غير معروفة”.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - وكالات