بقلم: د. نبيل كوكالي
رئيس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي العام (PCPO)
في خطوة تعكس القلق المتزايد بشأن تباطؤ الاقتصاد الإسرائيلي وتداعيات الحرب والتوترات الإقليمية، قام بنك إسرائيل بتاريخ 25 مايو 2026 بتخفيض سعر الفائدة من 4.00% إلى 3.75%، بعد أن كان قد خفضها سابقًا في يناير 2026 إلى مستوى 4%. ويأتي هذا القرار بعد أشهر من التردد والإبقاء على الفائدة دون تغيير خلال اجتماعات فبراير ومارس بسبب ارتفاع معدلات التضخم والتوترات الأمنية المرتبطة بالحرب مع إيران وتداعيات الحرب في غزة.
ورغم أن خفض الفائدة يُعد أداة اقتصادية تقليدية لتحفيز النمو ودعم الأسواق، إلا أن الحالة الإسرائيلية الحالية تبدو أكثر تعقيدًا، لأن الاقتصاد لم يعد يتحرك وفق المؤشرات الاقتصادية وحدها، بل بات مرتبطًا أيضًا بالاعتبارات الأمنية والسياسية والعسكرية.
لماذا خفّض بنك إسرائيل الفائدة؟
بحسب المؤشرات الاقتصادية الإسرائيلية، فإن القرار جاء نتيجة عدة عوامل رئيسية، أهمها:
- تراجع نسبي في معدلات التضخم
- تباطؤ النشاط الاقتصادي
- محاولة تنشيط الاستثمار والأسواق
- تخفيف الضغط عن المقترضين وأصحاب الرهونات العقارية
- دعم الشركات التي تواجه ضغوطًا اقتصادية متزايدة.
فعندما يتم خفض الفائدة، تصبح القروض أقل تكلفة، ما يشجع الأفراد والشركات على الاقتراض والإنفاق والاستثمار، وهو ما يساعد نظريًا على تنشيط الاقتصاد.
لكن الصورة ليست بهذه البساطة.
العلاقة بين الفائدة وقوة الشيكل
في العادة، يؤدي خفض الفائدة إلى إضعاف العملة المحلية، لأن المستثمرين يبحثون دائمًا عن العملات ذات العائد الأعلى. وعندما تنخفض الفائدة على الشيكل، تصبح الاستثمارات المقومة به أقل جاذبية، فيتراجع الطلب عليه نسبيًا، ما يؤدي غالبًا إلى ارتفاع الدولار والدينار مقابله.
لكن المفارقة التي شهدها عام 2026 هي أن الشيكل لم يضعف بالشكل المتوقع، بل بقي قويًا جدًا، ووصل في بعض الفترات إلى أحد أقوى مستوياته منذ عقود، حيث اقترب سعر الدولار من حدود 2.90 شيكل.
ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها:
- تدفق استثمارات أجنبية إلى قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي
- ضعف الدولار عالميًا
- توقعات المستثمرين بأن الاقتصاد الإسرائيلي ما زال قادرًا على الصمود رغم الحرب
- التدخلات غير المباشرة في الأسواق المالية
- واستمرار الثقة النسبية بالاقتصاد الإسرائيلي مقارنة بالمنطقة.
- وحالة الترقب السياسي والأمني في المنطقة.
ماذا عن تأثير ذلك على الجمهور الإسرائيلي؟
ورغم أن النقاش حول سعر الفائدة وقوة الشيكل يتركز غالبًا على الأسواق والمؤسسات المالية، إلا أن تأثيراته تمتد بصورة مباشرة إلى المواطن الإسرائيلي العادي. فخفض الفائدة يهدف أساسًا إلى تخفيف الضغط الاقتصادي عن الأسر الإسرائيلية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد أعباء القروض والرهونات العقارية خلال السنوات الأخيرة، وذلك من خلال تقليل تكلفة القروض وتشجيع الاستثمار والإنفاق وتحريك الأسواق.
لكن في المقابل، فإن أي ضعف محتمل في الشيكل قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة والطاقة والسفر، الأمر الذي قد ينعكس على معدلات التضخم ومستوى الأسعار داخل إسرائيل. كما أن استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني والحروب الإقليمية يساهم في زيادة القلق الاقتصادي لدى قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي، في ظل المخاوف من تأثير الأوضاع السياسية والأمنية على الاقتصاد والاستقرار ومستوى المعيشة في المستقبل.
وبالتالي، فإن المواطن الإسرائيلي، كما الفلسطيني، بات يعيش حالة متزايدة من الترقب والقلق الاقتصادي، وإن اختلفت طبيعة التأثيرات وحدود القدرة على التعامل معها بين الطرفين.
من الاقتصاد إلى القلق المجتمعي
اللافت أن التأثيرات الاقتصادية لهذه التطورات لا تبقى داخل حدود السوق الإسرائيلية فقط، بل تمتد بصورة مباشرة إلى المجتمع الفلسطيني الذي يرتبط اقتصاديًا وماليًا بشكل شبه كامل بإسرائيل، سواء من خلال العملة، أو التجارة، أو البنوك، أو حركة الاستيراد والتصدير.
وفي هذا السياق، أظهرت نتائج استطلاعات الرأي التي أجراها المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي العام (PCPO) خلال عامي 2025 و2026 ارتفاعًا واضحًا في مستويات القلق الاقتصادي والاجتماعي لدى الفلسطينيين، خصوصًا فيما يتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة، وتقلبات أسعار العملات، وضعف القدرة الشرائية، والخوف من المستقبل الاقتصادي.
كما بينت نتائج الاستطلاعات أن شريحة واسعة من الفلسطينيين أصبحت ترى أن الأزمات الاقتصادية لم تعد مؤقتة، بل تحولت إلى حالة ضغط يومية مستمرة تؤثر على الاستقرار النفسي والاجتماعي للأسرة الفلسطينية.
ماذا يعني ذلك للفلسطينيين؟
تكشف نتائج استطلاعات PCPO أن الفلسطيني العادي لا ينظر إلى أسعار العملات بوصفها أرقامًا مالية مجردة، بل باعتبارها عاملًا يؤثر مباشرة على حياته اليومية.
فإذا ضعف الشيكل أمام الدولار والدينار، فإن ذلك قد يؤدي إلى:
• ارتفاع أسعار السلع المستوردة،
• زيادة تكلفة السفر والعلاج والتعليم خارج فلسطين،
• ارتفاع الأقساط والقروض المرتبطة بالدولار أو الدينار،
• ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل عام،
• زيادة الضغط على الأسر ذات الدخل المحدود،
• تآكل القدرة الشرائية،
• وزيادة الشعور بعدم الأمان الاقتصادي.
كما أظهرت الاستطلاعات تراجعًا ملحوظًا في ثقة المواطنين بقدرة المؤسسات الاقتصادية على حماية المجتمع من الأزمات المالية المتلاحقة، خاصة في ظل استمرار التبعية الاقتصادية وغياب أدوات نقدية فلسطينية مستقلة.
وفي المقابل، فإن استمرار قوة الشيكل يحمل تأثيرات متناقضة؛ فهو قد يخفف نسبيًا من التضخم والاستيراد، لكنه يضر في الوقت نفسه بالقطاعات الإنتاجية والتصديرية الفلسطينية، ويعمّق حالة الاختلال الاقتصادي القائمة أصلًا.
الاقتصاد والسياسة… علاقة لم تعد قابلة للفصل
المشهد الحالي يؤكد أن الاقتصاد في المنطقة لم يعد يتحرك وفق الحسابات النقدية فقط، بل أصبح امتدادًا مباشرًا للصراع السياسي والأمني.
فالحرب في غزة، والتوتر مع إيران، والتغيرات الإقليمية، والاستثمارات الأجنبية، وحتى المزاج السياسي العالمي تجاه إسرائيل، كلها عوامل تؤثر اليوم في قوة الشيكل واتجاهات السوق.
ولهذا قد نشهد أحيانًا مشهدًا يبدو متناقضًا:
يتم تخفيض الفائدة… لكن الشيكل يبقى قويًا.
وهو ما يؤكد أن الاقتصاد في الشرق الأوسط لم يعد يتحرك بمعزل عن الاعتبارات السياسية والأمنية، بل أصبح جزءًا أساسيًا من توازنات النفوذ والصراع والاستقرار الإقليمي. كما يعكس ذلك طبيعة الاقتصاد الإسرائيلي بوصفه اقتصادًا يرتبط بصورة وثيقة بالمتغيرات الأمنية والتحالفات الدولية والتطورات الجيوسياسية في المنطقة.
الخلاصة
تكشف التطورات الاقتصادية الأخيرة أن الشيكل، رغم بقائه قويًا نسبيًا، بات يواجه ضغوطًا متزايدة مرتبطة بالتوترات الأمنية، والتقلبات الإقليمية، ومحاولات بنك إسرائيل الحفاظ على التوازن الاقتصادي من خلال خفض أسعار الفائدة وتنشيط الأسواق.
وفي هذا السياق، تؤكد استطلاعات الرأي التي يجريها المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي العام (PCPO) أن القلق الاقتصادي أصبح أحد أبرز مصادر الضغط النفسي والاجتماعي داخل المجتمع الفلسطيني، خاصة في ظل الارتباط المباشر بين الحياة اليومية للفلسطينيين وتقلبات الشيكل وأسعار العملات.
كما توضح هذه التطورات أن القرارات النقدية الإسرائيلية لم تعد مجرد إجراءات اقتصادية داخلية، بل أصبحت ذات تأثير مباشر على الفلسطينيين والإسرائيليين معًا، وإن بقي الفلسطينيون الطرف الأكثر هشاشة وتأثرًا بسبب استمرار التبعية الاقتصادية وضعف القدرة على التحكم بالسياسات المالية والنقدية.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة لإعادة التفكير بجدية في مستقبل العلاقة الاقتصادية الفلسطينية الإسرائيلية، والعمل على بناء سياسات اقتصادية ومالية أكثر قدرة على حماية المجتمع الفلسطيني من تقلبات الاقتصاد الإسرائيلي والأزمات الإقليمية المتلاحقة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت
