بقلم: د. نبيل كوكالي
مؤسس ورئيس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO)
يتجه بنك إسرائيل إلى خفض أسعار الفائدة للمرة الثالثة خلال العام الجاري، في خطوة تهدف إلى دعم النشاط الاقتصادي الإسرائيلي بعد تراجع معدلات التضخم واستقرار عدد من المؤشرات الاقتصادية. وبالنسبة للاقتصاد الإسرائيلي، تبدو أهداف القرار واضحة: تخفيف أعباء القروض، خفض تكلفة التمويل، تحفيز الاستثمار، وتنشيط الاستهلاك. فخفض الفائدة في أي اقتصاد طبيعي يُعد أداة نقدية معروفة لتشجيع الاقتراض، وتحريك الأسواق، ودعم النمو.
لكن السؤال الأهم بالنسبة للفلسطينيين هو: ماذا يعني خفض الفائدة الإسرائيلية لاقتصاد لا يملك عملته الوطنية، ولا يتحكم بسياسته النقدية، ولا يسيطر بالكامل على حركة أمواله؟ هنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً. فالفلسطينيون يتأثرون مباشرة بقرارات بنك إسرائيل، لكنهم لا يشاركون في صنعها. يستخدمون الشاقل في معظم معاملاتهم اليومية، وتتأثر قروضهم ومدخراتهم وأسعارهم بحركة الفائدة الإسرائيلية، لكن اقتصادهم يعمل ضمن شروط مختلفة تماماً عن الاقتصاد الإسرائيلي.
في إسرائيل، قد يؤدي خفض الفائدة إلى تخفيف أعباء المقترضين، وخاصة أصحاب القروض العقارية والتجارية، كما قد يشجع الشركات على الاستثمار، ويمنح المستهلكين قدرة أكبر على الإنفاق. أما في فلسطين، فإن أثر القرار لا ينتقل بصورة طبيعية أو متوازنة، لأن الدورة الاقتصادية الفلسطينية ليست دورة حرة، بل دورة مقيّدة بقيود سياسية ومالية ومصرفية خارجية.
فالمشكلة الفلسطينية لا تكمن فقط في مستوى سعر الفائدة، بل في البيئة التي يتحرك فيها المال. فما فائدة خفض الفائدة إذا كانت أموال المقاصة محتجزة؟ وما جدوى انخفاض تكلفة التمويل إذا كانت البنوك الفلسطينية تعاني من تراكم فائض الشاقل وترفض أو تقيّد استقبال الإيداعات النقدية الكبيرة من التجار ورجال الأعمال والجمهور؟ وكيف يمكن للقطاع الخاص أن يستفيد من أي تحسن نقدي إذا كانت حركة السيولة نفسها محاصرة؟
إن أموال المقاصة تمثل أحد الشرايين الأساسية للاقتصاد الفلسطيني. فهي ليست منحة ولا مساعدة، بل أموال فلسطينية مستحقة يتم تحصيلها على الواردات والمعاملات التجارية، ويفترض تحويلها إلى الخزينة الفلسطينية بصورة منتظمة. وعندما تقوم إسرائيل باحتجاز هذه الأموال أو تأخير تحويلها، فإنها لا تضغط على الحكومة وحدها، بل تضغط على الاقتصاد بأكمله. فالحكومة التي لا تحصل على أموالها كاملة لا تستطيع دفع الرواتب بانتظام، ولا الوفاء بالتزاماتها للقطاع الخاص، ولا تمويل الخدمات والمشاريع العامة بالكفاءة المطلوبة.
وهنا تبدأ سلسلة الانكماش. الموظف الذي يتقاضى راتباً ناقصاً يخفض إنفاقه. والتاجر الذي ينتظر مستحقاته من الحكومة يواجه صعوبة في السداد. والمقاول يؤجل التزاماته للعمال والموردين والبنوك. والمورد يقلل الاستيراد أو يرفع الأسعار أو يوقف التوريد. وهكذا تنتقل أزمة المقاصة من الخزينة العامة إلى السوق، ومن السوق إلى الأسر، ومن الأسر إلى مجمل النشاط الاقتصادي.
إلى جانب ذلك، يواجه القطاع المصرفي الفلسطيني أزمة متفاقمة تتمثل في تراكم فائض الشاقل داخل البنوك. ففي الوضع الطبيعي، تستقبل البنوك النقد من الجمهور والتجار والشركات، ثم تعيد تصريف الفائض وفق ترتيبات مصرفية منظمة مع الجانب الإسرائيلي. لكن عندما يرفض الجانب الإسرائيلي استلام فائض الشاقل أو يقيّد آليات تحويله، يتحول النقد من وسيلة تبادل إلى عبء مصرفي. تتكدس العملة في خزائن البنوك، وترتفع كلفة الاحتفاظ بها، وتزداد المخاطر التشغيلية والأمنية، وتصبح البنوك مضطرة إلى وضع قيود على استقبال المزيد من الإيداعات النقدية.
وهذه نقطة بالغة الخطورة. فحين لا يستطيع التاجر أو رجل الأعمال إيداع الشاقل في البنك بسهولة، فإن المشكلة لا تبقى مصرفية فقط، بل تتحول إلى أزمة ثقة وتنظيم في السوق. التاجر يحتاج إلى إيداع إيراداته حتى يسدد الشيكات، وينظم حساباته، ويدفع للموردين، ويفتح الاعتمادات، ويحافظ على سجله المالي. فإذا أصبح الإيداع مقيداً أو مرفوضاً، فإن المال يبقى خارج النظام المصرفي، وتزداد المخاطر، وتضعف الشفافية، وتتعطل قدرة القطاع الخاص على إدارة أعماله اليومية.
وهنا يظهر التناقض بوضوح: في إسرائيل، خفض الفائدة يعني ضخ مزيد من الحيوية في الاقتصاد؛ أما في فلسطين، فقد يجد المواطن والتاجر نفسيهما أمام بنوك غير قادرة على استقبال المزيد من الشاقل، وحكومة لا تحصل على أموال المقاصة، وقطاع خاص يواجه صعوبة في إدارة السيولة، وسوق تتباطأ فيها حركة المال. لذلك، فإن أثر خفض الفائدة لا يمكن فصله عن القيود المفروضة على الاقتصاد الفلسطيني.
قد يستفيد بعض المقترضين الفلسطينيين بالشيكل من انخفاض الفائدة إذا انعكس ذلك على تكلفة القروض، لكن هذه الاستفادة تبقى محدودة إذا ظل الاقتصاد محاصراً بأزمة المقاصة وفائض الشاقل. فخفض الفائدة قد يخفف عبء القرض، لكنه لا يحل مشكلة تراجع الدخل، ولا يعالج تأخر الرواتب، ولا يضمن قدرة التاجر على إيداع أمواله، ولا يعيد انتظام التدفقات المالية بين الحكومة والبنوك والقطاع الخاص.
أما من حيث سعر الصرف، فإن خفض الفائدة قد يؤدي نظرياً إلى تقليل جاذبية الشاقل مقارنة بالدولار واليورو والدينار، ما قد يضغط على قيمة العملة إذا لم تكن هناك عوامل أخرى داعمة لها. لكن في الحالة الفلسطينية، حتى حركة سعر الصرف لا تُقرأ بمعزل عن الواقع المعيشي. فإذا ضعف الشاقل، قد ترتفع أسعار السلع المستوردة المقومة بالدولار أو اليورو، مثل الوقود، والمواد الخام، والأدوية، وبعض السلع الأساسية. وهذا يعني أن الأسر التي تتقاضى دخلها بالشيكل قد تواجه ضغوطاً إضافية على قدرتها الشرائية.
وفي المقابل، قد يستفيد جزئياً من تراجع الشاقل من يتلقى حوالات أو دخلاً بالدولار أو الدينار أو اليورو، لأن قيمة هذه العملات تصبح أعلى عند تحويلها إلى الشاقل. لكن هذه المكاسب تبقى فردية ومحدودة، ولا تعوض الخلل البنيوي الأوسع في الاقتصاد. فالمشكلة ليست فقط في سعر العملة، بل في قدرة المال على الدوران داخل الاقتصاد.
من هنا، فإن خفض الفائدة الإسرائيلية لا يكشف فقط عن توجه جديد في السياسة النقدية الإسرائيلية، بل يعيد تأكيد جوهر نظرية الدورة الاقتصادية الفلسطينية المقيّدة. فالاقتصاد الفلسطيني لا يعاني فقط من ارتفاع أو انخفاض سعر الفائدة، بل من غياب القدرة على التحكم بالقنوات الأساسية التي تسمح للمال بأن يتحرك داخل السوق بصورة طبيعية. فالمقاصة محتجزة، والشاقل يتراكم في البنوك، والإيداعات النقدية تواجه قيوداً، والبنوك المراسلة مهددة، والمعابر تخضع للسيطرة، وحركة الأموال ليست حرة. لذلك، فإن انخفاض الفائدة في إسرائيل لا ينتقل إلى الاقتصاد الفلسطيني كما ينتقل في الاقتصادات الطبيعية، لأن الدورة الاقتصادية الفلسطينية ليست دورة مفتوحة، بل دورة محكومة بقيود خارجية تعطل انتقال أثر السياسة النقدية إلى المواطنين والتجار والقطاع الخاص.
وبذلك، لا تصبح المشكلة في مستوى الفائدة فقط، بل في قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الاستفادة منها؛ فحين تكون قنوات المال مقيّدة، يصبح خفض الفائدة حدثاً إسرائيلياً بأثر فلسطيني محدود، وربما مشوّه.
في الاقتصادات الطبيعية، تنتقل السياسة النقدية من البنك المركزي إلى البنوك، ثم إلى المقترضين والمستثمرين والمستهلكين. أما في فلسطين، فإن هذه القناة تتعرض للتشويه والتقييد. فالبنوك الفلسطينية لا تواجه فقط سعر فائدة أعلى أو أقل، بل تواجه مشكلة في تصريف العملة نفسها. والحكومة لا تواجه فقط عجزاً مالياً، بل تواجه احتجازاً لأموالها. والقطاع الخاص لا يواجه فقط تكلفة تمويل، بل يواجه صعوبة في الإيداع والتحويل والسداد والتخطيط.
لذلك، فإن السؤال الفلسطيني الحقيقي ليس فقط: هل سيخفض بنك إسرائيل الفائدة؟ بل: هل يستطيع الاقتصاد الفلسطيني أن يستفيد من أي خفض للفائدة بينما أمواله محتجزة، وعملته متراكمة، وبنوكه مقيدة، وحركة السيولة فيه غير طبيعية؟
إن معالجة الأزمة الاقتصادية الفلسطينية لا تبدأ من سعر الفائدة وحده، بل من تحرير قنوات المال. وهذا يعني الإفراج عن أموال المقاصة، وضمان انتظام تحويلها، وإلزام الجانب الإسرائيلي باستلام فائض الشاقل وفق آليات واضحة ومنتظمة، وحماية قدرة البنوك الفلسطينية على استقبال إيداعات الجمهور والتجار ورجال الأعمال دون قيود قسرية ناتجة عن تراكم العملة. كما يعني حماية علاقات البنوك المراسلة، ومنع استخدام النظام المالي كأداة ضغط سياسي.
في النهاية، قد يكون خفض الفائدة خبراً إيجابياً للاقتصاد الإسرائيلي، لكنه بالنسبة للاقتصاد الفلسطيني يفتح سؤالاً أعمق: كيف يمكن لاقتصاد أن يستفيد من سياسة نقدية لا يملكها، بينما تُحتجز أمواله، وتتكدس عملته، وتُقيّد بنوكه عن أداء دورها الطبيعي؟ إن الاقتصاد لا يعيش بمجرد انخفاض الفائدة، بل يعيش بقدرة المال على الحركة. وعندما تُقيد حركة المال، تصبح الدورة الاقتصادية الفلسطينية مقيّدة، حتى لو بدت المؤشرات النقدية في الجانب الآخر أكثر مرونة.
د. نبيل كوكالي رئيس ومؤسس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO) ، وأحد الباحثين المتخصصين في استطلاعات الرأي العام والبحوث الاجتماعية والاقتصادية، ويتمتع بخبرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود في تصميم وتنفيذ الدراسات الميدانية في فلسطين والشرق الأوسط.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت
