الاغتيالات كبديل عن السياسة:

قراءة نظير مجلي: إسرائيل تفصل ضربات غزة عن الهدنة وتبحث عن “صيد ثمين” لإخفاء فشلها الاستراتيجي

نظير مجلي

قدّم الخبير في الشؤون الإسرائيلية نظير مجلي، قراءة سياسية حادة لموجة الاغتيالات التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، معتبرا أن إسرائيل تتعامل مع هذه العمليات باعتبارها ملفا منفصلا عن اتفاق وقف إطلاق النار، وأنها تستخدمها لتعويض فشلها في تحقيق الأهداف الكبرى التي أعلنتها للحرب.

ويرى مجلي في حديث لقناة "الغد" الإخبارية من الناصرة، أن ما يجري في غزة لا يمكن فهمه فقط من زاوية “الملاحقة الأمنية” أو “منع الخطر”، كما تقول الرواية الإسرائيلية، بل من خلال حسابات داخلية إسرائيلية أوسع، تتصل بصورة الجيش، ومكانة الحكومة، والمنافسة السياسية، ومحاولة إقناع الجمهور الإسرائيلي بأن المؤسسة العسكرية ما زالت قادرة على تحقيق إنجازات، رغم أن الواقع الميداني لا يعكس نصرا استراتيجيا واضحا.

إسرائيل تفصل الاغتيالات عن وقف إطلاق النار

في بداية قراءته التي تابعتها "وكالة قدس نت للأنباء"، شدد مجلي على أن إسرائيل “تبعد قضية الاغتيالات عن أي اتفاق لوقف إطلاق النار”، موضحا أن هذه السياسة ليست طارئة ولا مرتبطة فقط بقرار مباشر من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، بل هي نهج متواصل داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية.

وقال إن إسرائيل، كلما أتيحت لها فرصة لتنفيذ اغتيال، ستفعل ذلك دون تردد، خصوصا إذا رأت ما تعتبره “تراخيا أمنيا” لدى قيادة حماس أو عناصرها. وبحسب قراءته، فإن الجيش الإسرائيلي يتعامل مع هذه العمليات كجزء من سياسة جارية، لا كاستثناء مرتبط بظرف معين.

هذه النقطة تمثل جوهر التحليل: فإسرائيل، وفق مجلي، لا ترى أن وقف إطلاق النار يمنعها من تنفيذ اغتيالات داخل قطاع غزة. وبذلك تتحول الهدنة إلى إطار هش، بينما تحتفظ تل أبيب لنفسها بحق استخدام القوة متى قررت أن هناك هدفا مناسبا.

لا مبرر قانونيا.. لكن هناك حسابات داخلية

وردا على سؤال حول ما إذا كانت حماس تشكل خطرا مباشرا يبرر هذه الاغتيالات، خصوصا في ظل الهدنة وعدم رصد عمليات كبيرة من غزة، قال مجلي إنه إذا كان البحث عن مبرر من منظور القانون الدولي أو الاتفاقيات أو منطق السلام، “فطبعا لا يوجد مبرر”.

لكنه أوضح أن الحكومة الإسرائيلية لا تتحرك وفق هذه المعايير، بل وفق حسابات داخلية بالأساس. فداخل إسرائيل، بحسب مجلي، هناك حملة انتقادات واسعة ضد نتنياهو والجيش، تقوم على أن الحكومة لم تحقق أيا من الأهداف التي أعلنتها: قالت إنها ستقضي على حماس، لكن حماس ما زالت موجودة؛ وقالت إنها ستغير الواقع الأمني، لكن إسرائيل لا تزال تعيش أزمات متلاحقة في غزة ولبنان والداخل.

من هنا، تصبح الاغتيالات وسيلة سياسية وإعلامية. فهي تمنح الحكومة والجيش مادة يمكن تقديمها للجمهور بوصفها “إنجازا”، حتى إن لم تكن قادرة على تغيير المشهد الاستراتيجي.

“صيد ثمين” لترميم صورة الردع

استخدم مجلي توصيفا لافتا حين قال إن القيادة الإسرائيلية تبحث عن “صيد ثمين”. والمقصود هنا أن اغتيال شخصية بارزة أو مجموعة قيادية في حماس يتيح للحكومة أن تقول لجمهورها إنها تلاحق المسؤولين عن السابع من أكتوبر، وإنها لم تتخل عن هدف الانتقام أو تصفية من شاركوا أو علموا أو ساهموا في التخطيط لذلك الهجوم.

وأشار إلى أن إسرائيل تتحدث عن اجتماعات لقيادات عسكرية في غزة، أو محاولات لاختيار بدلاء لقادة جرى اغتيالهم سابقا، وتعتبر ذلك فرصة لضربة كبيرة. فالهدف، في رأيه، ليس أمنيا فقط، بل سياسي ونفسي أيضا: إقناع الجمهور الإسرائيلي بأن الجيش والشاباك يملكان القدرة على الوصول إلى قادة حماس، وأن المؤسسة الأمنية ما زالت قوية ومسيطرة.

غير أن مجلي يرى أن هذا النوع من العمليات لا يعالج جوهر الأزمة. فالاغتيال قد يحقق أثرا فوريا، لكنه لا يصنع استراتيجية، ولا يقدّم إجابة عن سؤال اليوم التالي في غزة، ولا يخرج إسرائيل من مأزق الحرب المفتوحة.

انتخابات ومزايدة على التطرف

يربط مجلي بين استمرار التصعيد وأجواء المنافسة السياسية داخل إسرائيل. فبحسب قراءته، تعيش إسرائيل مرحلة انتخابات أو استعدادات سياسية حادة، وفي هذه الأجواء يتنافس القادة على إظهار من هو الأكثر تشددا وقسوة وتطرفا.

ولا يقتصر الأمر، في رأيه، على غزة فقط، بل يمتد إلى لبنان وإيران والملفات التفاوضية. فالقوى السياسية الإسرائيلية، سواء في الحكومة أو المعارضة، تخوض معركة خطابية من اليمين، حيث تهاجم المعارضة الحكومة لأنها “لم تفعل ما يكفي”، وتقول إن حماس ما زالت قوية، وإن حزب الله ما زال يضغط على سكان شمال إسرائيل.

وهنا يرى مجلي أن الجيش نفسه دخل دائرة الضغط، بعدما كان الاتهام بالفشل موجها في البداية إلى الحكومة فقط. ومع اتساع الانتقاد، يحاول الجيش أن يظهر أنه قادر على البطش وتحقيق النتائج، ولو عبر المزيد من الضربات والاغتيالات.

فشل استراتيجي رغم التفوق العسكري

أحد أهم محاور حديث مجلي هو التمييز بين الإنجاز العسكري والإنجاز الاستراتيجي. فهو لا ينفي أن إسرائيل قادرة على تنفيذ ضربات مؤلمة، أو اغتيال شخصيات، أو إحداث أضرار كبيرة في غزة ولبنان وغيرهما، لكنه يؤكد أن هذه الضربات لا تتحول إلى مكاسب سياسية.

وبحسب تعبيره، فإن الجيش يقول للحكومة: نحن نحقق لكم إنجازات عسكرية، لكنكم لا تستثمرونها سياسيا. أي أن المشكلة ليست فقط في القدرة على الضرب، بل في غياب الرؤية التي تحول القوة إلى تسوية أو إلى أمن مستقر.

ويرى مجلي أن القيادة الإسرائيلية عالقة داخل “العلبة” نفسها: تحتل مزيدا من الأرض ظنا منها أن ذلك سيجلب مزيدا من الأمن، لكنها في الواقع تجلب مزيدا من الأخطار والتورط. وهذا، في رأيه، ينطبق على غزة كما ينطبق على لبنان.

التهويل الإعلامي الإسرائيلي: صناعة صورة النصر

توقف مجلي عند لغة البيانات الإسرائيلية التي ترافق عمليات الاغتيال، خصوصا عندما يخرج نتنياهو ووزير الجيش يسرائيل كاتس في بيانات مشتركة للحديث عن “عملية ناجحة” للجيش والشاباك.

ويرى أن الهدف من هذا التهويل هو إظهار الجيش الإسرائيلي كقوة ضخمة ومسيطرة وفاعلة، والرد على جمهور بات يشكك في الرواية الرسمية عن “الانتصار”. فنتنياهو، وفق مجلي، يتحدث عن شرق أوسط جديد وعن إسرائيل كقوة عظمى إقليمية وربما عالمية، لكن هذه التصريحات تحتاج، بالنسبة للجمهور الإسرائيلي، إلى ما يثبتها على الأرض.

لذلك تتحول الاغتيالات إلى “شيك سياسي” تحاول الحكومة صرفه أمام الداخل، رغم أن نتائجها لا ترقى إلى مستوى الحسم الاستراتيجي.

منطق القوة منذ 1948: الخوف كأداة تعبئة

في بعد أعمق، أعاد مجلي الأزمة إلى بنية التفكير السياسي الإسرائيلي منذ عام 1948. وقال إن القيادات الإسرائيلية اعتادت تعبئة الجمهور بالخوف: الخوف من العرب، والخوف من السلام مع العرب، والخوف من أي تسوية قد تُقدَّم باعتبارها خطرا أمنيا.

وأشار إلى أن إسرائيل أقامت عشرات لجان التحقيق في الحروب والإخفاقات الأمنية، لكنها لم تقم، بحسب قوله، بلجنة تحقق في سؤال: لماذا لا يوجد سلام؟ وضرب مثالا بحرب أكتوبر 1973، إذ انشغلت لجنة التحقيق بالسؤال الأمني عن سبب المفاجأة، لا بالسؤال السياسي عن سبب الذهاب إلى الحرب بدلا من السلام.

وبهذا المعنى، يرى مجلي أن المجتمع الإسرائيلي تشكل طويلا داخل خطاب الخطر الوجودي. حتى هجوم السابع من أكتوبر، رغم تنفيذه من قبل حركة مثل حماس، جرى تقديمه لدى قطاعات واسعة باعتباره “حربا وجودية” على إسرائيل، وهو توصيف يراه مجلي مبالغا فيه ومفيدا لتبرير استمرار الحرب.

غزة في الوعي الإسرائيلي: بين الجهل والإنكار والتأييد

تطرق مجلي إلى صورة غزة داخل المجتمع الإسرائيلي، قائلا إن قسما من الجمهور لا يعرف ما يجري فعلا في القطاع، وقسما آخر لا يريد أن يعرف، بينما هناك من يعرف ويدعم ما يحدث.

وبحسب قراءته، هناك خطاب خطير يختزل غزة كلها في حماس، ويجعل كل طفل يولد في القطاع وكأنه مشروع عدو. وهذا، في رأيه، يعكس حالة من “الضلال الفكري” والانفصال عن الحقائق الإنسانية.

ومع ذلك، أشار إلى وجود قوى إسرائيلية محدودة ترفض قتل المدنيين وتخرج في تل أبيب رافعة صور أطفال غزة الذين قتلوا في الغارات الإسرائيلية. لكنه أوضح أن هذه القوى تتعرض لاعتداءات من الشرطة ومن اليمين المتطرف، وتبقى حتى الآن محدودة التأثير، رغم أهميتها الأخلاقية والسياسية.

هل المواجهة دينية أم سياسية؟

في ختام حديثه، رفض مجلي اختزال ما يجري في أنه مواجهة دينية فقط. فهو يقر بوجود تيارات دينية إسرائيلية تؤمن بفكرة “أرض إسرائيل الكبرى” و”أرض الميعاد”، وتستخدم هذا الخطاب لتبرير التوسع والعنف. لكنه يضيف أن المجتمع الإسرائيلي أكثر تعقيدا، وفيه تيارات دينية أخرى، بينها قطاعات حريدية، يمكن أن تفكر بطريقة مغايرة وتفضل السلام على الحرب.

ويرى أن المشكلة اليوم ليست في الدين وحده، بل في القيادة الحالية ومصالح الحرب. فهناك، بحسب مجلي، “تجار حرب” يستفيدون من استمرار الحروب، ومن تسويق السلاح والخبرات الأمنية باعتبارها “مجربة في الميدان”. وهؤلاء، في رأيه، يستخدمون الخطاب الديني المتطرف عندما يخدم مصالحهم السياسية والاقتصادية.

غياب القيادة القادرة على القرار

استعاد مجلي تجربة مناحيم بيغن في اتفاق كامب ديفيد، ليقول إن إسرائيل عرفت في الماضي قيادات يمينية لكنها قادرة على اتخاذ قرارات تاريخية وإقناع الجمهور بها. أما اليوم، فيرى أن هذا النوع من القيادة غائب، وأن الساحة السياسية تهيمن عليها شخصيات أكثر فسادا وارتهانا للحرب والمكاسب والنفوذ.

ومن هنا، تبدو الأزمة في جوهرها أزمة قيادة. فإسرائيل تملك قوة عسكرية كبيرة، لكنها تفتقر، وفق قراءة مجلي، إلى قيادة قادرة على تحويل القوة إلى تسوية، أو على كسر دائرة الخوف والحرب، أو على الاعتراف بأن الأمن لا يتحقق بالاغتيالات وحدها.

خلاصة القراءة

استنادا إلى حديث نظير مجلي، يمكن القول إن الاغتيالات الإسرائيلية في قطاع غزة ليست مجرد عمليات أمنية معزولة، بل أداة سياسية داخلية تستخدمها الحكومة والجيش لترميم صورة الردع وإخفاء الفشل في تحقيق أهداف الحرب.

فإسرائيل، وفق هذه القراءة، تفصل الاغتيالات عن الهدنة، وتتعامل مع وقف إطلاق النار كإطار لا يمنعها من مواصلة القتل والاستهداف. وهي تبحث عن “صيد ثمين” يمنحها صورة إنجاز، لكنها لا تقدم مشروعا سياسيا قادرا على إنهاء الحرب أو صناعة أمن حقيقي.

وبين ضغط الجمهور، ومزايدات اليمين، وارتباك الجيش، ومصالح صناعة الحرب، تتحول غزة مرة أخرى إلى ساحة لتصدير أزمات إسرائيل الداخلية. أما النتيجة، كما يخلص مجلي، فهي مزيد من التصعيد الذي قد يشبع غرائز الانتقام، لكنه لا يحقق هدفا استراتيجيا ولا يفتح بابا جديا نحو حل سياسي.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف مساء الأربعاء 27 مايو/أيار 2026 "عنصرين بارزين" في حركة حماس بمدينة غزة، وذلك بعد يوم من اغتيال القيادي كتائب القسام محمد عودة.

ونقلت القناة 14 الإسرائيلية عن مصادر أن الجيش استهدف عز الدين البيك قائد لواء شمال غزة في حركة حماس، وعماد أسليم نائب قائد لواء غزة وقائد كتيبة الزيتون في الحركة .

من جهتها، قالت القناة 12 الإسرائيلية إن الجيش استهدف قائد لواء شمال قطاع غزة في حماس ونائبه، فيما أشارت تقارير إسرائيلية، إلى أن قائد لواء شمال قطاع غزة وقائد لواء مدينة غزة تم استهدافهما خلال اجتماع.

وذكرت التقارير بأن الاجتماع الذي استهدفته الطائرات الإسرائيلية كان يبحث انتخاب خليفة لقائد أركان كتائب القسام محمد عودة الذي اغتيل مساء الثلاثاء  26 مايو/أيار 2026 في غارة إسرائيلية على حي الرمال بمدينة غزة.

وأشار ت التقارير إلى أن عمليات الاستهداف الجديدة تأتي في إطار عمليات إسرائيلية متراكمة بعد اغتيال قائد القسام عز الدين الحداد وخليفته محمد عودة.

وقبل ساعات من عملية الاستهداف الجديدة، نعت كتائب القسام الشهيد محمد عودة ووصفته بأنه قائد أركانها، مؤكدة أن اغتيال القادة الكبار لن يزيدها إلا إصرارا على مواصلة طريق المقاومة.
 
 

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - الناصرة (قناة الغد)