بين صناديق مغلقة وطعون غائبة: قدورة فارس يفتح ملف مؤتمر فتح الثامن ويثير سؤال الشرعية التنظيمية

قدورة فارس

في شهادة سياسية لافتة، كشف القيادي في حركة فتح والرئيس السابق لهيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني، قدورة فارس، جانبًا مما قال إنه جرى خلف الأبواب المغلقة في المؤتمر الثامن للحركة، متحدثًا عن “أدلة” وقرائن على وجود تلاعب في نتائج انتخابات اللجنة المركزية، ومتهمًا إدارة العملية الانتخابية بإقصاء الرقابة الفعلية عن مرحلة الفرز.كما قال 

وجاءت تصريحات فارس التي تابعتها "وكالة قدس نت للأنباء" خلال حلقة من “بودكاست تقارب” مع الإعلامي أحمد البيقاوي، حملت عنوان: “انتخابات مؤتمر فتح الثامن: لماذا فُرزت الأصوات دون رقابة؟!”، وبُثت مساء الخميس 28 أيار/مايو 2026، بعد أيام من إعلان نتائج المؤتمر الذي أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط الفتحاوية والفلسطينية.

وقال فارس إن المؤتمر كان يُفترض أن يشكل محطة سياسية وتنظيمية للإجابة عن أسئلة كبرى تواجه الفلسطينيين، في ظل الحرب على غزة، وتصاعد الاعتداءات في الضفة الغربية والقدس، وتدهور أوضاع الأسرى، لكنه رأى أن المؤتمر لم ينجح في إنتاج رؤية سياسية أو آليات عملية تعيد الثقة إلى قواعد الحركة.

وأضاف أن الجزء الثاني من المؤتمر، المتعلق بتجديد الأطر القيادية وانتخاب أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري، شابته “أخطاء مقصودة وممنهجة”، وفق تعبيره، ما جعل الحركة تخرج من المؤتمر، حسب تقديره، “أكثر تفسخًا” بدل أن تخرج أكثر تماسكًا.

وكانت رئاسة المؤتمر الثامن قد أعلنت النتائج الرسمية غير النهائية لانتخابات اللجنة المركزية والمجلس الثوري في 18 أيار/مايو، بنسبة مشاركة بلغت 94.64%، وبمشاركة 2595 عضوًا، تنافس منهم 59 على 18 مقعدًا في اللجنة المركزية و450 على 80 مقعدًا في المجلس الثوري. وأكدت رئاسة المؤتمر أن النتائج قابلة للطعن لمدة 24 ساعة، وأن العملية جرت بإشراف لجنة من القضاة الفلسطينيين.

وركز فارس في حديثه على مرحلة الفرز، قائلًا إنه تقدم قبل العملية الانتخابية باقتراح مكتوب لضمان حد أدنى من الرقابة، يسمح بدخول عدد من أعضاء المؤتمر إلى قاعة الفرز على دفعات لمراقبة العملية. ووفق روايته، جرى التصويت على هذا المقترح داخل المؤتمر، لكنه لم يُنفذ عمليًا، إذ “أُغلقت الأبواب ومنع الجميع من الدخول”، على حد قوله.

واعتبر فارس الذي كان مرشحاً للمركزية، أن تجاوز هذا القرار، "إن صح"، يمس جوهر الثقة داخل الحركة، لأن أول ما يطلبه المرشحون والناخبون في أي انتخابات هو الاطمئنان إلى شفافية الفرز. وقال إن المرشح الذي يخسر في عملية واضحة يعود إلى تقييم تجربته وأدائه، أما حين تجري العملية بعيدًا عن الرقابة، فإن الشك يتحول إلى أزمة ثقة تنظيمية.

ورفض فارس تقديم طعن رسمي في النتائج، مبررًا ذلك بعدم ثقته بالجهة التي كان سيقدم إليها الطعن. وقال في الحلقة: “من قام بعملية التزوير لا يمكن أن أعود إليه من أجل معالجة الأمر”، مضيفًا أن تقديم الطعن، من وجهة نظره، كان سيضفي “قدرًا من المصداقية” على آلية لا يثق بها أصلًا.

وتحدث فارس كذلك عن امتلاكه “قرائن وأدلة” تتجاوز ما تداولته وسائل الإعلام بشأن الأرقام الأولية، لكنه لم يعرض في المقطع المتاح وثائق تفصيلية قابلة للفحص العام. وكانت تقارير صحفية قد نقلت سابقًا عن فارس قوله إنه حصل على 898 صوتًا، مقابل 891 صوتًا لمحمد اشتية، الذي أُعلن فوزه بعضوية اللجنة المركزية، بما يعني، وفق روايته، أنه كان ضمن الفائزين قبل إعلان القائمة النهائية، فيما جاء في النتائج الصادرة عن المؤتمر (أن فارس حصل على 895 صوتا، فيما حصل محمد اشتية على 912) 

وفي أحد أكثر أجزاء الحلقة حساسية، روى فارس تفاصيل اتصال قال إنه جرى مع حسين الشيخ عند نحو الثالثة والنصف فجرًا، في سياق الجدل حول الأرقام والنتائج، رابطًا بين توقيت الاتصال وما رافق إعلان الأسماء من التباس. ولم يصدر، ضمن المعطيات المتاحة، تعقيب رسمي من الشيخ على رواية فارس في الحلقة.

كما تطرق فارس إلى فوز الأسير مروان البرغوثي بأعلى الأصوات، متسائلًا عن دلالة أن لا يمنحه مئات من أعضاء المؤتمر أصواتهم، رغم رمزيته الواسعة داخل حركة فتح. وأكد في الوقت نفسه أنه لا يشكك بطريقة انتخاب الرئيس محمود عباس في المؤتمر، قائلًا إن انتخابه تم بالتصفيق والوقوف، وإنه لم يشاهد إكراهًا مباشرًا أو تهديدًا بالسلاح، لكنه شدد على أن أي شرعية قيادية مستقبلية يجب أن تأتي عبر الانتخابات.

وأثارت نتائج اللجنة المركزية نقاشًا واسعًا بسبب صعود أسماء جديدة، بينها ياسر عباس، نجل الرئيس محمود عباس، وماجد فرج، وزكريا الزبيدي، وتيسير البرديني، إلى جانب احتفاظ شخصيات نافذة بمواقعها مثل حسين الشيخ، جبريل الرجوب، محمود العالول وتوفيق الطيراوي. كما فاز مروان البرغوثي بأعلى الأصوات، وفق القوائم المعلنة.

وفي تعليقه على ترشح ياسر عباس، قال فارس إنه فوجئ بقرار ترشحه، مؤكدًا أن حديثه لا يستهدف الأشخاص بقدر ما يتناول طبيعة استخدام النفوذ والإمكانات داخل الحركة. وتأتي هذه الإشارة في ظل نقاش سياسي أوسع حول دلالات دخول ياسر عباس إلى اللجنة المركزية، وما إذا كان ذلك مرتبطًا بترتيبات مرحلة ما بعد الرئيس عباس، وهي قراءة تداولها محللون ومراقبون منذ إعلان النتائج.

وفي المقابل، تقول إدارة المؤتمر إن العملية الانتخابية جرت وفق ترتيبات تنظيمية وفنية وإدارية، وإن الانتخابات نُفذت في أربع ساحات هي رام الله وغزة ولبنان والقاهرة، مع اعتماد التصويت الورقي الكامل، وفتح باب الطعون بعد إعلان النتائج. كما قالت إن مراحل الترشح والاقتراع والفرز تمت أمام أعضاء المؤتمر ولجنة الانتخابات، وهو ما يناقض رواية فارس بشأن غياب الرقابة الفعلية عن الفرز.

وتضع شهادة فارس المؤتمر الثامن أمام سؤال سياسي وتنظيمي أكبر من مسألة فوز أو خسارة مرشح بعينه؛ إذ تعيد النقاش إلى معنى الشرعية داخل حركة فتح، وحدود الثقة بين القواعد والقيادة، ومدى قدرة الحركة على تجديد مؤسساتها في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد.

وبين الرواية الرسمية التي تؤكد سلامة الإجراءات، ورواية قيادات فتحاوية تتحدث عن تلاعب وانعدام شفافية، تبدو نتائج المؤتمر الثامن مرشحة لمزيد من الجدل، خصوصًا إذا لم تُفتح مراجعة داخلية واضحة لملف الفرز والطعون وتركيبة المؤتمر وآليات اختيار ناخبيه.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - رام الله