رجّح مصدر فلسطيني مطلع عودة وفد التفاوض الخاص بحركة حماس إلى العاصمة المصرية القاهرة، بعد انقضاء عطلة عيد الأضحى المبارك، لاستكمال النقاشات المتعلقة باتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، في جولة تبدو محكومة بسؤالين رئيسيين: هل تُلزم إسرائيل بتنفيذ ما تبقى من المرحلة الأولى؟ وهل يمكن فتح ملف المرحلة الثانية، بما يشمله من ترتيبات سياسية وأمنية، قبل تثبيت وقف النار ميدانيًا؟
ونقل موقع “العربي الجديد” عن المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن الجولة المقبلة ستبحث النقاط العالقة في المرحلة الأولى من الاتفاق، ولا سيما ما يتعلق بتنفيذ إسرائيل التزاماتها، ودور الوسطاء في إلزامها باستكمال تلك البنود قبل الانتقال إلى أي مفاوضات بشأن المرحلة الثانية.
وبحسب المصدر ذاته، فإن موقف حركة حماس يقوم على التمسك بتنفيذ كامل بنود المرحلة الأولى، باعتبارها مدخلًا إلزاميًا لأي بحث لاحق في المرحلة الثانية. واتهم المصدر إسرائيل بالتنصل من الاتفاق وتصعيد عملياتها العسكرية في القطاع، معتبرًا أن ذلك ينعكس سلبًا على بيئة المفاوضات ويضع الوسطاء أمام اختبار جدي.
وكانت القاهرة قد شهدت في 15 نيسان/أبريل الماضي سلسلة لقاءات جمعت حركة حماس وفصائل فلسطينية بالممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، غير أن تلك الجولة لم تحقق اختراقًا حقيقيًا، وفق ما أورده “العربي الجديد”.
وتأتي التوقعات بعودة وفد حماس إلى القاهرة بالتزامن مع تحرك دولي موازٍ يتعلق بترتيبات “اليوم التالي” في غزة. فقد نقل “العربي الجديد” عن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وعضو مجلس السلام توني بلير قوله في تصريحات لـ“بي بي سي” إنه يتوقع إجراء محادثات مع حماس خلال أيام، بهدف دفع خطة تُنقل بموجبها السيطرة على قطاع غزة إلى حكومة جديدة.
وتستند خطة “مجلس السلام”، وفق ما كانت رويترز قد نقلته عن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام في غزة، إلى إدارة انتقالية من تكنوقراط فلسطينيين وخبراء دوليين، تحت إشراف مجلس دولي يترأسه ترامب ويضم بلير، على أن تشمل الخطة لاحقًا نزع سلاح حماس والفصائل وإعادة إعمار القطاع وترتيبات أمنية جديدة.
غير أن هذا المسار يصطدم بموقف حماس المعلن. فقد قال عضو المكتب السياسي للحركة في الخارج عبد الجبار سعيد، في حديث لـ“العربي الجديد”، إن ما يجري في قطاع غزة يمثل “حالة حرب” واستهدافًا مستمرًا لقيادات الحركة وللشعب الفلسطيني، معتبرًا ذلك خرقًا واضحًا لاتفاق وقف إطلاق النار.
وأضاف سعيد أن إسرائيل “لم تطبق فعليًا” استحقاقات المرحلة الأولى، وأن التركيز على ملف الحكومة المدنية أو انعقاد مجلس السلام لا يقدم حلًا في ظل استمرار الغارات والاغتيالات والقيود على المساعدات والمعابر. ودعا إلى تنفيذ متطلبات وقف إطلاق النار، بما يشمل الانسحاب إلى ما بعد الخط الأصفر، واستكمال مراحل الانسحاب، وإدخال المساعدات الطبية والغذائية، وفتح المعابر في الاتجاهين لخروج المرضى والجرحى وعودة المواطنين.
وتقول حماس إن التصعيد الإسرائيلي الأخير يهدد بانهيار الاتفاق. ففي بيان نشر الخميس 28 أيار/مايو 2026، حذرت الحركة من أن اتفاق وقف إطلاق النار يواجه “خطر الانهيار” نتيجة الغارات الإسرائيلية التي قالت إنها أسفرت عن استشهاد أكثر من 20 فلسطينيًا خلال 48 ساعة، بينهم 10 في قصف شقة سكنية وسط مدينة غزة.
في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي، إنه استهدف في إحدى الغارات شخصيتين مركزيتين في حماس، في وقت كثفت فيه إسرائيل ضرباتها على مناطق متفرقة من قطاع غزة، بما في ذلك منازل سكنية وخيام تؤوي نازحين وتجمعات مدنية.
ويزيد ملف الاغتيالات من تعقيد التفاوض، إذ تقول حماس إن استهداف قادتها يأتي في سياق الضغط عليها للقبول بالرؤية الإسرائيلية للمرحلة الثانية. وخلال الأسابيع الأخيرة، جرى اغتيال قائد كتائب القسام عز الدين الحداد، ثم محمد عودة الذي خلفه، إلى جانب القيادي عماد اسليم في مدينة غزة.
وفي قراءة إسرائيلية نشرها موقع “والا”، كتب البروفيسور عوزي رابي أن اغتيال قيادات بارزة في حماس، بينها محمد عودة وعز الدين الحداد، يمثل إنجازًا عسكريًا واستخباراتيًا، لكنه لم يغير الواقع السياسي والميداني في غزة بصورة جوهرية. واعتبر أن إسرائيل لم تنجح بعد في إنتاج بديل حكم قادر على ملء الفراغ ومنع عودة حماس بصيغ محلية أقل مركزية وأكثر اعتمادًا على شبكات النفوذ والخوف وتوزيع الموارد.
وتكشف هذه القراءة جانبًا من المعضلة التي تحيط بالمفاوضات المقبلة: إسرائيل والجهات الدولية تضغط باتجاه بحث ترتيبات الحكم ونزع السلاح والإدارة المدنية، بينما تصر حماس على أن الأولوية يجب أن تكون لوقف الاستهدافات وتنفيذ التزامات المرحلة الأولى. وبذلك لا تبدو الخلافات محصورة في بند واحد، بل في ترتيب المراحل نفسها: هل يبدأ النقاش من مستقبل حكم غزة، أم من تثبيت وقف النار والانسحاب وفتح المعابر؟
وتؤشر عودة وفد حماس المحتملة إلى القاهرة إلى أن قناة التفاوض لم تُغلق، لكنها تتحرك في ظل تصعيد ميداني وتباعد سياسي واضح. فالقاهرة، في هذه المرحلة، تبدو أقرب إلى منصة لمحاولة ضبط الانهيار ومنع انزلاق الاتفاق إلى مواجهة مفتوحة، أكثر من كونها ساحة لاختراق سريع.
وبين مطالب حماس بإلزام إسرائيل ببنود المرحلة الأولى، ومساعي مجلس السلام للدفع نحو ترتيبات إدارة غزة، تبقى الجولة المرتقبة اختبارًا لقدرة الوسطاء على تحويل وقف إطلاق النار من نص سياسي هش إلى واقع ميداني قابل للاستمرار.
