دخلت «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، مرحلة شديدة التعقيد على مستوى القيادة والسيطرة، بعد سلسلة اغتيالات إسرائيلية متلاحقة طالت شخصيات بارزة في هرمها العسكري، أبرزها عز الدين الحداد، ثم خليفته محمد عودة، إلى جانب قيادات ميدانية أخرى في غزة. واستشهد الحداد في ضربة إسرائيلية بقطاع غزة في منتصف مايو/آيار 2026، ثم أعلنت إسرائيل بعد أيام استهداف محمد عودة، الذي قالت إنه تولى قيادة الجناح العسكري بعد الحداد.
ونقلت صحيفة «الشرق الأوسط» عن مصادر من «حماس» في غزة قولها، إن الحركة تواجه هذه المرة صعوبة أكبر في ملء فراغ رئاسة أركان «القسام»، مقارنة بسرعة انتقال القيادة سابقاً من الحداد إلى عودة. وتربط المصادر ذلك بتصاعد الاستهداف الإسرائيلي، وحساسية المرحلة، والخشية من كشف هوية أي قائد جديد سريعاً. كما طرحت المصادر خيار تشكيل قيادة جماعية لإدارة «القسام»، على غرار المجلس القيادي الذي يدير شؤون «حماس» سياسياً في المرحلة الراهنة.
أمنياً، تعكس هذه التطورات انتقال المعركة من ضرب البنية العسكرية التقليدية إلى استهداف منظومة القرار داخل «القسام». فإسرائيل تبدو، وفق مسار الاغتيالات، كأنها تسعى إلى منع إعادة بناء قيادة مركزية قادرة على إدارة الجناح العسكري بصورة مستقرة. ومنذ وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بقيت غزة ساحة ضربات متقطعة، إذ استشهد المئات من الفلسطينيين في عمليات إسرائيلية بعد الاتفاق، فيما قُتل عدد محدود من الجنود الإسرائيليين خلال الفترة نفسها.
وبحسب إفادات المصادر التي أوردتها «الشرق الأوسط»، فإن من بين الأسماء المطروحة داخل الحركة عماد عقل، بوصفه أحد آخر الوجوه المتبقية من المجلس العسكري الحالي، إلى جانب شخصيات سابقة في المجلس قد يُعاد استدعاؤها لإدارة المرحلة. وتقول المصادر إن عقل يمتلك خبرة طويلة داخل «القسام»، وتولى سابقاً مواقع في ألوية ومهام داخلية، من بينها «لواء الوسطى» و«لواء غزة» وملفات مرتبطة بالتصنيع والجبهة الداخلية، وفق ما نقلته الصحيفة.
كما تبرز أسماء أخرى، بينها مهند رجب، قائد «لواء غزة»، وعز الدين البيك، قائد «لواء الشمال» الذي تضاربت المعلومات حول وضعه الصحي بعد محاولة استهداف إسرائيلية، إضافة إلى محمد البريم في خان يونس، وشخصية وصفتها مصادر «حماس» بأنها «تاريخية» وغامضة، من دون الكشف عن اسمها. وتتعامل الحركة، بحسب المصادر، مع هذه الترشيحات بحذر شديد خشية أن يتحول إعلان أي اسم إلى هدف مباشر.
عسكرياً، يفتح خيار «القيادة الجماعية» الباب أمام نموذج إدارة أقل مركزية وأكثر تحفظاً أمنياً. فبدلاً من وضع القرار في يد قائد واحد قابل للاستهداف، قد تلجأ «حماس» إلى مجلس مصغر من عدة قادة متبقين لتوزيع المسؤوليات وتقليل كلفة الاغتيال السياسي والعسكري. غير أن هذا الخيار لا يخلو من تحديات؛ إذ قد يبطئ عملية اتخاذ القرار، ويزيد صعوبة التنسيق بين الألوية، خصوصاً في ظل المراقبة الإسرائيلية المستمرة والاختراقات الأمنية المحتملة.
وتشير الاغتيالات الأخيرة أيضاً إلى أن إسرائيل نجحت، على الأرجح، في تصفية معظم الشخصيات التي تتهمها بالتخطيط أو الإشراف على هجوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023. فقد استشهد محمد السنوار في مايو/أيار 2025، ثم الحداد في مايو/أيار 2026، ثم عودة بعده بأيام، وفق تسلسل أكدته تقارير إسرائيلية، بينما لم تعلن «حماس» حتى الآن بصورة واضحة عن بنية قيادة بديلة مستقرة.
وتضع هذه الضربات «حماس» أمام معضلة مزدوجة: فمن جهة تحتاج الحركة إلى إعادة ترميم هرمها العسكري للحفاظ على تماسك «القسام»، ومن جهة أخرى تدرك أن أي إعلان أو تسريب عن القائد الجديد قد يمنح إسرائيل هدفاً إضافياً. لذلك، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من الغموض القيادي، وربما لاعتماد إدارة عسكرية أكثر سرية وجماعية إلى حين استقرار المشهد الأمني في غزة.
خلاصة أمنية: لم تعد المسألة مجرد اغتيال قائد واستبداله بآخر، بل تحولت إلى معركة استنزاف ضد بنية القيادة نفسها. وإذا مضت «حماس» نحو مجلس عسكري جماعي، فسيكون ذلك مؤشراً على محاولة التكيّف مع ضغط استخباري وعسكري غير مسبوق، لا على انتقال إداري عادي داخل «القسام».
