اتهم رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام، السبت 30 مايو/أيار 2026، إسرائيل بتنفيذ سياسة "تدمير شامل وتهجير جماعي" في لبنان، معتبرا أن المفاوضات معها ليست مضمونة النتائج لكنها تمثل الخيار الأقل كلفة على البلاد، وذلك في وقت أعلنت فيه وزارة الصحة اللبنانية مقتل 11 شخصا جراء غارات إسرائيلية على بلدات في منطقة صور، فيما أفادت مصادر عسكرية وأمنية بسيطرة القوات الإسرائيلية على مرتفعات يحمر الشقيف الاستراتيجية شمالي نهر الليطاني.
وقال سلام، في كلمة ألقاها من مقر رئاسة الوزراء، إن لبنان يمر بـ"وضع دقيق"، لا سيما في ظل "التصعيد الإسرائيلي الخطير وغير المسبوق خلال الأيام الأخيرة"، مؤكدا ضرورة تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية للتوصل إلى وقف سريع وفعلي وثابت لإطلاق النار.
وأضاف أن ما شهدته الأيام الأخيرة "ليس مجرد توسيع لنطاق الاعتداءات الإسرائيلية، ولا مجرد عبور إلى شمال نهر الليطاني وصولا إلى مشارف النبطية أو قصف ممنهج على مدينة صور وقرى قضائها"، معتبرا أن إسرائيل "لم تعد تستهدف فقط مواقع أو مناطق محددة، بل أخذت تنفذ سياسة تدمير شامل للمدن والبلدات ولكل مقومات الحياة فيها، وتمارس التهجير الجماعي الذي يرقى إلى العقاب الجماعي بحق أهلنا الآمنين".
وتابع أن هذه السياسات "مدانة في كل الأعراف والشرائع الدولية"، مشيرا إلى أن البيوت تُسوّى بالأرض والأحياء تُمحى والمدارس والمستشفيات ومرافق الإنتاج تُقصف، فيما يطال الاستهداف أيضا المعالم الأثرية والتراثية التي تختزن ذاكرة لبنان وهويته الحضارية، وبعضها مصنف ضمن التراث العالمي للإنسانية.
وقال إن ما تقوم به إسرائيل "ليس فقط انتهاكا لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، بل محاولة لاقتلاع ذاكرة المكان ومحو تاريخ الناس"، مضيفا أن عائلات تُهجّر مرة بعد مرة، وأطفالا لا ينامون بسبب القصف المستمر، وأمهات يبحثن عن بيوتهن بين الركام.
وتوجه سلام إلى أبناء الجنوب بالقول إن الدولة اللبنانية لن تألو جهدا لتحقيق وقف إطلاق النار، وإنجاز الانسحاب الإسرائيلي الكامل، والإفراج عن الأسرى، وعودة الأهالي إلى منازلهم بكرامة وأمان، وإعادة الإعمار.
وأكد أن الحرب "لم نخترها بل فرضت علينا"، وأن الحكومة قررت "بكل وعي ومسؤولية" الذهاب إلى خيار المفاوضات لحماية لبنان واللبنانيين، معتبرا أن المفاوضات "ليست مضمونة النتائج، لكنها الطريق الأقل كلفة على وطننا وشعبنا مقارنة بالخيارات الأخرى اليوم".
وشدد على أن المفاوضات "ليست استسلاما"، موضحا أن أول بند على جدول أعمال الوفد المفاوض هو تحقيق وقف إطلاق النار، وأن الهدف الذي لا يمكن المساومة عليه يتمثل في الانسحاب الكامل والإفراج عن الأسرى بما يسمح بإعادة الإعمار وعودة السكان إلى أراضيهم.
وحذر قائلا "على إسرائيل أن تعلم أنها بسياسة الأرض المحروقة والعقاب الجماعي وتجريف القرى والبلدات لن تكسب لا أمنا ولا استقرارا، بل إنها تعمق الهوة مع اللبنانيين، جميع اللبنانيين، وتترك جروحا جديدة وعميقة في ذاكرتهم الجماعية".
وأضاف أن الدولة تخوض المفاوضات باسم جميع اللبنانيين، داعيا إلى توحيد الجهود تحت سقف الدولة اللبنانية ليبقى قرار الحرب والسلم قرارا وطنيا لبنانيا.
وفي وقت سابق من اليوم، أجرى سلام والرئيس اللبناني جوزاف عون تقييما للتطورات الأمنية في الجنوب وللاجتماع الذي عقد أمس الجمعة في مقر وزارة الدفاع الأمريكية بين وفود عسكرية لبنانية وأمريكية وإسرائيلية.
وذكر بيان للرئاسة اللبنانية أن الاجتماع تناول استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وأكد ضرورة تكثيف الاتصالات لوضع حد للممارسات الإسرائيلية، كما تضمن تقييما للمداولات التي جرت في واشنطن والتي شدد خلالها الجانب اللبناني على أولوية وقف إطلاق النار، إضافة إلى التحضيرات للجولة المقبلة من المفاوضات المقررة يومي 2 و3 يونيو المقبل.
وعلى صعيد متصل، أفادت وزارة الصحة العامة اللبنانية، في بيان اليوم، بمقتل 11 شخصا وإصابة آخرين جراء غارات إسرائيلية استهدفت أمس بلدات في منطقة صور جنوب البلاد.
وقالت الوزارة إن غارة على بلدة معروب أسفرت عن مقتل أربعة أشخاص، بينهم مسعف في الهيئة الصحية الإسلامية، وإصابة خمسة آخرين بينهم مسعف آخر، فيما أدت غارة على بلدة العباسية إلى مقتل ثلاثة أشخاص، أحدهم سوري الجنسية، وإصابة شخص آخر، بينما أسفرت غارة على بلدة طيردبا عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة اثنين بجروح.
واعتبرت الوزارة أن هذه الهجمات تمثل "خرقا فاضحا للقانون الدولي الإنساني الذي يضمن حماية الأطقم الصحية".
في السياق ذاته، أكدت مصادر عسكرية وأمنية وشهود عيان لوكالة أنباء (شينخوا) أن القوات الإسرائيلية، التي كانت قد سيطرت على بلدة زوطر الشرقية قبل ثلاثة أيام، تقدمت فجر اليوم تحت غطاء من القصف المدفعي والغارات الجوية لتسيطر على بلدة يحمر الشقيف وصولا إلى محيط قلعة الشقيف.
وأوضحت المصادر أن السيطرة على يحمر الشقيف تتيح الإشراف المباشر على مدينة النبطية والقرى المحيطة بها، فيما يوفر التمركز في قلعة الشقيف قدرة على مراقبة مساحات واسعة تمتد نحو مرجعيون والخيام وجبل الريحان وإقليم التفاح ومجرى نهر الليطاني.
من جهتها، ذكرت (الوكالة الوطنية للإعلام) اللبنانية الرسمية أن الطيران الإسرائيلي شن، بعد منتصف الليل وحتى ساعات الفجر، غارات على مناطق الريحان وسجد والقطراني في قضاء جزين، إضافة إلى بلدات في منطقتي النبطية وبنت جبيل، فيما استهدف القصف المدفعي محيط محطة الكهرباء في جديدة مرجعيون وأطراف عدد من البلدات الجنوبية.
في المقابل، أعلن حزب الله في بيانات منفصلة استهداف تجمعات وآليات للجيش الإسرائيلي في زوطر الشرقية ويحمر الشقيف ودبين باستخدام صليات صاروخية وطائرات مسيرة انقضاضية وصواريخ موجهة، مؤكدا تحقيق إصابات مباشرة في عدد من دبابات ميركافا والآليات العسكرية.
وأضاف أن هجماته طالت أيضا تجمعات للجيش الإسرائيلي في هضبة العجل ومجرى نهر زوطر ومعسكر غابات الجليل وقرب مستوطنة نطوعة وثكنة يفتاح ومربض مدفعية في خربة ماعر.
وكان الجانبان اللبناني والإسرائيلي قد عقدا في واشنطن برعاية أمريكية ثلاث جولات من المفاوضات في 14 و23 أبريل الماضي، ويومي 14 و15 مايو الجاري.
ويشهد لبنان منذ الثاني من مارس الماضي تصعيدا عسكريا بين حزب الله وإسرائيل، رغم سريان اتفاق لوقف إطلاق النار منذ 17 أبريل الماضي، والذي أعلن تمديده في 15 مايو الجاري لمدة 45 يوما.
ومنذ سريان وقف إطلاق النار، يتبادل حزب الله وإسرائيل الاتهامات بخرقه، فيما بلغت الحصيلة التراكمية للهجمات الإسرائيلية على لبنان منذ 2 مارس الماضي وحتى 30 مايو الجاري، بحسب وزارة الصحة اللبنانية، ثلاثة آلاف و371 قتيلا و10 آلاف و129 جريحا.
