دخلت المواجهة الأمريكية الإيرانية مرحلة أكثر حساسية، مع تداخل المسار الدبلوماسي المتعثر مع تصعيد عسكري جديد في الخليج، بعد الكشف عن إصابة عدد من الأمريكيين في الهجوم الصاروخي الإيراني على قاعدة علي السالم الجوية في الكويت، بالتزامن مع تقارير عن تشديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شروط الإطار المحتمل لاتفاق مع طهران.
ونقلت نيويورك تايمز عن مسؤولين أن ترامب شدد شروط الإطار المطروح، وأرسل تعديلات مقترحة إلى إيران، بعدما أبدى قلقه من بنود تتصل بالإفراج عن أموال أو ترتيبات مالية لصالح طهران. كما نقلت الصحيفة عن مسؤول أمريكي أن ترامب شعر بالإحباط من طول المدة التي استغرقتها إيران للرد على المقترحات الأمريكية، في مؤشر على أن البيت الأبيض لم يعد يتعامل مع المسار التفاوضي بوصفه مفتوحا بلا سقف زمني.
وحسب نيويورك تايمز، الإطار المقترح ينص على إنهاء الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية مقابل رفع إيران الحصار عن مضيق هرمز، فيما أبدى ترامب تحفظات على بنود تتعلق بالإفراج عن أموال إيرانية مجمدة.
ونقلت نيويورك تايمز عن مسؤولين، أنه جرى إعداد تعديلات ترامب الجديدة بمشاركة وسطاء من بينهم باكستان، حيث تهدف التعديلات الجديدة إلى دفع إيران لقبول إطار الاتفاق الذي أحيل بالفعل إلى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي للموافقة عليه.
ووفقًا للصحيفة، التعديلات الجديدة قد تتسبب في تأخير إضافي لصعوبة التواصل المباشر مع المرشد الإيراني، فيما ستؤجّل بعض القضايا الأكثر تعقيدا مثل مستقبل البرنامج النووي الإيراني إلى جولات لاحقة من المحادثات.
وتشير التقارير المتداولة عن مسودة التفاهم إلى أن المفاوضات لا تقتصر على وقف إطلاق نار مؤقت، بل تشمل ترتيبات أوسع تتعلق بتمديد الهدنة، وملف مضيق هرمز، والبرنامج النووي الإيراني، وربما آلية مالية أو “صندوق استثمار” لإعادة الإعمار أو دعم الاقتصاد الإيراني بعد الحرب. وكانت وكالة شينخوا قد نقلت عن تقرير لنيويورك تايمز أن مسودة مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران تتضمن فكرة “صندوق استثمار” قد يوجّه مليارات الدولارات إلى إيران إذا جرى التوصل إلى اتفاق نهائي، فيما تحدثت مصادر عن رقم يصل إلى 300 مليار دولار، دون تأكيد نهائي لقيمة الصندوق.
ميدانيا، أكدت القيادة المركزية الأمريكية أن إيران أطلقت في الساعة 10:17 مساء بتوقيت الساحل الشرقي الأمريكي يوم 27 مايو/أيار صاروخا بالستيا باتجاه الكويت، وأن القوات الكويتية اعترضته بنجاح. وقالت سنتكوم إن ذلك جاء بعد ساعات من إطلاق إيران خمس طائرات مسيّرة هجومية باتجاه منطقة مضيق هرمز، مؤكدة أن القوات الأمريكية اعترضت المسيّرات ومنعت إطلاق مسيّرة سادسة من موقع تحكم أرضي في بندر عباس.
لكن التطور الأبرز تمثل في الكشف اللاحق عن إصابات أمريكية. وذكرت تقارير نقلت عن بلومبيرغ أن حطام الصاروخ الإيراني، بعد اعتراضه، سقط داخل قاعدة علي السالم الجوية، ما أدى إلى إصابة نحو خمسة أمريكيين، بينهم عسكريون ومتعاقدون مدنيون، بجروح وصفت بالطفيفة. كما تحدثت التقارير عن تدمير طائرة MQ-9 Reaper وإلحاق أضرار جسيمة بأخرى. وأوردت صحيفة ستارز آند سترايبس أن سنتكوم لم ترد على طلبات التعليق بشأن تفاصيل الإصابات حتى نشر تقريرها.
ويُعد الهجوم على قاعدة علي السالم مؤشرا خطيرا على هشاشة الهدنة القائمة، إذ إن القاعدة تمثل مركزا مهما للعمليات الجوية الأمريكية في الخليج، وتقع على بعد نحو 40 ميلا شمال غربي مدينة الكويت. كما أن وقوع إصابات، حتى وإن كانت طفيفة، يضع الإدارة الأمريكية أمام ضغط داخلي وعسكري للرد أو على الأقل لتشديد شروط أي اتفاق مع إيران.
وفي هذا السياق، قال وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث إن الولايات المتحدة مستعدة لاستئناف الضربات ضد إيران إذا فشلت المفاوضات، مؤكدا من سنغافورة أن القدرات الأمريكية كافية لإعادة بدء العمليات العسكرية عند الحاجة. وأضاف أن ترامب لا يزال يريد “اتفاقا جيدا” يضمن عدم امتلاك إيران سلاحا نوويا.
وتزامن ذلك مع رسائل عملياتية من سنتكوم تؤكد استمرار الجاهزية العسكرية. فقد نشرت القيادة المركزية صورا ومقاطع تظهر أعمال صيانة للطائرات على متن حاملات وسفن حربية أمريكية، وقالت إن الحفاظ على العمليات الجوية في البحر يتطلب عملا متواصلا على مدار الساعة لدعم “أي مهمة”. كما كانت سنتكوم قد أعلنت في 23 مايو/أيار أن أكثر من 15 ألف عسكري أمريكي وأكثر من 200 طائرة وسفينة حربية يشاركون في مهمة فرض الحصار البحري على إيران، مع إعادة توجيه 100 سفينة تجارية حتى ذلك التاريخ.
وفي أحدث بيان عملياتي، أعلنت سنتكوم أن القوات الأمريكية عطلت في 29 مايو/أيار سفينة ترفع علم غامبيا في خليج عُمان بعد اتهامها بمحاولة خرق الحصار البحري والتوجه إلى ميناء إيراني، مشيرة إلى أن القوات الأمريكية أطلقت أكثر من 20 تحذيرا قبل استهداف غرفة محركات السفينة بصاروخ Hellfire. وقالت إن القوات الأمريكية عطلت خمس سفن تجارية وأعادت توجيه 116 سفينة ضمن إجراءات الحصار.
وتكشف هذه التطورات أن المسار السياسي بات مرتبطا مباشرة بالوقائع العسكرية في الخليج. فترامب، وفق التسريبات، لا يريد اتفاقا يتضمن مكاسب مالية واضحة لإيران دون ضمانات صارمة، فيما تسعى طهران إلى ربط أي تهدئة برفع القيود الاقتصادية واستعادة جزء من أموالها وفتح المجال الملاحي في مضيق هرمز.
وبينما تتحدث واشنطن عن “دفاع محسوب” وضرورة منع إيران من امتلاك السلاح النووي، تعتبر طهران أن الهجمات على قواعد أمريكية أو أهداف مرتبطة بالعمليات الأمريكية تأتي ردا على الضربات والحصار. أما الكويت، التي وجدت نفسها مجددا في قلب المواجهة، فقد أدانت الهجوم وطالبت إيران بوقف ما وصفته بالتصعيد الخطير، وفق ما أوردته ABC الأسترالية في تقريرها عن استهداف القاعدة الأمريكية في الكويت.
وبذلك، تبدو المفاوضات الأمريكية الإيرانية أمام مفترق حاسم: إما اتفاق مؤقت يمدد الهدنة ويفتح الباب لترتيبات أوسع، أو عودة تدريجية إلى المواجهة العسكرية، خصوصا إذا استمرت الهجمات المتبادلة في الخليج ومضيق هرمز. وفي الحالتين، فإن إصابة أمريكيين في الكويت تمنح الملف بعدا أمنيا مباشرا قد يدفع واشنطن إلى تشديد شروطها أكثر، ويجعل أي تسوية مقبلة مشروطة بضمانات عسكرية ومالية وسياسية أكثر صرامة.
