دخل ملف مكافحة الفساد في العراق منعطفًا جديدًا، بعد حديث رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي عن تلقيه عرض رشوة بقيمة 200 مليون دولار عبر وسيط، مقابل إغلاق ملف فساد داخل وزارة النفط، في واقعة أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية، بالنظر إلى رمزية المنصب وحجم المبلغ وطبيعة القطاع المعني. وجاءت تصريحات الزيدي خلال لقاء مع صحافيين وإعلاميين، وفق ما نقلته صحيفة الشرق الأوسط، التي أشارت إلى أن الواقعة ترتبط بملف فساد داخل وزارة النفط.
وبحسب ما تداوله صحافيون حضروا اللقاء، فإن رئيس الوزراء كان يشير إلى مسؤول بارز سابق في وزارة النفط، هو عدنان حمد حمود، وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية والمدير العام السابق لشركة مصافي الشمال ومصفاة بيجي، الذي أُعلن عن اعتقاله على خلفية اتهامات تتعلق بملفات فساد إداري ومالي. وأفادت السومرية نيوز، نقلًا عن وثائق، بأن عملية الاعتقال نُفذت بعد برقية صادرة عن قيادة شرطة صلاح الدين تؤيد تنفيذ الإجراء وإحالة الأوليات إلى وكالة وزارة الداخلية لشؤون الاستخبارات والتحقيقات الاتحادية.
وتزامنت القضية مع خطوات حكومية جديدة أعلنها الزيدي في إطار ما وصفته رئاسة الوزراء بمسار حماية المال العام، إذ وجّه بتشكيل “المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام”، برئاسته وعضوية رئيس ديوان الرقابة المالية الاتحادي ورئيس هيئة النزاهة الاتحادية، على أن يتولى المجلس متابعة الملفات الجوهرية ذات الأثر المهم في الوزارات والمحافظات والجهات غير المرتبطة بوزارة، وإرسال نتائج أعماله إلى القضاء.
وجاء القرار خلال اجتماع خاص بشأن إجراءات تدقيق العقود الحكومية، حضره رئيس ديوان الرقابة المالية، ورئيس هيئة النزاهة، ورئيس الادعاء العام، وقاضي محكمة تحقيق الكرخ المختصة بقضايا النزاهة. كما جرى بحث تشكيل لجنة مركزية تضم ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة ووزارة المالية، تتولى وضع آلية لتدقيق العقود الحكومية قبل إبرامها، والتأكد من مطابقتها للتخصيصات المالية المعتمدة.
وتشير هذه الإجراءات إلى محاولة من الحكومة الجديدة لفتح ملفات العقود الكبرى التي أُبرمت خلال الفترة السابقة، ولا سيما في القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها النفط والطاقة والبنى التحتية. وتأتي الخطوة بعد أسابيع قليلة من تولي الزيدي رئاسة الحكومة، إذ صادق البرلمان العراقي في 14 مايو/أيار 2026 على حكومة جزئية برئاسته، مع بقاء عدد من الحقائب من دون حسم في حينه، بينها مناصب أمنية مهمة، وفق وكالة رويترز.
غير أن الإعلان عن المجلس الجديد لم يمر من دون اعتراضات. فقد شكك سياسيون وقانونيون في دستورية رئاسة رئيس الوزراء لمجلس يضم جهات رقابية مستقلة، باعتبار أن هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية يرتبطان بمجلس النواب، وتتمثل وظيفتهما الأساسية في مراقبة السلطة التنفيذية، بما فيها الوزارات ورئيس الحكومة. واعتبر منتقدون أن وضع هذه المؤسسات تحت مظلة مجلس يرأسه رئيس الوزراء قد يثير إشكاليات قانونية وسياسية حول استقلالية الرقابة.
وأعاد الجدل إلى الواجهة تاريخ المجالس واللجان التي شكلتها حكومات عراقية سابقة لمكافحة الفساد، من “المجلس الاستشاري لمكافحة الفساد” في عهد نوري المالكي، إلى مجالس وهيئات لاحقة في عهود حيدر العبادي وعادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني، من دون أن تنجح في إحداث تحول جذري في ملف الفساد البنيوي.
وتحوّلت واقعة الرشوة المزعومة إلى مادة واسعة للتعليق على منصات التواصل الاجتماعي، إذ رأى ناشطون وكتّاب أن خطورة الحادثة لا تكمن فقط في عرض المال على رئيس الحكومة، بل في شعور المتورطين المحتملين بأن مثل هذا السلوك يمكن أن ينجح داخل منظومة سياسية وإدارية اعتادت التسويات والحماية الحزبية.
وفي مقابل الخطاب الحكومي المتشدد، يرى مراقبون أن اختبار جدية الحكومة لن يكون في تشكيل مجلس جديد أو إصدار بيانات، بل في مآلات التحقيقات، وحجم الشخصيات التي ستطالها المساءلة، ومدى قدرة القضاء والأجهزة الرقابية على ملاحقة شبكات الفساد من دون انتقائية أو توظيف سياسي.
وتضع هذه القضية حكومة الزيدي أمام امتحان مبكر وصعب: إما تحويل الإعلان عن مكافحة الفساد إلى مسار قضائي ورقابي فعلي يطال العقود والشبكات النافذة، أو إضافة مجلس جديد إلى سلسلة طويلة من الهياكل التي تشكلت باسم النزاهة، بينما بقيت منظومة الفساد في العراق أكثر قدرة على التكيّف والاستمرار.
