صدر عن المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات «ملف»، دراسة جديدة لعضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين فتحي كليب، بعنوان: «انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني: تحديات الشرعية والتمثيل»، والتي تتناول بالتحليل مسألة الإنتخابات والتعقيدات المطروحة امامها.
تناقش الدراسة قضية الإنتخابات باعتبارها إحدى القضايا المحورية في مسار إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتجديد شرعياته. وترى أن الانتخابات تمثل ضرورة وطنية وديمقراطية، لكنها لا ينبغي أن تختزل في بعدها الإجرائي أو التقني، لأن الحالة الفلسطينية ما زالت تعيش ظروف تحرر وطني وصراع مفتوح مع الاحتلال الإسرائيلي، ما يجعل أي عملية انتخابية جزءا من معركة سياسية ووطنية أوسع.
تنطلق الدراسة من قراءة للقرارات والمراسيم الرئاسية الصادرة خلال عامي 2025 و2026 بشأن الدعوة إلى انتخابات المجلس الوطني وتشكيل لجنة تحضيرية للإشراف عليها. وتشير إلى أن توقيت هذه القرارات أثار نقاشات واسعة في ظل استمرار الحرب على غزة وتصاعد التهديدات التي تواجه الشعب الفلسطيني، وأن الأولوية الوطنية يجب أن تكون لتعزيز الوحدة الوطنية ووقف العدوان، بالتوازي مع التحضير للانتخابات وليس بمعزل عنه.
وتؤكد الدراسة أن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني لا يمكن أن تتم عبر إجراءات انتخابية منفصلة عن حوار وطني شامل يشارك فيه الجميع. وتبدي تخوفا من أن تكون بعض الدعوات للإصلاح وتجديد الشرعيات مرتبطة بضغوط دولية تسعى إلى إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني بما ينسجم مع متطلبات إقليمية ودولية، بعيدا عن أهداف التحرر الوطني.
وتتناول الدراسة إشكالية بنية المجلس الوطني وعدد أعضائه وآليات تمثيل الفلسطينيين في الداخل والخارج. وتستعرض التفاهمات السابقة التي جرت في حوارات القاهرة، والتي أوصت بتقليص عدد أعضاء المجلس إلى 350 عضوا مع تخصيص 150 مقعداً لفلسطينيي الداخل و200 لفلسطينيي الشتات. غير أن اللجنة التحضيرية، وفق الدراسة، اتجهت إلى صيغة مختلفة رفعت تمثيل الداخل إلى 200 عضو وخفضت تمثيل الخارج إلى 150 عضوا، الأمر الذي أثار تساؤلات حول عدالة التمثيل، خاصة مع استثناء الفلسطينيين في الأردن من الانتخاب المباشر.
كما تناقش الدراسة العلاقة القانونية والسياسية بين المجلس الوطني والمجلس التشريعي الفلسطيني. وتؤكد أن منظمة التحرير الفلسطينية تبقى المرجعية الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، وأن عضوية أعضاء المجلس التشريعي في المجلس الوطني تمثل صيغة مهمة للحفاظ على وحدة النظام السياسي الفلسطيني وربط الداخل بالشتات. محذرة من الدعوات التي تسعى إلى الفصل الكامل بين المؤسستين، لأنها قد تؤدي إلى إضعاف منظمة التحرير وتعزز هيمنة مؤسسات السلطة الفلسطينية على حسابها.
وتخصص الدراسة جزءا مهما لمناقشة الشروط السياسية المفروضة على المرشحين لعضوية المجلس الوطني. وترى أن اشتراط الالتزام ببرامج سياسية محددة أو التزامات دولية معينة قد يتحول إلى أداة إقصاء لقوى فلسطينية فاعلة، بما يتعارض مع الطبيعة التعددية للمجلس الوطني باعتباره إطارا ائتلافيا جامعا لمختلف التيارات السياسية والاجتماعية الفلسطينية.
كما تتناول إشكالية تمثيل الفلسطينيين في الخارج في حال تعذر إجراء انتخابات مباشرة لهم. وتنتقد الاعتماد على صيغ توافقية مغلقة أو مجامع انتخابية قد تستثني قوى سياسية غير منضوية في إطار منظمة التحرير، مؤكدة ضرورة توسيع قاعدة الشراكة الوطنية وضمان تمثيل حقيقي للاجئين الفلسطينيين، ولا سيما في لبنان وسوريا والأردن، نظرا لدورهم التاريخي في الحركة الوطنية الفلسطينية.
وفي ما يتعلق بعدالة التمثيل، تشيد الدراسة باعتماد نظام التمثيل النسبي الكامل ونسبة حسم منخفضة وكوتا نسائية بنسبة 30%، باعتبارها خطوات تعزز المشاركة السياسية. لكنها تنتقد استمرار القيود المفروضة على مشاركة الشباب، وخاصة رفع سن الترشح، وترى أن تجديد الحياة السياسية الفلسطينية يتطلب إشراك الأجيال الشابة بصورة أوسع.
وتخلص الدراسة إلى أن أزمة النظام السياسي الفلسطيني ترتبط بتداخل أدوار منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية وغياب إطار دستوري واضح ينظم العلاقة بينهما. لذلك فإن إعادة بناء المجلس الوطني يجب أن تكون جزءا من مشروع وطني شامل يهدف إلى تعزيز وحدة النظام السياسي، وترسيخ الشراكة الوطنية، وضمان تمثيل عادل للفلسطينيين في الداخل والشتات، بما يحفظ مكانة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والجامع للشعب الفلسطيني.

إنتخابات المجلس الوطني الفلسطيني .. تحديات الشرعية والتمثيل،
فتحي كليب
عضو المكتب السياسي
للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
تقديم
■ لم يسبق للشعب الفلسطيني أن شهد إنتخابات عامة للمجلس الوطني الفلسطيني، الذي يُعدّ الإطار التشريعي الأهم له، والكيان التمثيلي الجامع للفلسطينيين في الداخل والشتات ضمن مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية. ونظراً لتعقيدات الحالة الفلسطينية، وانتشار الشعب الفلسطيني في مختلف قارات العالم، في ما يزيد على سبعين دولة تقريباً، فإن الحديث اليوم عن إنتخابات هذا المجلس يبدو، في ظاهره العام، مطلباً ديمقراطياً وحاجة وطنية ملحّة لكافة أبناء الشعب الفلسطيني. غير أن كثيراً من الأطراف التي ترفع هذا الشعار تتعامل معه بوصفه مسألة تقنية مرتبطة بصناديق الإقتراع وإجراءاتها، لا باعتباره جزءًا من صراع مفتوح بين المشروعين الوطني الفلسطيني والصهيوني.
صحيح أن الإنتخابات، في جوهرها، هي ممارسة ديمقراطية تهدف إلى تجديد الشرعيات وإشراك الشعب في صناعة القرار، إلا أنها، في الحالة الفلسطينية، تتجاوز بعدها الإجرائي لتصبح فعلاً سياسياً ونضالياً يجري ضمن معركة وطنية كبرى، وفي ظل واقع تتحكم فيه سلطات الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب عدد من القوى الدولية، التي عملت على رسم معالم العملية السياسية وحدودها. لذلك، فإن الدعوة إلى إجراء إنتخابات المجلس الوطني لا تُطرح دائماً في سياق بناء مؤسسات وطنية قادرة على تعزيز صمود المجتمع الفلسطيني وحماية وحدته السياسية، إنما تكون أحياناً إستجابة لضغوط خارجية تسعى إلى إعادة تشكيل البنية السياسية الفلسطينية وفق تصورات تختلف عن الأسس التاريخية التي قامت عليها الحركة الوطنية الفلسطينية، وبذلك تصبح الإنتخابات، في بعض الأحيان، ساحة للصراع على الشرعية أكثر من كونها وسيلة لتجديدها وتعزيز بناها.
وعلى الرغم من الأهمية الوطنية الكبيرة للإنتخابات، وضرورة التوافق الفلسطيني الشامل حول إجرائها، فإنه من غير الواقعي التعويل عليها باعتبارها المدخل الوحيد لمعالجة الأزمة التي تعيشها حركة التحرر الوطني الفلسطينية بمختلف مكوناتها. وقد بيّنت التجربة الفلسطينية حقيقة مرة مفادها؛ أنه بدلاً من أن تكون العملية الديمقراطية، أداة لتعزيز الوحدة الوطنية، تحولت إلى مدخل لإنتاج شرعيات متنازع عليها، ساهمت لاحقاً في تكريس الإنقسام الداخلي، الذي ما تزال آثاره قائمة حتى اليوم سياسياً ومؤسسياً.
وبالرغم من كل الملاحظات التي تُطرح على بعض التفاصيل المتعلقة بالعملية الإنتخابية بكافة جوانبها، فإن ذلك لا يعني، بأي حال من الأحوال، رفض فكرة إجراء إنتخابات حرة تساهم في إعادة صياغة النظام السياسي الفلسطيني، بل إن جوهر الملاحظات يكمن في رفض التعاطي مع الإنتخابات باعتبارها وصفة قادرة وحدها على نقل الشعب الفلسطيني من حالة الشرذمة إلى الوحدة الوطنية.
إن القيمة الحقيقية لأي عملية إنتخابية فلسطينية تكمن في ضرورة إرتباطها بمشروع وطني شامل يعيد بناء المؤسسات الفلسطينية، وفقا لقوانين حركات التحرر الوطني القائمة على الشراكة السياسية والتعددية والتوافق الوطني، وضمان مشاركة مختلف تجمعات الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، بما يعزز وحدة التمثيل السياسي ويصون الهوية الهوية الوطنية الجامعة، كما أن نجاح هذه العملية، برمتها، يتطلب الإستفادة من تجارب حركات التحرر، التي ربطت بين الممارسة الديمقراطية ومتطلبات التحرر الوطني، وجعلت من المؤسسات المنتخبة أدوات لتعزيز المقاومة والصمود، لا مجرد هياكل إدارية أو أطر شكلية لإعادة إنتاج الأزمات.
وبناءً على ذلك، فإن النقاش حول إنتخابات المجلس الوطني الفلسطيني ينبغي ألّا يقتصر على الجوانب الإجرائية والتنظيمية فحسب، بل يجب أن يمتد ليشمل طبيعة المشروع الوطني الفلسطيني نفسه، وأولوياته، وآليات إعادة بناء مؤسساته بصورة تضمن تمثيلاً حقيقياً وعادلاً لمختلف مكونات الشعب الفلسطيني، وتؤسس لمرحلة جديدة تضع في سلم أولوياتها كيفية التصدي للتحديات التي توجه الشعب الفلسطيني وقضيته على المستويين الداخلي والخارجي ■
(1)
في الخلفية العامة
■ في منتصف شهر تموز/ يوليو 2025، أصدر الرئيس محمود عباس، بصفته رئيسا للجنة التنفيذية لـ منظمة التحرير الفلسطينية، قراراً دعا فيه إلى إجراء إنتخابات المجلس الوطني الفلسطيني قبل نهاية العام 2025. وبعد نحو أسبوعين، صدر قرار آخر أعلن فيه تشكيل لجنة تحضيرية تتولى إتخاذ الإجراءات اللازمة للإعداد لهذه الإنتخابات. وقد أثار هذا القرار ردود فعل واسعة داخل الأوساط السياسية الفلسطينية، سواء نتيجة توقيته، في ظل الحرب المتواصلة على قطاع غزة، أو بسبب ما تضمّنه من اشتراطات سياسية لا تزال محل نقاش بين مختلف القوى الفلسطينية.
ونظراً لتعقيدات الوضعين السياسي والميداني داخل فلسطين وخارجها، وللتقديرات التي أشارت إلى صعوبة إجراء الإنتخابات ضمن الإطار الزمني المذكور، أصدر الرئيس محمود عباس، مرسوماً رئاسياً جديداً بتاريخ 2 شباط/ فبراير 2026، دعا فيه أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات إلى المشاركة في انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني بتاريخ 1/11/2026. وعلى إثر ذلك، قامت اللجنة التحضيرية المكلفة بهذا الملف، برئاسة رئيس المجلس الوطني، بعقد أكثر من ستة عشر اجتماعاً، جرى خلالها بحث العديد من القضايا المتعلقة بالعملية الانتخابية، وتم التوافق على بعض المسائل، فيما بقيت ملفات أخرى موضع تباين وخلاف بين أعضاء اللجنة.
وعلى غرار النقاشات التي شهدتها اجتماعات لجنة صياغة «الدستور المؤقت لدولة فلسطين»، أكدت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، منذ الاجتماع الأول، في موقف استهلالي، ضرورة الانطلاق من حقيقة أن الشعب الفلسطيني ما زال يعيش مرحلة تحرر وطني ومواجهة مفتوحة مع الاحتلال الإسرائيلي ومشاريعه الاستعمارية، معتبرة أن الأولوية الوطنية الراهنة يجب أن تتركز على وقف حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والتصدي لمخططات الضم والاستيطان والتطهير العرقي المتصاعدة في الضفة الغربية، وما يرافقها من سياسات اقتلاع وتهجير تستهدف الوجود الفلسطيني برمّته.
لذلك، ولأن الأولوية هي لمعركة الوجود والمصير، فمن المؤكد أن الإنتخابات لن تكون بالنسبة للشعب الفلسطيني أولوية بحد ذاتها، بقدر ما ستكون الأولوية هي لوقف العدوان، واستعادة الوحدة الوطنية، وإنهاء الانقسام الداخلي، ما يفترض العمل على تهيئة المجتمع الفلسطيني لهذا الإستحقاق، سياسياً وتنظيمياً، من خلال تحصين الجبهة الداخلية، وبناء قيادة وطنية موحدة قادرة على مواجهة التحديات الكبرى التي تستهدف القضية الفلسطينية
ما أثار إستغراب الجميع ايضاً، هو صدور المرسوم الرئاسي بتشكيل اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني في وقت كانت فيه المشاورات لا تزال جارية بين فصائل الهمل الوطني من أجل التوصل إلى تفاهمات تؤسس لعقد حوار شامل يطلق عملية سياسية توافقية تضمن نجاح إنتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في أجواء ديمقراطية ووطنية جامعة، وهذا ما دفع بالبعض لأن يدعو لاستعادة تقليد وطني دأبت عليه القيادة الفلسطينية منذ عام 1969، يقوم على عقد إجتماع للإطار القيادي الذي يضم رئيس وأعضاء اللجنة التنفيذية، ورئيس المجلس الوطني، والأمناء العامين للفصائل، إلى جانب شخصيات وطنية مستقلة، أي ما يماثل الإطار القيادي المعني بتفعيل مؤسسات م.ت.ف وإدارة القضايا الوطنية الكبرى بصورة جماعية وتوافقية. وقد راكمت الحركة الوطنية الفلسطينية، على امتداد عقود طويلة من النضال، خبرة سياسية وتنظيمية كرّست أسلوب الحوار الوطني بوصفه المدخل الأساسي لمعالجة القضايا الوطنية الكبرى، لا سيما تلك المتعلقة بإعادة بناء المؤسسات الوطنية الجامعة وصياغة المرجعيات السياسية الكفيلة بحماية الوحدة الوطنية.
تاريخياً، كانت اللجان التحضيرية تتشكل بمهام محددة تقتصر على المسائل الإدارية والتنظيمية وعلى وضع الترتيبات الفنية والإجرائية اللازمة لتهيئة الظروف المناسبة لإجراء الإنتخابات وضمان نزاهتها وشفافيتها، وبالتالي هي ليست بديلًا عن الحوار الوطني الشامل. من هنا، فإن اختزال مفهوم الحوار الوطني في مجرد «إجراء مشاورات مع القوى السياسية»، كما ورد في المرسوم الرئاسي، يُعد تراجعاً عن التقاليد الوطنية الراسخة، التي قامت على أساس الشراكة السياسية والتوافق والاحترام المتبادل بين مختلف مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية ■
(2)
الإنتخابات .. ضرورة وطنية
■ من خلال التدقيق بالوثائق المرتبطة بالعملية الإنتخابية للمجلس الوطني الفلسطيني، وفي النقاشات التي دارت داخل اللجنة التحضيرية وخارجها، يبدو واضحاً أن الإعتبارات الخارجية تتقدم على غيرها من القضايا الوطنية الملحّة. وليس سراً القول إن ورشة الإنتخابات والقوانين المطروحة للنقاش جاءت، بجزء كبير، استجابةً لضغوط خارجية، في إطار الدعوات الدولية المتكررة لما يُسمى «إصلاح المؤسسات الفلسطينية»، رغم ان الإنتخابات الشاملة والإصلاحات السياسية التي يجب ان تطال مختلف مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني هي حاجة وضرورة وطنية فلسطينية داخلية..
غير أن المدخل الفعلي والمنطقي لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني لا يمكن أن يتحقق عبر خطوات شكلية أو إجراءات جزئية منفصلة عن الواقع الوطني، وإنما من خلال إطلاق حوار وطني شامل يفضي إلى إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أسس ديمقراطية وتشاركية. وهذا ما نص عليه أصلاً قرار الرئيس محمود عباس بتشكيل اللجنة التحضيرية، حين كلّفها بـ «إجراء المشاورات مع القوى السياسية الفلسطينية كافة بهدف تهيئة الأجواء الوطنية لعقد الإنتخابات».
ولهذا السبب، عبّرت العديد من القوى والتيارات الفلسطينية عن مخاوفها من أن تكون الدعوات الرسمية المطروحة تحت عنوان «الإصلاح» أو «تجديد الشرعيات» مرتبطة بمحاولات إعادة إنتاج الواقع السياسي القائم، وتجديد بعض مظاهر الشرعية بما يكرّس نهج التفرد وتهميش المؤسسات الوطنية الجامعة. إذ إن المقاربة المطروحة لموضوع الإنتخابات وتعديل بعض القوانين تأتي، في سياق الاستجابة للضغوط الأميركية والأوروبية الهادفة إلى صياغة نظام سياسي فلسطيني متكيّف مع متطلبات المرحلة الإقليمية الجديدة، ضمن مشروع يعيد إنتاج نموذج الحكم الإداري الذاتي بوصفه سقفاً سياسياً دائماً، بعيداً عن مشروع التحرر الوطني وإنهاء الاحتلال.
وتزداد هذه المخاوف في ظل تداعيات الحرب الإسرائيلية - الأميركية في المنطقة، فالضغوط الغربية لا تكمن تداعياتها على الحالة الفلسطينية فحسب، بل أيضاً في إرتباطها بمشروع إقليمي أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يضمن تكريس الهيمنة الإسرائيلية وتوسيع نفوذها السياسي والعسكري والأمني. وما يجري من عدوان على شعوب المنطقة، بالتوازي مع حرب الإبادة في غزة، هو جزء من مشروع متكامل لإعادة هندسة الشرق الأوسط بما يخدم مصالح الاحتلال، ويؤسس لواقع إقليمي جديد تكون فيه إسرائيل القوة المهيمنة، بشراكة كاملة مع الولايات المتحدة وسائر قوى قوى الغرب الإستعماري، فيما يبقى الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية الخاسر الأكبر.
ومن أجل الوصول إلى نظام انتخابي يحظى بأوسع قبول سياسي وشعبي، كانت المشاركة في اللجنة التحضيرية حضوراً ونقاشاً وتصويباً، إنطلاقاً من الحرص على عدم ترك هذا الإستحقاق الوطني رهينة للمقاربات الأحادية أو السياسات الإقصائية، بل بهدف خوض صراع سياسي وديمقراطي داخل اللجنة نفسها لتصويب العديد من المفاهيم والمضامين التي رافقت عملية تشكيلها وآليات عملها. وقد نجحت الجهود المبذولة في تعديل وتصحيح عدد مهم من القضايا المرتبطة بطبيعة العملية الانتخابية وضماناتها السياسية والتنظيمية، بما عزز الطابع التوافقي للعملية وفتح المجال أمام مشاركة أوسع لمختلف القوى والفئات الفلسطينية.
ومع ذلك، لا تزال العديد من الملفات موضع خلاف، وما زالت بعض الإشكاليات قائمة، الأمر الذي يتطلب مواصلة النضال السياسي والحوار الوطني الديمقراطي للوصول إلى صيغ أكثر شمولاً وعدالة، تضمن أوسع مشاركة ممكنة للقوى السياسية والاجتماعية الفلسطينية في انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، داخل وخارج الضفة بما فيها القدس والقطاع، بعيداً عن كل أشكال التفرد أو محاولات إعادة إنتاج الواقع القائم.
كما تكمن أهمية المشاركة في تكريس مبدأ الشراكة الوطنية داخل مؤسسات منظمة التحرير، وتعزيز مكانتها التمثيلية باعتبارها الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، ويشكل خطوة ضرورية لاستعادة الثقة بالمؤسسات الوطنية، وإعادة الحيوية للحياة السياسية الفلسطينية، بما يشجع على الإنخراط الواسع في العملية الإنتخابية والمساهمة في إنجاحها. وبالتالي هي تعبير عن مسؤولية وطنية تسعى إلى حماية هذا الإستحقاق من التعثر، والعمل على تطويره باتجاه عملية ديمقراطية شاملة تفضي إلى إعادة بناء المجلس الوطني الفلسطيني على أسس تمثيلية حقيقية تعكس التعددية السياسية الفلسطينية، وتعزز وحدة النظام السياسي الفلسطيني وقدرته على مواجهة التحديات الوطنية الكبرى.
لقد أبرزت نقاشات اللجنة التحضيرية، إلى جانب الحوارات الجانبية التي دارت بين القوى السياسية الفلسطينية، وجود العديد من القضايا التي تمس بصورة مباشرة مستقبل النظام السياسي الفلسطيني وآليات إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية.. وبدا واضحاً أن معالجة بعض الملفات لا يمكن أن تتم عبر تفاهمات جزئية أو ضمن أطر محدودة، بل تحتاج إلى توافق وطني واسع تشارك فيه مختلف مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية، بما يضمن الوصول إلى صيغ جامعة تحظى بإجماع وطني، وتؤسس لمرحلة جديدة تقوم على الشراكة السياسية والديمقراطية والتعددية.
ومن بين هذه القضايا، تلك التي كانت موضع بحث ونقاش داخل اللجنة التحضيرية، وشكلت محوراً أساسياً في المداولات المتعلقة بطبيعة العملية الانتخابية، وآليات التمثيل، والعلاقة بين مؤسسات م.ت.ف والسلطة الوطنية الفلسطينية، فضلاً عن القضايا المرتبطة بالمرجعية السياسية والقانونية الناظمة لعملية إعادة بناء المجلس الوطني الفلسطيني وغير ذلك من عناوين وملفات مهمة■
(3)
بنية المجلس الوطني وإشكالية التمثيل
■ لم يحدد النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، الصادر في 2 حزيران/يونيو 1964، ولا أول قانون إنتخابي صدر عن المجلس الوطني الفلسطيني في تموز/يوليو 1965، عدد أعضاء المجلس بصورة واضحة وثابتة، بل أُحيل هذا الأمر إلى اللجنة التنفيذية التي أُنيط بها وضع النظام الانتخابي وآليات تشكيل المجلس، الذي ومنذ التأسيس، لم يستقر عدد أعضائه على رقم محدد. فمع دخول الفصائل واتساع حضورها الجماهيري والسياسي، أخذ عدد أعضاء المجلس يتزايد تدريجياً تبعاً لاعتبارات ومصالح سياسية وتنظيمية وفصائلية، إلى أن وصل العدد في بعض الدورات، لا سيما دورة عام 2018، إلى 765 عضوا تقريبا.
وقد شكّلت مسألة عدد أعضاء المجلس الوطني إحدى القضايا المركزية في الحوارات الفلسطينية السابقة، حيث جرى التوافق بين مختلف القوى الفلسطينية على ضرورة تقليص العدد إلى ما يقارب النصف، بما يضمن فعالية المجلس وقدرته على أداء مهامه السياسية والتنظيمية بصورة أكثر كفاءة. وفي هذا السياق، رفعت اللجنة القانونية التابعة للمجلس الوطني، عام 2007، مشروع نظام انتخابي اقترحت فيه أن يتراوح عدد أعضاء المجلس بين 300 و350 عضواً، بحيث يُمثَّل الفلسطينيون في الداخل والخارج بصورة متوازنة، وفق مبدأ التمثيل النسبي الكامل، من خلال تخصيص نصف المقاعد لفلسطينيي الداخل والنصف الآخر لفلسطينيي الشتات.
كما اقترح المشروع استثناء الأردن من قائمة الدول التي ستُجرى فيها الإنتخابات، على أن يتم تعويض ذلك عبر تخصيص 63 عضواً يتم اختيارهم بالتوافق، نظراً للتعقيدات السياسية والقانونية المرتبطة بالوضع الخاص للفلسطينيين المقيمين في الأردن وطبيعة العلاقة القانونية والسياسية القائمة هناك.
وفي عام 2012، عقدت الفصائل الفلسطينية، بما فيها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، جولة حوارات في العاصمة المصرية القاهرة تناولت ملف انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني وآليات إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير. وتمخضت تلك الحوارات عن توافق يقضي برفع توصية إلى لجنة تفعيل وتطوير المنظمة، المنبثقة عن إعلان القاهرة لعام 2005، تنص على اعتماد مجلس وطني مكوّن من 350 عضواً، يتوزعون بواقع 150 عضوا لفلسطينيي الداخل و200 عضو لفلسطينيي الخارج، مع اقتراح بزيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني إلى 150 عضوا.
وتكرّس هذا التوجه مجددا خلال الحوارات التي انعقدت في القاهرة أيضا عام 2020، حيث جرى التوافق على تقليص عدد أعضاء المجلس الوطني من 765 إلى 350 عضوا فقط، بحيث يُمثَّل الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة ومدينة القدس بـ 150 عضوا، مقابل 200 عضو لفلسطينيي الخارج، استنادا إلى التوزيع الديمغرافي الفعلي للشعب الفلسطيني داخل فلسطين وخارجها.
وبما أن أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخبين، والبالغ عددهم 132 عضوا، يُعتبرون تلقائيا أعضاء في المجلس الوطني الفلسطيني بحكم القانون، فقد جرى الاتفاق على استكمال العدد المتبقي من ممثلي الداخل، والبالغ 18 عضوا، عبر التوافق بين الفصائل الفلسطينية واللجنة التحضيرية ولجنة الإنتخابات، بما يضمن الحفاظ على التوازن السياسي والتمثيلي داخل المجلس.
ورغم أن هذا التقسيم يحظى بدرجة عالية من العدالة السياسية والديمغرافية، وينسجم مع التوزيع الجغرافي الراهن للشعب الفلسطيني، فضلا عن توافق غالبية الفصائل الفلسطينية حوله، فإن اللجنة التحضيرية لانتخابات المجلس الوطني ذهبت، بحسب ما طُرح في النقاشات الأخيرة، باتجاه مغاير تماما لما تم التوافق عليه سابقا، إذ أقرت أن يكون تمثيل الداخل بـ 200 عضو، مقابل 150 عضوا لفلسطينيي الخارج، من دون تقديم اية مبررات سياسية أو ديمغرافية أو قانونية واضحة تفسر هذا التغيير الجوهري.
كما ترافقت هذه الصيغة مع قرار باستثناء الفلسطينيين المقيمين في الأردن من التمثيل الانتخابي المباشر، لأسباب ما تزال أيضا غير واضحة، ولم تُقدَّم بشأنها حيثيات سياسية أو قانونية مقنعة، الأمر الذي أثار تساؤلات واعتراضات واسعة داخل الأوساط الفلسطينية، نظرا إلى الثقل الديمغرافي والسياسي الكبير لفلسطينيي الأردن ودورهم التاريخي في مؤسسات الحركة الوطنية الفلسطينية.
إضافة إلى ذلك، لم توضّح اللجنة التحضيرية الكيفية التي سيتم من خلالها استكمال العدد المتبقي من أعضاء المجلس الوطني المرتبطين بالمجلس التشريعي الفلسطيني، والذي يبلغ عددهم 132 عضوا، في ظل تعذر إجراء انتخابات تشريعية جديدة حتى الآن (اي إنتخابات للأعضاء المتبقين من حصة الداخل وعددهم 68 عضوا). وبقيت الأسئلة مفتوحة حول ما إذا كان إستكمال هذا العدد سيتم عبر التوافق الوطني، أم عبر التعيين الأحادي، أم من خلال آليات انتخابية بديلة، وهو أمر يثير إشكاليات قانونية وسياسية جدية، خاصة في ظل النص الصريح الوارد في المادة الرابعة من القرار بقانون رقم (1) لسنة 2007 بشأن الإنتخابات العامة، والذي يحدد بصورة واضحة عدد أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني وآلية انتخابهم، ويحدد ايضا انهم جزء من عضوية المجلس الوطني الفلسطيني.
ومن هنا، فإن الجدل القائم حول عدد أعضاء المجلس الوطني وآليات توزيع المقاعد لا يُعد مجرد خلاف تقني أو تنظيمي، بل يعكس إرباكاً واضحاً وخلافاً أعمق يتعلق بطبيعة التمثيل السياسي الفلسطيني، ومكانة فلسطينيي الشتات داخل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، فضلاً عن إرتباطه بمسألة إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية وتشاركية تضمن الشراكة الوطنية الحقيقية وتحول دون تكريس التفرد أو إعادة إنتاج الإختلالات القائمة داخل البنية السياسية الفلسطينية ■
(4)
التأصيل القانوني للعلاقة بين المجلسين
■ وفقًا لقرار صادر عن دورة المجلس المركزي الفلسطيني التي انعقدت في تونس بين 10 و12 تشرين الأول/أكتوبر 1993، نشأت السلطة الوطنية الفلسطينية بوصفها أداة حكم وإدارة للفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، ما يعني أن منظمة التحرير الفلسطينية، بمؤسساتها المختلفة، تشكل المرجعية السياسية العليا للسلطة، التي تستمد شرعيتها السياسية من منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
واستنادا لإتفاقيات أوسلو وقانون الإنتخابات الفلسطيني لعام 1995، جرت أول انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني بتاريخ20/1/1996، حيث بلغ عدد أعضائه آنذاك 88 عضوا. وفي عام 2005، جرى تعديل القانون ورفع عدد الأعضاء إلى 132 عضوا، مع إعتماد نظام انتخابي مختلط يجمع بين الدوائر والقوائم النسبية، قبل أن يتم الانتقال عام 2007 إلى إعتماد نظام التمثيل النسبي الكامل.
وقد تركزت النقاشات السياسية والتنظيمية داخل اللجنة التحضيرية حول طبيعة العلاقة القانونية والسياسية بين المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب، وبين المجلس الوطني. وطُرحت تصورات متعددة لطبيعة هذه العلاقة؛ فذهب البعض في طروحاته إلى الدعوة لدمج المؤسستين ضمن إطار تمثيلي واحد، بينما دعا آخرون إلى الإكتفاء بإقامة نوع من التنسيق المؤسسي بينهما، إلى أن استقر الأمر على صيغة تقوم على وجود نظامين تمثيليين داخل بنية سياسية وطنية واحدة أوسع هي منظمة التحرير الفلسطينية. وهي الصيغة التي تكرست بشكل عملي خلال الدورة الحادية والعشرين لـ المجلس الوطني الفلسطيني، التي عُقدت في مدينة غزة عام 1996، بحضور أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني، الذين اعتُبروا منذ ذلك الحين أعضاء طبيعيين في المجلس الوطني ويمثلون حصة الداخل الفلسطيني.
ومن أجل تثبيت هذا الواقع الجديد بصورة دستورية وقانونية، أصدر الرئيس محمود عباس، بصفته رئيساً للسلطة الوطنية الفلسطينية، القرار بقانون رقم (1) لسنة 2007 بشأن الإنتخابات العامة، إستناداً إلى المادة (43) من القانون الأساسي المعدل لعام 2003، التي تجيز لرئيس السلطة إصدار قرارات لها قوة القانون في حالات الضرورة عندما لا يكون المجلس التشريعي منعقداً. وقد نصّت الفقرة السادسة من المادة الرابعة من هذا القانون ما حرفيته بأن: «يكون أعضاء المجلس التشريعي المنتخبون خلال مدة ولايتهم أعضاء في المجلس الوطني الفلسطيني فور أدائهم القسم القانوني وفقاً لأحكام النظام الأساسي لـ منظمة التحرير الفلسطينية».
ولإضفاء بعد سياسي وتوافقي على هذه الصيغة، طُرح الموضوع مجدداً خلال الحوارات الفلسطينية التي عُقدت في القاهرة في شباط/ فبراير 2012، بمشاركة أربعة عشر فصيلاً فلسطينياً، لمناقشة «إعداد نظام انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني». وقد أجمعت مداخلات ممثلي الفصائل على رفض أي صيغة تقوم على الفصل بين المجلسين، والتأكيد على استمرار العلاقة العضوية بينهما، مع رفع توصية إلى لجنة تفعيل وتطوير م.ت.ف تؤكد الالتزام بما ورد في نص المادة الرابعة المشار إليها.
كما أعاد الرئيس محمود عباس تأكيد هذا الترابط من خلال المرسوم الرئاسي رقم (3) لسنة 2021 الخاص بالدعوة إلى إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية ومجلس وطني، حيث نصّت المادة الثانية من المرسوم على أن «انتخابات المجلس التشريعي تعتبر المرحلة الأولى من انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني»، فيما أوضحت المادة الثالثة أنه سيتم لاحقاً استكمال تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني.
ورغم ما تحمله هذه الصيغة من منطق سياسي وقانوني يؤكد العلاقة التكاملية بين المجلسين، وعدم تسجيل أية إعتراضات جوهرية عليها داخل اللجنة التحضيرية، إلا أن الواضح أن هذه المقاربة لا تحظى بقبول بعض الأطراف الدولية، خاصة بعد بروز إجتهادات فلسطينية تدعو إلى إعادة صياغة العلاقة بين المجلسين على أساس «التكامل الوظيفي والتنسيق المؤسسي»، دون وجود عضوية مباشرة أو ترابط بنيوي بينهما، وبما يحافظ على استقلال كل مؤسسة بصورة منفصلة.
لقد كان بيان اللجنة التنفيذية، الصادر عقب اجتماعها بتاريخ 19 أيار/مايو 2026، واضحا في تأكيد العلاقة بين المجلسين، إذ نص على:»..إعتماد مسودة الدستور من المجلس المركزي قبل طرحها للإستفتاء العام، يمهد لإجراء الإنتخابات البرلمانية، ويصبح أعضاء البرلمان المنتخبون أعضاءً في المجلس الوطني القادم..». لكن بالرغم من ذلك، فقد اشار بعض أعضاء اللجنة التنفيذية، خلال الاجتماع المذكور، إلى أن إنتخابات المجلس الوطني ستستند إلى نظام انتخابي مختلف عن ذلك الذي جرى اعتماده خلال نقاشات اللجنة التحضيرية المركزية. وقد أُضيف إلى هذا النظام التعديل الوارد من الرئاسة بشأن العلاقة بين مجلس النواب (المجلس التشريعي) في الداخل والمجلس الوطني، على قاعدة استقلال كلٍّ منهما عن الآخر.
ورغم التحفظ الذي نبديه على مصطلح «مجلس النواب او برلمان الدولة»، نظرا لعدم وجود الدولة على أرض الواقع، نتيجة أسباب معلومة، ، فيبدو واضحا أن الهدف الحقيقي لمثل هذه الطروحات لا يتعلق بضمان عدالة التمثيل بين الداخل والخارج فحسب، ولا بمنع تضارب الصلاحيات بين المؤسسات الدستورية، ولا حتى بحماية مؤسسة من تغوّل أخرى (وفقا للتعديل الوارد من الرئاسة)، وكما حدث منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية التي تمددت تدريجيا على حساب مؤسسات وصلاحيات م.ت.ف بقرارات وممارسات سياسية مقصودة. بل إن الفصل بين المجلسين من شأنه أن يكرّس واقع الفصل والتغول والتمدد، وأن يدفع باتجاه تحويل السلطة الفلسطينية ومؤسساتها إلى إطار تمثيلي بديل يقوم مقام المنظمة، حتى في غياب نصوص دستورية صريحة بهذا المعنى.
والمسألة هنا لا تتعلق بحسن نوايا أصحاب هذه الاجتهادات بقدر ما ترتبط بما ترسمه بعض الدوائر الغربية لمستقبل النظام السياسي الفلسطيني، فليس خافياً أن بعض الأطراف الدولية تمارس ضغوطاً متواصلة من أجل إنجاز إنتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني، في حين تتجاهل، بصورة متعمدة ومقصودة، المطالب الفلسطينية الجامعة بإجراء انتخابات شاملة للمجلس الوطني الفلسطيني، رغم أنه الهيئة التمثيلية الأعلى للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات. كما لم تُبدِ هذه الأطراف أي استعداد جدي للمساهمة في إزالة العراقيل السياسية والقانونية التي تعترض تنظيم انتخابات للفلسطينيين في الخارج.
ولو توفرت إرادة سياسية حقيقية لدعم إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني بصورة متوازنة، لكان من الممكن إعتماد الصيغة التي يدافع عنها عدد واسع من خبراء القانون الفلسطينيين، والتي تقوم على حصر صلاحيات المجلس التشريعي الفلسطيني في القضايا الحياتية والإدارية الداخلية، مثل الرقابة على الحكومة وسن القوانين المدنية والاجتماعية الخاصة بالفلسطينيين داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفق الصيغة المعمول بها حالياً، مقابل أن يتولى المجلس الوطني الفلسطيني واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية القضايا الوطنية الكبرى المرتبطة بالصراع مع الاحتلال، والمهام المطروحة على طريق التقدم نحو إنجاز الحقوق الوطنية لشعبنا.
إن الضغط الانتقائي الذي يمارسه المجتمع الدولي على السلطة الفلسطينية من أجل إنجاز إنتخابات المجلس التشريعي دون انتخابات للمجلس الوطني أو حتى الإنتخابات الرئاسية، يعكس توجهاً سياسياً يتجاوز البعد التقني أو الإجرائي. فالمجلس التشريعي يرتبط مباشرة بالبنية السياسية التي أفرزتها اتفاقيات أوسلو وحظيت بدعم عدد من الأطراف الدولية، التي ترى أن تجديد شرعية هذا المجلس يضمن استمرار وجود «شريك فلسطيني منتخب» يمكن التعامل معه في ملفات الأمن والمساعدات والتفاوض وغيرها من العناوين المرتبطة بإدارة الواقع القائم.
كما أن الدور التشريعي الذي يؤديه المجلس التشريعي يجعله محور إهتمام أطراف دولية تسعى إلى الحفاظ على الوضع السياسي القائم دون إدخال تغييرات جوهرية تمسّ البنية الحالية للعلاقة مع إسرائيل أو تضع هذه الأطراف في حرج سياسي أمام الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي المقابل، لا يحظى المجلس الوطني الفلسطيني بالمستوى ذاته من الاهتمام الدولي، رغم كونه الهيئة التمثيلية العليا للشعب الفلسطيني. ويعود ذلك إلى أن إعادة تشكيله قد تعني إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية على أسس وطنية شاملة تشمل اللاجئين والشتات وحق العودة والمشروع الوطني الفلسطيني، وهو ما قد يؤدي إلى تغييرات جوهرية في موازين القوى السياسية الفلسطينية، ويفتح المجال أمام مشاركة أوسع لقوى فلسطينية لا ترغب بعض الأطراف الدولية في أن تكون شريكا في رسم القرار الفلسطيني. لذلك، فتحديد مستقبل العلاقة بين م.ت.ف والسلطة الفلسطينية لم يعد شأناً فلسطينياً خالصاً، بل أصبح موضوعاً تتداخل فيه إعتبارات ناتجة عن ضغوط دولية وإقليمية متعددة.
ومنذ توقيع اتفاقيات أوسلو، أولت الأطراف الدولية أولوية مالية وسياسية واضحة لتعزيز مؤسسات السلطة الفلسطينية على حساب مؤسسات منظمة التحرير، الأمر الذي ساهم في تراجع الدور السياسي للمنظمة وتآكل شرعيتها التمثيلية، نتيجة شلل مؤسساتها، وتفكك عقد الائتلاف الوطني الذي كانت تجسده تاريخياً، إلى جانب غياب آليات التجديد الديمقراطي داخلها، فضلاً عن إستمرار الإنقسام الفلسطيني والصراع على المرجعية الوطنية، وما ترتب على ذلك من تهميش لقضايا اللاجئين وحق العودة داخل عملية صنع القرار السياسي الفلسطيني.
هنا يمكن فهم التمايز والإختلاف في الموقف الدولي تجاه المجلسين بوصفه تعبيرا عن رغبة في الحفاظ على استقرار السلطة الفلسطينية وإدارة النظام القائم، مقابل الحذر من أي عملية سياسية قد تعيد تأسيس النظام السياسي الفلسطيني على أسس شراكة وطنية وتمثيل شامل.
لكل ما سبق، فإن تعزيز صيغة إعتبار أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني جزءا من المجلس الوطني الفلسطيني يحمل العديد من الإيجابيات الوطنية التي ينبغي التمسك بها وتطويرها. فهذه الصيغة تعزز المكانة التمثيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية ووحدتها بين الداخل والشتات، من خلال ربط المؤسسة التشريعية المنتخبة في الضفة الغربية وقطاع غزة بالمجلس الوطني الذي يمثل الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده.
كما تسهم هذه الصيغة في تعزيز الشرعية الديمقراطية للمجلس الوطني عبر ضم أعضاء منتخبين مباشرة من الشعب الفلسطيني، بما يعزز طابعه التمثيلي، يخفف من طابع التعيين بالتوافق، الذي يطغى على بعض مكوناته، ويعزز في الوقت ذاته فكرة وحدة النظام السياسي الفلسطيني.
وتؤدي هذه العلاقة العضوية بين المجلسين إلى تعزيز مستويات التنسيق اليومي بين دوائر القرار السياسي الفلسطيني، بما يجعل العلاقة بين المؤسسات الوطنية أكثر تكاملاً وانسجاماً، ويعزز دور منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الإطار الوطني الجامع والمرجعية السياسية العليا للشعب الفلسطيني، مع إبقاء السلطة الوطنية الفلسطينية على تماس مباشر مع المشروع الوطني الفلسطيني العام وأهدافه التاريخية ■
(5)
محاذير الاشتراطات السياسية
■ حدد القرار الصادر عن رئيس اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف والخاص بتشكيل اللجنة التحضيرية لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني بعض الإشتراطات السياسية الواجب توافرها لمن يرغب بالترشح لعضوية المجلس، ومن أبرزها: «الالتزام بشروط عضوية المجلس الوطني، وبأنظمة وقوانين منظمة التحرير الفلسطينية، وبرنامجها السياسي والتزاماتها الدولية». وهي ذات الصيغة التي سبق أن وردت في قانون الإنتخابات المحلية الفلسطينية، قبل أن يجري التراجع عنها لاحقاً نتيجة الاعتراضات السياسية والقانونية التي أثيرت بشأنها.
وقد شكّل قيام اللجنة التحضيرية بتعديل هذه الصيغة خطوة إيجابية، بعد ان تم الإكتفاء بالنص على الإلتزام بـ «منظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها السياسي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية». وجاء هذا التعديل منسجما مع ما أكدته مختلف الفصائل الفلسطينية خلال جولة الحوارات التي عُقدت في القاهرة عام 2012، والتي سعت إلى صياغة مرجعيات وطنية أكثر دقة وشمولاً، من خلال إضافة الإلتزام بوثيقة إعلان الإستقلال، والتأكيد على م.ت.ف باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
ورغم أهمية هذه التعديلات، فمن الضروري التأكيد بصورة دائمة على حق كل فلسطيني، سواء بصفته الفردية أو من خلال إطار سياسي أو مؤسساتي، في المشاركة في العملية الإنتخابية ترشيحاً وتصويتاً، باعتبار ذلك حقاً سياسياً وديمقراطياً أصيلاً، على أن يكون الشرط الأساسي لذلك هو الإلتزام بالمرجعيات الوطنية الجامعة التي تحظى بإجماع وطني، وفي مقدمتها وحدانية التمثيل الفلسطيني ضمن منظمة التحرير الفلسطينية، ووثيقة إعلان الاستقلال، والنظام الأساسي للمنظمة.
أما فرض إشتراطات سياسية إضافية على هذا الحق، كما ورد في بعض نصوص المرسوم الرئاسي، فإنه يفتح الباب أمام إقصاء قوى فاعلة في الساحة الفلسطينية، ويعكس توجهاً سياسياً يثير تساؤلات جدية حول الخلفيات والدوافع الكامنة وراء هذه الشروط، خاصة إذا ما استُخدمت كأداة لتحديد مسبق لطبيعة القوى المسموح لها بالمشاركة في إعادة تشكيل المؤسسات الوطنية الفلسطينية الجامعة.
كما أن هذه الإشتراطات تمس بصورة مباشرة طبيعة العملية الديمقراطية وتنال من الوظيفة التمثيلية للمجلس الوطني، بوصفه هيئة وطنية جامعة يُفترض أن تعكس التعددية السياسية والفكرية داخل المجتمع الفلسطيني ومؤسساته المختلفة، فالمجلس الوطني، بحكم دوره التاريخي والسياسي، لم ينشأ باعتباره إطاراً حزبياً مغلقاً أو مؤسسة ذات لون سياسي واحد، بل بكونه اطاراً إئتلافيا ومظلة وطنية جامعة تستوعب مختلف التيارات والقوى السياسية والاجتماعية الفلسطينية على تنوع برامجها وتوجهاتها.
من هنا، فإن إعادة تشكيل المجلس الوطني وفق معايير سياسية مسبقة ذات طابع إقصائي من شأنه أن ينتقص من وظيفته السياسية الأساسية، القائمة على ضمان التعددية والديمقراطية وترسيخ مبدأ الشراكة الوطنية الشاملة؛ ناهيك عن أن حصر حق الترشح ضمن شروط سياسية ضيقة قد يؤدي، من الناحية العملية، إلى إعادة إنتاج البنية السياسية القائمة نفسها، بدلاً من فتح المجال أمام تجديد الحياة السياسية الفلسطينية وإدماج قوى وشرائح إجتماعية جديدة داخل مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني.
إضافة إلى ذلك، فإن أي عملية انتخابية تجرى في ظل حالة تحرر وطني وصراع مفتوح مع الاحتلال الإسرائيلي تحتاج، بشكل ملح، إلى تعزيز الوحدة الوطنية وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية. فالأهمية الوطنية لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني لا تكمن فقط في تجديد الشرعيات، وإنما في قدرتها ايضاً على إعادة بناء الحالة الوطنية الفلسطينية على أسس تشاركية وديمقراطية، بما يعيد الإعتبار للمؤسسات الوطنية الجامعة ويعزز ثقة جميع الفلسطينيين بدورها.
لذلك، فإن الحفاظ على الطابع التعددي للمجلس الوطني الفلسطيني يتطلب إعتماد معايير وطنية جامعة لا إقصائية، تضمن أوسع مشاركة ممكنة لمختلف القوى والتيارات السياسية والاجتماعية الفلسطينية، بما يعزز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني، ويكرّس مبدأ الشراكة السياسية باعتباره الأساس الضروري لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني ومؤسساته التمثيلية■
(6)
إشكالية «التوافق» في تمثيل الخارج
■ تثير التعديلات التي طرحتها اللجنة التحضيرية بشأن آليات تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، في حال تعذّر إجراء انتخابات مباشرة للفلسطينيين في الشتات، جملة من الإشكاليات السياسية والتنظيمية التي تستوجب وقفة وطنية جادة. فقد أشارت بعض المقترحات المتداولة إلى اعتماد أحد خيارين: إما اللجوء إلى صيغة «المجمع الانتخابي» الذي يضم ممثلين عن مختلف مكونات الساحة الفلسطينية، أو إعتماد خيار «التوافق».
تكمن إحدى أبرز الإشكاليات في أن مفهوم «التوافق»، كما جرى طرحه في بعض النقاشات، انه سيكون محصورا ضمن صيغة الفصائل والقوى المنضوية في إطار م.ت.ف، الأمر الذي قد يؤدي عملياً إلى إستبعاد قوى وفصائل فلسطينية أخرى لا تزال خارج هذا الإطار التنظيمي، رغم حضورها السياسي والجماهيري داخل المجتمع الفلسطيني.
هذه الصيغة تتعارض مع الطبيعة التمثيلية الجامعة التي يُفترض أن تتمتع بها منظمة التحرير، كما تتناقض مع الحاجة الوطنية الراهنة إلى توسيع قاعدة الشراكة السياسية والتمثيلية بدلا من إعادة إنتاج صيغ الاحتكار السياسي. فإعادة بناء المؤسسات الوطنية الفلسطينية لا يمكن أن تتحقق بصورة حقيقية إذا بقيت محكومة بمنطق التمثيل الجزئي أو التوافقات المغلقة التي تستثني مكونات فاعلة وأساسية من الحركة الوطنية الفلسطينية.
ومن بين القضايا التي برزت خلال الفترة الأخيرة ويجب التوقف عندها، دعوات تتعلق بالفصل بين المجلسين التشريعي والوطني الفلسطيني، وهي صيغة ما تزال تفتقر إلى الوضوح السياسي والقانوني، سواء من حيث طبيعة العلاقة بين المؤسستين أو حدود الصلاحيات والتمثيل لكل منهما. ومع أن هذه الطروحات تُقدَّم تحت عنوان تنظيم العلاقة المؤسسية أو منع تداخل الاختصاصات، إلا أن مجرد إعادة طرحها يعيد إلى الواجهة النقاش القديم حول توزيع التمثيل داخل المجلس الوطني وفق معادلة «الثلثين والثلث»، بما قد يفتح الباب أمام إرباك سياسي وتنظيمي جديد في لحظة تبدو فيها الحاجة الوطنية أكثر إلحاحاً لتعزيز الوحدة الوطنية وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أسس توافقية ومستقرة.
كما هناك قضية اخرى وجب التدقيق جيدا فيما يطرح ويقر بشأنها، وهي موضوع اللاجئين الفلسطينيين في الخارج. إذ تتزايد الحاجة الوطنية اليوم إلى التأكيد على ضرورة منح اللاجئين الفلسطينيين في الشتات المكانة السياسية والتمثيلية التي تعكس وزنهم الحقيقي في القضية الوطنية الفلسطينية، باعتبارهم يشكلون جوهر القضية الفلسطينية وحاملها التاريخي والسياسي. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة فيما يتعلق بالتجمعات الفلسطينية في لبنان وسوريا والأردن، التي لعبت أدواراً مهمة في مسار ومسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية، وقدمت تضحيات كبيرة على المستويات الوطنية والسياسية والإنسانية.
وبالنظر إلى ما تتعرض له من إستهدافات إسرائيلية مباشرة، فإن قضية اللاجئين الفلسطينيين لا يجب تناولها كونها قضية أرقام فقط، وفقا لما يطرحه البعض، لجهة مساواة تجمعات هامة، كما هو الحال في لبنان وسوريا على سبيل المثال، بتجمعات أخرى لا تتمتع بذات الفعالية السياسية لإعتبارات موضوعية خارجة عن إرادتها.
إن التجمعات الفلسطينية في الخارج لم تكن، عبر العقود، مجرد بيئات لجوء مؤقتة، بل شكلت ساحات مركزية للنضال الوطني والسياسي والثقافي، وأسهمت بصورة مباشرة في حماية الهوية الوطنية الفلسطينية والحفاظ على استمرارية المشروع الوطني الفلسطيني. لذلك، فإن معيار التمثيل داخل المجلس الوطني الفلسطيني يجب أن يراعي كل هذه الإعتبارات.
وعليه، فإن أي عملية حقيقية لإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية يجب أن تستند إلى رؤية وطنية شاملة تضمن أوسع مشاركة ممكنة لكافة مكونات الشعب الفلسطيني السياسية والاجتماعية، مستندة الى أسس ديمقراطية وتوافقية واضحة، تبرز مكانة اللاجئين ودورهم التاريخي في الحركة الوطنية الفلسطينية، فضلا عن إندراج قضيتهم المتمحورة حول العودة الى الديار والممتلكات ضمن الأهداف الرئيسية للمشروع الوطني الفلسطيني ■
(6)
عدالة التمثيل وقيود المشاركة السياسية
■ من الناحية النظرية، يبدو أن النص الوارد في المادة الثالثة من مرسوم الدعوة إلى انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني يستجيب، إلى حدّ كبير، لمطالب مختلف مكونات الشعب الفلسطيني، إذ نصّ على أن «تُجرى الإنتخابات وفق نظام التمثيل النسبي الكامل، بما يكفل عدالة التمثيل لكافة التجمعات الفلسطينية، بما فيها المرأة والشباب والشتات الفلسطيني». وقد شكّلت مسألة إعتماد نظام التمثيل النسبي الكامل إحدى أهم القضايا التي حظيت بإجماع واسع خلال جولات الحوار الفلسطيني المتعددة، باعتبارها خطوة متقدمة تعكس الحرص على تحقيق أوسع مشاركة ممكنة للقوى السياسية والاجتماعية الفلسطينية، كونها توفر بيئة انتخابية أكثر عدالة وتمثيلاً.
وقد عززت اللجنة التحضيرية هذا التوجه من خلال إقرار نظام التمثيل النسبي الكامل مع إعتماد نسبة حسم منخفضة بلغت 1%، رغم إصرار بعض الأطراف على رفعها، في محاولة بدت، في نظر كثيرين، وكأنها تستهدف تقليص فرص تمثيل مكونات سياسية وإجتماعية داخل المجلس الوطني. ويُعدّ الإبقاء على نسبة حسم منخفضة خطوة إيجابية تسهم في توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وتحدّ من إحتمالات احتكار التمثيل من قبل قوى معينة.
كما توافقت اللجنة التحضيرية على اعتماد كوتا نسائية بنسبة 30%، إستجابةً لمخرجات الحوارات الفلسطينية الداخلية، وفي إطار الاعتراف المتزايد بأهمية دور المرأة الفلسطينية وتعزيز حضورها داخل المؤسسات الوطنية. وتُعدّ هذه الخطوة تطوراً مهماً على مستوى الاعتراف بالدور السياسي والاجتماعي الذي لعبته المرأة الفلسطينية في مسيرة النضال الوطني، وما زالت تؤديه في مختلف المجالات السياسية والمجتمعية والثقافية.
ورغم هذه الإيجابيات، التي عكست قدراً من الاستجابة لمطالب قوى وشخصيات وطنية وازنة، فإن ثمة مفارقات بارزة تبدو متناقضة مع روح المرسوم الرئاسي وأهدافه المعلنة. ولعل أبرز هذه المفارقات إصرار البعض على حصر سن الترشح لعضوية المجلس الوطني الفلسطيني عند 23 عاماً، رغم الاتجاه العالمي المتزايد نحو خفض سن الترشح بغرض تعزيز مشاركة الشباب في الحياة السياسية.
ان عدداً من الديمقراطيات الراسخة باتت تتيح الترشح للمجالس النيابية اعتبارا من سن 18 عاما، كما هو الحال في المملكة المتحدة وكندا وأستراليا وإسبانيا، فيما خفّضت دول أخرى سن الترشح ضمن إصلاحات دستورية وسياسية هدفت إلى توسيع قاعدة المشاركة الشعبية، على غرار اليابان وفرنسا وتونس. وفي الحالة الفلسطينية، تكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة، بالنظر إلى الطبيعة الشابة للمجتمع الفلسطيني، وإلى الدور المحوري الذي لعبه الشباب الفلسطيني تاريخيا في مختلف مراحل النضال الوطني والسياسي والشعبي.
لذلك، فإن التمثيل الحقيقي والعادل للشباب الفلسطيني لا ينبغي أن يقتصر على الإشارة إليهم في النصوص القانونية أو الخطابات السياسية، بل يجب أن يُترجم بشكل فعلي من خلال إزالة العوائق القانونية والسياسية والتنظيمية التي تحول دون وصولهم إلى مستوى المشاركة الفعلية في رسم السياسات الوطنية. كما أن توسيع مشاركة الشباب داخل مؤسسات م.ت.ف والمجلس الوطني الفلسطيني بالتحديد، هو أمر يتوافق مع الحاجة الوطنية الفلسطينية الملحّة إلى تحديث البنية السياسية وتجديد نخبها، بما يضمن إشراك الأجيال الجديدة في صياغة وحماية المشروع الوطني الفلسطيني، ويعزز قدرة النظام السياسي الفلسطيني على مواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية المتسارعة داخل المجتمع الفلسطيني وفي محيطه الإقليمي والدولي.
وعليه، فإن نجاح أي عملية لإعادة بناء المجلس الوطني الفلسطيني لا يرتبط فقط باعتماد نظام انتخابي عادل من الناحية الشكلية، بل أيضا بمدى قدرة هذا النظام على ترجمة مفاهيم العدالة التمثيلية والمشاركة السياسية إلى واقع عملي يضمن الحضور الفاعل للمرأة والشباب واللاجئين الفلسطينيين في الشتات، بوصفهم مكونات أساسية في الهوية الوطنية الفلسطينية وفي مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها الجامعة ■
(7)
خاتمة
■ نشأ النظام السياسي الفلسطيني في ظل ظروف إنتقالية لم تكتمل فيها عناصر السيادة، لا على الأرض ولا على الشعب والمرافق العامة، الأمر الذي أفرز بنية سياسية ذات طابع «هجيني» تجمع بين بعدين متداخلين: بعد تمثيلي وطني شامل يتمثل في منظمة التحرير الفلسطينية، وبعد إداري – خدماتي تنموي متعدد الأبعاد يتمثل في السلطة الوطنية الفلسطينية.
ورغم التحولات التي شهدها الواقع الفلسطيني منذ ما يزيد على ثلاثة عقود، ظلت منظمة التحرير الفلسطينية تحتفظ بمكانتها السياسية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وبوصفها الإطار الجامع الذي يستمد شرعيته من التمثيل الوطني الشامل، متجاوزا الحدود الجغرافية والإدارية. وعلى الرغم من أن شرعية السلطة تستند من الناحية النظرية إلى تفويض صادر عن منظمة التحرير الفلسطينية، فإن الممارسة السياسية العملية أدت إلى انتقال تدريجي لمركز الثقل نحو مؤسسات السلطة، بما خلق تداخلاً وظيفياً ومؤسسياً بين الإطارين، جعل الفصل بينهما أمراً صعباً من الناحيتين السياسية والقانونية. هذا التضارب في الصلاحيات والتمثيل انعكس بصورة مباشرة على المستوى التشريعي، من خلال وجود هيئتين متوازيتين:
1) المجلس الوطني الفلسطيني، بوصفه الإطار الأعلى في بنية منظمة التحرير الفلسطينية، والمسؤول عن رسم التوجهات الوطنية العامة، وإقرار السياسات الكبرى، وانتخاب اللجنة التنفيذية ومتابعة اوضاع الشعب الفلسطيني عبر دوائره واتحاداته المختلفة.
2) المجلس التشريعي الفلسطيني، الذي نشأ ضمن بنية السلطة الوطنية الفلسطينية، لممارسة مهام التشريع والرقابة ضمن نطاق جغرافي وسياسي محدد في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبسقف سياسي تحكمه اتفاقيات المرحلة الانتقالية.
إن غياب إطار دستوري مكتمل ينظم العلاقة بين المؤسستين، إلى جانب عدم اكتمال مقومات الدولة الفلسطينية، جعل هذه العلاقة أقرب إلى علاقة «توازٍ وظيفي» أكثر منها علاقة هرمية دستورية واضحة. فكل من المجلسين يستمد شرعيته من مصدر مختلف: المجلس الوطني من التمثيل الوطني الشامل للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، والمجلس التشريعي من الإنتخابات ضمن إطار السلطة في حدود جغرافية وسياسية محددة.
وبالتالي، نشأت بنية سياسية تتداخل فيها مستويات الشرعية والوظيفة بين البعد الوطني التمثيلي والبعد الإداري التنفيذي، وهو ما يُعد من أبرز السمات البنيوية للنظام السياسي الفلسطيني المعاصر. وقد جعل هذا الواقع معالجة العلاقة بين المؤسستين مسألة مركزية في أي مشروع لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، سواء في إطار صياغة «دستور مؤقت لدولة فلسطين»، أو في سياق عمل اللجنة التحضيرية لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني.
هذه المسألة – الإشكالية، بات يتطلب مقاربة سياسية ومجتمعية شاملة، لا تقتصر على النخب أو الأطر التنظيمية الضيقة، بل يجب أن تمتد لتشمل مختلف تجمعات الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، بهدف إعادة تعريف العلاقة بين التمثيل الوطني والإدارة السياسية، على نحو يضمن وضوح المرجعية الوطنية، ووحدة النظام السياسي، وتماسك مؤسساته ضمن رؤية وطنية جامعة ■
حزيران (يونيو) 2026
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت
