الأنفاق المدمّرة و«توسيع الرصد»: لماذا تسارعت اغتيالات قادة «القسام» في غزة؟

ردود فعل فلسطينية على حريق اندلع عقب غارة إسرائيلية على مبنى سكني في حي الرمال بمدينة غزة، الجمعة 15 مايو/أيار 2026. صورة: عمر أشتوي.

وفق مصادر ميدانية من «حماس» تحدثت إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، فإن تصاعد عمليات الاغتيال الإسرائيلية في قطاع غزة خلال الأسابيع الأخيرة لا يرتبط بعامل واحد، بل بمجموعة متداخلة من التحولات الأمنية والميدانية، أبرزها تدمير أجزاء واسعة من شبكة الأنفاق، وانكماش مساحة الحركة، وتكثيف العمل الاستخباري والتكنولوجي الإسرائيلي.

طوال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وحتى إعلان وقف إطلاق النار الهش في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم تكن مهمة الوصول إلى قيادات «حماس» وجناحها العسكري «كتائب القسام» سهلة أو سريعة بالنسبة لإسرائيل. فقد اعتمدت الحركة، بحسب مصادر ميدانية نقلت عنها «الشرق الأوسط»، على شبكة واسعة من الأنفاق وأساليب تنقل وتخفٍّ معقدة، ساعدت قيادات سياسية وعسكرية على الإفلات من الاستهداف لفترات طويلة.

لكن الأسابيع القليلة الماضية كشفت، وفق المصدر ذاته، عن تحول لافت في وتيرة الاغتيالات ودقتها. فقد بلغت هذه العمليات ذروتها باغتيال قائد «كتائب القسام» عز الدين الحداد في 15 مايو/أيار الماضي، بعد عقود من الملاحقة. وبعد أقل من أسبوعين، اغتالت إسرائيل خليفته محمد عودة، كما طالت عمليات التصفية القيادي البارز في «القسام» عماد إسليم. وتشير الرواية المنقولة عن مصادر الحركة إلى أن محاولة أخرى استهدفت قائد لواء الشمال، لكنه نجا.

ولم تقتصر الاغتيالات، بحسب ما أوردته «الشرق الأوسط»، على القيادات العليا، بل شملت نشطاء ميدانيين بارزين، بينهم من تتهمهم إسرائيل بالمشاركة في هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إضافة إلى مسؤولين في مجالات التصنيع العسكري.

تحقيقات داخلية وثغرات أمنية محتملة

تقول مصادر ميدانية من «حماس» للصحيفة إن كل عملية اغتيال تخضع لتحقيق داخلي من مختصين أمنيين، بهدف تتبع أي ثغرات أو مؤشرات قد تكون ساعدت إسرائيل في الوصول إلى الهدف. ووفق هذه المصادر، فإن الأسئلة داخل الحركة وخارجها تتركز حول سبب تسارع الاغتيالات، وما إذا كان ذلك نتيجة اختراقات بشرية، أم تطور في أدوات الرصد، أم تغيّر في البيئة الميدانية بعد تدمير الأنفاق.

وتشير المصادر إلى أن العامل الاستخباري الإسرائيلي تنامى بصورة واضحة، سواء عبر التكنولوجيا أو عبر متخابرين على الأرض، لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن تدمير الأنفاق كان أحد أبرز التحولات التي أثرت في نمط حماية القيادات.

الأنفاق من ملاذ استراتيجي إلى مساحة خطرة

بحسب أربعة مصادر ميدانية تحدثت إلى «الشرق الأوسط»، فإن الحملة العسكرية الإسرائيلية المكثفة ضد الأنفاق أدت إلى تدمير «أعداد كبيرة جداً» منها خلال الحرب وبعدها. وكانت «حماس» قد عملت، على مدى نحو عقدين، على بناء شبكة أنفاق واسعة ومتعددة الوظائف، بعضها مخصص للدفاع، وبعضها للهجوم، وأخرى للقيادة والسيطرة والتنقل.

وتوضح المصادر أن الضربات الجوية والعمليات البرية الإسرائيلية أصابت أجزاء كبيرة من هذه الشبكة، وتسببت في فترات مختلفة بمقتل نشطاء وقيادات، بل ومختطفين إسرائيليين كانوا محتجزين داخل بعض الأنفاق، وفق الرواية التي نقلتها الصحيفة.

ويقول أحد المصادر إن قيادة «المقاومة» قررت، بعد تصاعد الاستهداف، تقليص الاعتماد على الأنفاق كمواقع إقامة أو تخفٍّ طويلة الأمد، حفاظاً على حياة القيادات والنشطاء والمختطفين الذين كانت الحركة تسعى إلى مبادلتهم بأسرى فلسطينيين.

وتفيد المصادر بأن قرار الخروج من الأنفاق لم يكن فورياً مع بداية الحرب، إذ استمرت الحركة في استخدامها في مناطق عدة بسبب اتساع الشبكة. لكن مع نهاية مارس/آذار 2024، وبعد تكثيف الغارات على أنفاق كان بداخلها نشطاء ومختطفون، اتُخذ قرار بنقل عدد من الموجودين فيها إلى أماكن فوق الأرض.

نقطة تحول في معادلة الاختباء

تصف مصادر «حماس» المرحلة التي أعقبت تقليص استخدام الأنفاق بأنها «نقطة تحول». فبدلاً من أن تكون الأنفاق أماكن إقامة آمنة نسبياً للقيادات، أصبحت تُستخدم بشكل مؤقت للتنقل أو تنفيذ هجمات محددة أو التخفي لفترات قصيرة.

ورغم ذلك، لجأت قيادات سياسية وعسكرية إلى الأنفاق في مراحل لاحقة تحت ضغط الملاحقة الإسرائيلية. ووفق ما نقلته «الشرق الأوسط»، أُُغتيل عضوا المكتب السياسي في «حماس» روحي مشتهى وسامح السراج، مع قيادات ميدانية من «القسام»، داخل نفق في منطقة الصناعة جنوب مدينة غزة في يوليو/تموز 2024. كما أُغتيل محمد السنوار والقيادي في «القسام» محمد شبانة وآخرون في أنفاق متشعبة قرب محيط المستشفى الأوروبي في خان يونس في مايو/أيار 2025.

ويقول مصدر ميداني للصحيفة إن تضييق الخيارات أمام القيادات دفع بعضها إلى العودة للأنفاق رغم المخاطر. ويشير إلى أن عز الدين الحداد كان من بين من استخدموا الأنفاق بكثرة للتنقل خلال ذروة العمليات الإسرائيلية شمال غزة، وأنه نجا أكثر من مرة عندما كانت القوات الإسرائيلية تنفذ عمليات فوق الأرض بينما كان يتحرك تحتها عبر مسارات متشعبة.

لكن المصدر ذاته يوضح أن الحداد وقيادات أخرى لم يكونوا يعتبرون الأنفاق ملاذاً آمناً دائماً، ولذلك أمضوا فترات طويلة فوق الأرض خلال الحرب وبعد وقف إطلاق النار، متنقلين بطرق تمويه مختلفة ومن دون مرافقة أمنية ظاهرة، وبوسائل اتصال محدودة ومتغيرة.

انكماش الجغرافيا الآمنة غرب «الخط الأصفر»

لا تحصر المصادر أسباب تسارع الاغتيالات في ملف الأنفاق. فبحسب روايتها لـ«الشرق الأوسط»، أدى توسع السيطرة الإسرائيلية شرق ما يعرف بـ«الخط الأصفر» إلى حصر غالبية السكان في المناطق الغربية من القطاع، ما قلص مساحة الاختباء والمناورة أمام قيادات ونشطاء الفصائل.

وتقول المصادر إن كثيراً من القيادات والنشطاء باتوا يعيشون في مناطق مكتظة بين مئات آلاف النازحين، بعد فقدانهم منازلهم أو أماكنهم التنظيمية، ما جعلهم أكثر عرضة للرصد والمتابعة. كما أن وجودهم قرب عائلاتهم أو داخل خيام ومناطق نزوح محددة أضعف قدرة الحركة على فصلهم أمنياً عن محيطهم الاجتماعي.

ووفق تقرير «الشرق الأوسط»، تشهد المناطق الواقعة داخل وعلى حدود «الخط الأصفر» عمليات نسف يومية تستهدف ما تبقى من منازل وأنفاق وبنية تحتية، وهو ما يمنح إسرائيل، بحسب المصادر، قدرة أكبر على إعادة تشكيل المجال الأمني وتدمير مسارات أنفاق قريبة من مناطق انتشارها.

التكنولوجيا وبصمة الصوت والمتخابرون

تعطي المصادر الميدانية التي تحدثت إلى الصحيفة وزناً كبيراً للتكنولوجيا الإسرائيلية في تفسير سرعة الوصول إلى بعض الأهداف. وتشير إلى الاستخدام الكثيف للمسيّرات في أجواء غزة، وإلى أدوات مراقبة وتنصت مرتبطة ببرامج سيبرانية وقدرات ذكاء اصطناعي.

ويقول أحد المصادر إن إسرائيل تستخدم، وفق تقديره، تقنيات قادرة على تتبع بصمة الصوت وربما مؤشرات حيوية أخرى، عبر مسيّرات وأدوات تنصت تعمل في نطاقات محددة. وشرح أن هذه الأدوات قد تساعد على مقارنة أصوات أو إشارات ميدانية بتسجيلات سابقة حصلت عليها إسرائيل من اتصالات أو اعتقالات أو مصادر أخرى.

كما تحدثت المصادر عن زرع أجهزة تجسس صغيرة، بعضها مزود بكاميرات أو أجهزة تسجيل، في مناطق دخلتها القوات الإسرائيلية أو ألقتها مسيّرات، بحسب ما نقلته «الشرق الأوسط». ولم يتسن التحقق المستقل من هذه التفاصيل التقنية.

إلى جانب التكنولوجيا، لا تستبعد المصادر دور العنصر البشري. وتقول إن عدداً من المتخابرين مع إسرائيل جرى اعتقالهم أو تصفيتهم، وإن بعضهم كان من داخل بيئة «حماس» و«القسام»، بينما كانت الغالبية من خارجها.

وبحسب مصدرين تحدثا للصحيفة، اعتُقل شخص من خارج «حماس» للاشتباه بعلاقته باغتيال عز الدين الحداد، بعد رصده في موقع الاغتيال وفي مكان آخر كان يوجد فيه الحداد سابقاً. وقال أحد المصدرين إن المشتبه به اعترف بتتبع الحداد بتعليمات من ضابط مخابرات إسرائيلي، كان يزوده بأماكن مرتبطة بعائلة الحداد، ما عزز فرضية وجود شبكة أوسع لا تزال التحقيقات جارية بشأنها.

رسائل المفاوضات كثغرة محتملة

تشير مصادر «حماس» أيضاً إلى أن آلية نقل الرسائل المرتبطة بالمفاوضات والاتصالات السياسية قد تكون إحدى الثغرات التي تابعتها إسرائيل. وتقول المصادر إن التحقيقات الداخلية تبحث ما إذا كانت هذه المسارات قد ساهمت فعلياً في بعض الاغتيالات، أم أن الربط بينها وبين الاستهدافات لا يزال في إطار الفرضيات الأمنية.

وفي ذروة الحرب، وفق ما أوردته «الشرق الأوسط»، نفذت فصائل فلسطينية إعدامات بحق فلسطينيين اتهمتهم بالتخابر مع إسرائيل، بعد ما وصفته «كتائب القسام» بـ«محاكم ثورية». وكان من بين هؤلاء شخص من داخل «حماس» وآخر من خارجها، اتُهما بتقديم معلومات ساعدت في الوصول إلى قائد «القسام» الراحل محمد الضيف، الذي اغتيل في يوليو/تموز 2024، بحسب الرواية المنقولة.

خلاصة أمنية

تقدّم رواية المصادر الميدانية من «حماس»، كما نقلتها «الشرق الأوسط»، صورة لتحول أمني عميق في غزة بعد عامين من الحرب. فالأنفاق التي شكلت لسنوات أحد أهم عناصر الحماية والمباغتة، تحولت جزئياً إلى هدف مكشوف. والمساحة الجغرافية المتاحة للحركة تقلصت بفعل السيطرة الإسرائيلية والنزوح الواسع. وفي المقابل، توسع حضور التكنولوجيا والاستخبارات البشرية في ميدان شديد الاكتظاظ والانكشاف.

وبين هذه العوامل مجتمعة، تبدو الاغتيالات الأخيرة، وفق تقدير المصادر، نتيجة تآكل تدريجي في البيئة الأمنية التقليدية التي اعتمدت عليها «حماس» و«القسام»، لا مجرد نجاح استخباري منفرد أو ضربة عابرة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - غزة- (الشرق الأوسط)