الكنيست يوسّع اقتطاعات أموال المقاصة الفلسطينية: قانون جديد يعمّق خنق السلطة مالياً

الكنيست (Getty Images).jpg

صادقت الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي، يوم الإثنين 8 يونيو/حزيران 2026، بالقراءتين الثانية والثالثة، على مشروع قانون جديد يوسّع آليات اقتطاع الأموال من السلطة الفلسطينية، من خلال السماح لإسرائيل بخصم مبالغ إضافية من أموال المقاصة التي تجبيها نيابة عن الفلسطينيين، بذريعة تغطية تعويضات ومدفوعات مرتبطة بعمليات فلسطينية.

ويشكّل القانون، الذي بادر إليه عضو الكنيست عن حزب الليكود أفيحاي بوآرون، حلقة جديدة في سلسلة تشريعات وسياسات إسرائيلية تستهدف أموال المقاصة، التي تُعد من أهم مصادر الإيرادات العامة للسلطة الفلسطينية، وتستخدمها الحكومة الإسرائيلية أداة ضغط مالي وسياسي متصاعدة.

وبحسب نص القانون، ستشمل الاقتطاعات الجديدة مبالغ تدفعها إسرائيل كتعويضات للمتضررين من العمليات، إضافة إلى مدفوعات التأمين الوطني للمصابين وعائلات القتلى، وتعويضات أضرار الممتلكات التي تُدفع عبر صندوق التعويضات وضريبة الأملاك.

وينص القانون على أن يرفع وزير المالية الإسرائيلي تقريراً سنوياً إلى المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية، “الكابينيت”، يتضمن حجم المدفوعات والتعويضات التي صُرفت خلال العام السابق على خلفية هذه العمليات. وبناء على القانون، يقرر الكابينيت حجم الأموال التي ستُقتطع من أموال المقاصة الفلسطينية خلال العام اللاحق.

كما يحدد القانون آلية لاستخدام الأموال المقتطعة، بحيث تُحوّل بداية لتغطية التعويضات والديون المستحقة للمتضررين، وفي حال تبقي فائض منها، يُحوّل إلى خزينة الدولة الإسرائيلية.

ووفق القانون، ستسري الاقتطاعات على المدفوعات والتعويضات التي صُرفت اعتباراً من الأول من كانون الثاني/يناير 2025، كما يُلزم الجهات الحكومية الإسرائيلية المختلفة بتزويد وزارة المالية بالمعطيات اللازمة لاحتساب قيمة الأموال التي سيتم اقتطاعها.

وعقب المصادقة على القانون، قال بوآرون إن “السلطة الفلسطينية اختارت على مدار سنوات تشجيع الإرهاب، وقد حان الوقت لكي تتحمل نتائجه”، وفق تعبيره، معتبراً أن القانون يشكل أداة ضغط جديدة على السلطة.

ويأتي التشريع الجديد في سياق سياسة إسرائيلية معلنة لتكثيف الضغوط الاقتصادية على السلطة الفلسطينية، يقودها وزير المالية والوزير في وزارة الجيش بتسلئيل سموتريتش، الذي دعا مراراً إلى تقليص مصادر تمويل السلطة ودفعها نحو مزيد من الضائقة المالية.

وتتعامل الحكومة الإسرائيلية مع أموال المقاصة بوصفها رافعة سياسية وأمنية، إذ لا تقتصر الاقتطاعات على المخصصات التي تقول إسرائيل إن السلطة تدفعها للأسرى وعائلات الشهداء، بل اتسعت خلال السنوات الأخيرة لتشمل بنوداً إضافية، من بينها ديون مزعومة وتعويضات مدنية ومطالبات مرتبطة بأحداث أمنية.

وتُعرّف أموال المقاصة بأنها الضرائب والجمارك والرسوم التي تجبيها إسرائيل على الواردات الفلسطينية، وفق الترتيبات الاقتصادية المرتبطة ببروتوكول باريس، ثم يفترض أن تحولها شهرياً إلى خزينة السلطة الفلسطينية. وتمثل هذه الأموال شرياناً أساسياً لتمويل الرواتب والخدمات العامة والالتزامات التشغيلية للحكومة الفلسطينية.

ويرى مراقبون أن القانون الجديد لا يمكن فصله عن الأزمة المالية المتفاقمة التي تواجهها السلطة الفلسطينية، في ظل استمرار الاقتطاعات والحجوزات الإسرائيلية وتراجع المساعدات الخارجية وتراكم الديون والمتأخرات. وقد أدى ذلك خلال السنوات الأخيرة إلى دفع رواتب منقوصة للموظفين العموميين، وتراجع قدرة الحكومة على تمويل الخدمات الأساسية.

كما يأتي القانون في لحظة سياسية حساسة، تتصاعد فيها الضغوط الإسرائيلية على السلطة الفلسطينية بالتوازي مع الحرب على قطاع غزة، واتساع العمليات العسكرية في الضفة الغربية، وتنامي الدعوات داخل اليمين الإسرائيلي إلى إضعاف السلطة أو إعادة تشكيل دورها السياسي والأمني.

ومن المتوقع أن يفاقم التشريع الجديد حالة التوتر بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، إذ ترى رام الله أن أموال المقاصة أموال فلسطينية خالصة وليست منّة إسرائيلية، وأن اقتطاعها يشكل إجراءً أحادياً يمس قدرة الحكومة الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين.

أما على المستوى الاقتصادي، فقد يؤدي توسيع الاقتطاعات إلى تعميق أزمة السيولة لدى السلطة، وزيادة عجزها المالي، ورفع مستوى الديون الداخلية، بما ينعكس مباشرة على الموظفين والقطاع الخاص ومقدمي الخدمات في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وبذلك، ينتقل ملف المقاصة من كونه خلافاً مالياً متكرراً إلى أداة تشريعية دائمة في يد الحكومة الإسرائيلية، بما يمنح الكابينيت ووزارة المالية صلاحيات أوسع لاحتجاز أموال فلسطينية وتحويلها إلى جهات إسرائيلية، ضمن سياسة ضغط اقتصادي مرشحة لمزيد من التصعيد خلال المرحلة المقبلة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - تل أبيب/رام الله