أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، مساء الإثنين 8 يونيو/حزيران 2026، أن جولة التصعيد الأخيرة مع إيران “توقفت في هذه المرحلة”، محذراً في الوقت نفسه من أن أي هجوم إيراني جديد على إسرائيل سيُقابل برد قوي، وذلك في أول بيان إعلامي له منذ اندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة بين الجانبين.
وقال نتنياهو إن إيران وحزب الله حاولا، خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، فرض “معادلة جديدة” على إسرائيل، تقوم على إطلاق النار من لبنان وإيران باتجاه الأراضي الإسرائيلية من دون أن ترد تل أبيب. وأضاف: “هذه المعادلة غير مقبولة، ولا أستطيع تحملها. كانوا يعتقدون أنهم سيطلقون النار من الأراضي اللبنانية وإيران على إسرائيل وأننا لن نتحرك. هذا لم يحدث، ولن يحدث أيضاً. ليس في فترتي”.
وأكد نتنياهو أن “النار محاصرة حالياً”، على حد تعبيره، قائلاً إن إيران أوقفت هجماتها بعدما وجهت إسرائيل ضربات داخل الأراضي الإيرانية. لكنه شدد على أن تل أبيب تحتفظ بما وصفه بـ”الحق الكامل في الدفاع عن النفس”، مضيفاً: “إذا ارتكب النظام في إيران خطأ وعاد لمهاجمتنا، سنرد بقوة”.
معادلة لبنان في قلب التصعيد
جاءت تصريحات نتنياهو في أعقاب جولة تبادل ضربات هي الأبرز منذ وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران في نيسان/أبريل الماضي. وبدأ التصعيد الأخير، وفق الرواية الإسرائيلية، عقب استهداف إسرائيل موقعاً لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، تبعه رد إيراني بإطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.
وأعلنت إيران، من جانبها، وقف عملياتها العسكرية ضد إسرائيل في هذه المرحلة، لكنها حذرت من أنها ستستأنف الهجمات “بقوة أشد” إذا واصلت إسرائيل هجماتها في لبنان، ولا سيما ضد حزب الله. وبذلك، ربطت طهران بصورة مباشرة بين جبهة لبنان ومسار التهدئة مع إسرائيل، وهو الربط الذي ترفضه تل أبيب وتعتبره محاولة لتقييد عملياتها ضد حزب الله.
وقال مقر “خاتم الأنبياء”، غرفة العمليات المركزية في إيران، إن القوات المسلحة الإيرانية نفذت “رداً مؤلماً” على الهجمات الإسرائيلية، معلنة وقف العمليات بعد تحقيق أهدافها. لكنها حذرت من أن استمرار “العدوان والأعمال العدائية”، بما في ذلك في جنوب لبنان، سيقابل برد أكثر شدة.
كاتس: كل هجوم من لبنان سيقابله قصف في الضاحية
في السياق ذاته، صعّد وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس لهجته ضد إيران وحزب الله، مؤكداً أن إسرائيل ترفض التهديدات الإيرانية وتعارض أي محاولة لربط الجبهتين اللبنانية والإيرانية.
وقال كاتس إن أي استهداف لإسرائيل، سواء بشكل مباشر من إيران أو عبر جبهات أخرى، سيُقابل برد عسكري “بشدة كبيرة”. وأضاف أن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته في لبنان ضد حزب الله، محذراً من أن كل هجوم على بلدات الشمال سيقابله قصف في الضاحية الجنوبية لبيروت.
وتعكس تصريحات كاتس تمسك إسرائيل بما تعتبره “قواعد اشتباك جديدة” في لبنان، تقوم على الرد المباشر على أي إطلاق نار من الأراضي اللبنانية بضربات في عمق مناطق نفوذ حزب الله، خصوصاً الضاحية الجنوبية، وليس الاكتفاء بضربات محدودة قرب الحدود.
ترامب يضغط لوقف هجوم إسرائيلي واسع
ورغم لهجة التهديد الإسرائيلية، كشفت تقارير إسرائيلية وأميركية أن جولة التصعيد كادت تتطور إلى هجوم إسرائيلي واسع داخل إيران، قبل أن يتدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاحتوائه.
وبحسب تقارير القناة 12 وإذاعة الجيش الإسرائيلي، كانت إسرائيل قد جهزت عشرات المقاتلات لتنفيذ هجوم واسع ضد أهداف في إيران، قبل أن يصدر نتنياهو وكاتس تعليمات بوقف العملية في اللحظات الأخيرة، بعد اتصال مباشر من ترامب.
ونقلت القناة 12 عن ترامب أنه حذر نتنياهو من أن الرد الواسع على إيران قد يجره إلى مواجهة أكبر يجد نفسه فيها “وحيداً”، مشيراً إلى أنه طلب من رئيس الحكومة الإسرائيلية عدم الرد على الهجوم الإيراني أو تقليص حجم الرد قدر الإمكان.
وتفيد الروايات الإسرائيلية بأن نتنياهو حاول الموازنة بين الرد على إيران والحفاظ على التنسيق مع واشنطن، في وقت تخشى فيه الإدارة الأميركية أن يؤدي التصعيد إلى انهيار المفاوضات الجارية مع طهران للتوصل إلى اتفاق أوسع في المنطقة.
إيران توسّع رسائل الردع: من هرمز إلى باب المندب
على الضفة الإيرانية، أطلق تهديداً جديداً، معلناً أن ما وصفه بـ”محور المقاومة” يسعى إلى إنشاء “حزام أمني” يمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، مروراً بالخليج العربي والبحر الأحمر.
وقال قاآني إن أي هجمات تنفذها إسرائيل أو الولايات المتحدة في المنطقة ستواجه برد من “جبهة موحدة للمقاومة”، في إشارة إلى القوى الحليفة لإيران في لبنان واليمن والعراق وفلسطين.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها تنقل التهديد الإيراني من ساحة المواجهة المباشرة مع إسرائيل إلى نطاق أوسع يشمل الممرات البحرية الحساسة، وعلى رأسها مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر. وهو ما يرفع المخاوف من تحوّل أي تصعيد جديد إلى أزمة إقليمية تمس حركة الطاقة والتجارة الدولية.
الجبهة الداخلية الإسرائيلية تعود تدريجياً إلى النشاط
بالتزامن مع إعلان توقف الهجمات، قررت قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية تخفيف القيود التي فرضت خلال جولة التصعيد مع إيران، وإعادة معظم مناطق البلاد إلى مستوى النشاط الكامل اعتباراً من صباح الثلاثاء.
كما أعلنت وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية استئناف التعليم الحضوري في المؤسسات التعليمية، مع إبقاء ترتيبات خاصة في المناطق القريبة من الحدود مع لبنان، حيث لا تزال التقديرات الأمنية تشير إلى احتمال تجدد المواجهة مع حزب الله.
ويعكس هذا القرار تقديراً إسرائيلياً بأن خطر الهجمات الإيرانية المباشرة تراجع مؤقتاً، لكن استمرار القيود في الشمال يؤكد أن جبهة لبنان لا تزال مصدر القلق الأكبر بالنسبة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
تهدئة مؤقتة لا تنهي الأزمة
ورغم إعلان الطرفين وقف الهجمات المتبادلة، فإن التصعيد الأخير كشف هشاشة التهدئة بين إيران وإسرائيل، وأظهر أن جبهة لبنان باتت عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل المواجهة.
فإسرائيل تصر على مواصلة ضرباتها ضد حزب الله في لبنان، وتعتبر أن وقف إطلاق النار مع إيران لا يمنعها من العمل عسكرياً على الجبهة اللبنانية. في المقابل، تحاول طهران فرض معادلة تربط بين أمن لبنان ووقف الهجمات على إسرائيل، بما يمنح حزب الله غطاءً سياسياً وعسكرياً أوسع.
أما الولايات المتحدة، فتسعى إلى منع الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة، خصوصاً في ظل مفاوضات مع إيران تقول واشنطن إنها قد تفضي إلى اتفاق أوسع. ومن هنا جاء تدخل ترامب المباشر للضغط على نتنياهو ومنع هجوم واسع كان يمكن أن يعيد المنطقة إلى مسار الحرب الشاملة.
وبين تهديدات نتنياهو وكاتس، ورسائل قاآني، وضغوط ترامب، تبدو المنطقة أمام وقف نار هش أكثر من كونها أمام تهدئة مستقرة. فالهدوء الحالي لا يرتبط فقط بما يجري بين تل أبيب وطهران، بل بما ستشهده جبهة لبنان في الأيام المقبلة، وما إذا كانت إسرائيل ستواصل ضرب الضاحية والجنوب، أو ستقبل بتجميد التصعيد لإفساح المجال أمام المسار الدبلوماسي.
