معركة الصياغات الدقيقة والضمانات الملزمة في القاهرة .. نزع أم حصر وتخزين السلاح .. وهل تتم العملية قبل الانسحاب الإسرائيلي أم بعده ؟

استئناف عمليات البحث عن جثة الرهينة الإسرائيلي الأخير، ران غفيلي، في حي الزيتون بمدينة غزة، وترافق العمليات الجارية في المنطقة آليات ثقيلة من مصر، وفرق من كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة

بينما تتجه الأنظار إلى ما يجري ميدانياً في قطاع غزة من قصف متقطع، وخروقات متواصلة، ومعاناة إنسانية لا تهدأ، تدور في القاهرة معركة سياسية موازية لا تقل حساسية عن المشهد العسكري. إنها معركة الصياغات الدقيقة، والضمانات الملزمة، والربط بين الأمن والسياسة والانسحاب والإغاثة.

في الكواليس المصرية، لا تبدو المباحثات الجارية بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء في حالة انهيار، بل أقرب إلى محاولة شاقة لاختبار آخر مساحة ممكنة بين مطلب إسرائيلي ـ أميركي واضح عنوانه نزع سلاح الفصائل، وموقف فلسطيني يسعى إلى تحويل هذا العنوان من صيغة الإملاء الأمني إلى مقاربة سياسية تدريجية، مشروطة، ومتصلة بمستقبل غزة لا بمصير فصيل بعينه.

المعلومات المتقاطعة من أجواء الحوار تشير إلى أن العقدة الأساسية لم تعد في أصل النقاش حول ملف السلاح، بل في تعريف العملية نفسها: هل هي نزع سلاح؟ أم حصر للسلاح؟ أم تخزين وتجميد لاستخدامه؟ وهل تتم قبل الانسحاب الإسرائيلي أم بعده؟ ومن هي الجهة التي ستتسلمه؟ ومن يضمن ألا يتحول الأمر إلى خطوة أحادية تُنتزع من الفلسطينيين دون مقابل سياسي أو ميداني واضح؟

هذه الأسئلة جعلت البندين المرتبطين بالترتيبات الأمنية، ولا سيما البند الثامن في خريطة الطريق المطروحة، محور النقاش الأشد تعقيداً. غير أن اللافت في الساعات الأخيرة أن النقاش، وفق مصادر فلسطينية وإعلامية متقاطعة، انتقل من مربع الرفض المطلق إلى مربع البحث في صياغة قابلة للحياة. وهذا التحول، إن ثبت، يعني أن الوسطاء نجحوا جزئياً في نقل الملف من لغة “التسليم” إلى لغة “الحصر”، ومن منطق الخطوة المنفردة إلى منطق التدرج والتوازي والضمانات.

وتقوم الصيغة التي يجري التداول حولها على عدة محددات فلسطينية أساسية. أولها رفض تسليم أي سلاح لإسرائيل أو لأي جهة غير فلسطينية. وثانيها حصر أي إجراء متعلق بالسلاح في إطار فلسطيني يتم التوافق عليه، سواء عبر لجنة إدارة غزة أو لجنة وطنية ذات غطاء فلسطيني وعربي ودولي. وثالثها أن تكون العملية تدريجية، مرتبطة بجدول زمني، ومتزامنة مع انسحاب إسرائيلي واضح من المناطق التي لا تزال تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي داخل القطاع. أما المحدد الرابع، وربما الأكثر حساسية، فهو عدم المساس بالسلاح الفردي، والتركيز ـ إن حصل توافق ـ على السلاح الثقيل أو القديم أو البنى العسكرية التي يمكن التعامل معها ضمن ترتيب أوسع.

بهذا المعنى، تحاول الفصائل أن تمنع تحويل السلاح إلى بند معزول عن السياق السياسي. فالموقف الفلسطيني المعلن في أجواء المباحثات يقوم على أن أي بحث في هذا الملف يجب أن يرتبط بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وفي مقدمتها وقف الخروقات والاغتيالات، فتح المعابر، إدخال المساعدات والبضائع، بدء إعادة تأهيل المدارس والمستشفيات، تفكيك المجموعات المسلحة الخارجة عن الإجماع الفلسطيني، وتمكين لجنة إدارة غزة من مباشرة مهامها داخل القطاع.

هذه المقاربة لا تعني أن اتفاقاً نهائياً وُلد في القاهرة، لكنها تعني أن لغة جديدة بدأت تفرض نفسها على الطاولة: “خطوة مقابل خطوة”. فكل إجراء فلسطيني في ملف السلاح، وفق ما يجري بحثه، يجب أن يقابله إجراء إسرائيلي ملموس في ملف الانسحاب أو المعابر أو وقف النار أو تمكين الإدارة الفلسطينية الجديدة. وبذلك يصبح ملف السلاح جزءاً من سلّة سياسية وأمنية وإنسانية واحدة، لا شرطاً مسبقاً يجمّد كل ما عداه.

من هنا تبرز أهمية الدور المصري. فالقاهرة لا تدير مجرد حوار تقني حول بنود مكتوبة، بل تحاول هندسة مخرج سياسي يحفظ الحد الأدنى من قابلية الاتفاق للحياة. فهي تدرك أن فرض صيغة قاسية على الفصائل قد يؤدي إلى تفجير المحادثات، كما تدرك أن ترك ملف السلاح بلا صياغة سيُبقي إسرائيل والولايات المتحدة عند ذريعة التعطيل ذاتها. لذلك تبدو الوساطة المصرية، ومعها القطرية والتركية، في موقع الباحث عن جسر: جسر يطمئن الفلسطينيين إلى أن السلاح لن يتحول إلى بوابة لتصفية القضية، ويمنح واشنطن وتل أبيب عنواناً يمكن تسويقه باعتباره تقدماً أمنياً.

في المقابل، تبقى الكرة في ملعب إسرائيل والولايات المتحدة ومجلس السلام. فالفصائل، وفق ما يتسرب من القاهرة، لا تعرض تنازلاً مجانياً، بل رداً مشروطاً على خريطة الطريق. وهذا يعني أن قبول الصياغة الفلسطينية ـ إن اكتملت ـ سيتطلب قراراً سياسياً من الأطراف المقابلة: هل تقبل إسرائيل بالانسحاب المتدرج مقابل الحصر المتدرج للسلاح؟ هل توافق على دخول لجنة إدارة غزة؟ هل تتوقف الاغتيالات والخروقات؟ وهل تُفتح المعابر بما يسمح بتحسين حقيقي في الوضع الإنساني؟

حتى الآن، لا توجد إجابات نهائية. لكن الواضح أن النقاش تجاوز مرحلة الشعارات، ودخل مرحلة الاختبار العملي. فقد بات السؤال المطروح في القاهرة ليس: هل يقبل الفلسطينيون بتسليم السلاح؟ بل: كيف يمكن وضع ترتيبات فلسطينية للسلاح ضمن مسار سياسي شامل، ومن دون أن تتحول هذه الترتيبات إلى استسلام أمني أو إلى مكافأة مجانية للاحتلال؟

في الخلفية، يبرز اسم نيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى لغزة في مجلس السلام، بوصفه صاحب خريطة الطريق التي تحاول الأطراف تعديلها وإعادة تدويرها. فالورقة الأصلية، وفق ما نُشر، تضمنت بنوداً تتعلق بإدارة غزة، والقوة الدولية، والتحقق من التنفيذ، وحصر السلاح، والانتقال إلى مراحل لاحقة من اتفاق وقف إطلاق النار. غير أن الفصائل رأت أن الورقة بصيغتها الأولى تضع السلاح في مقدمة المسار، فيما تضع المطالب الإنسانية والسياسية الفلسطينية في موقع لاحق أو مشروط. ولذلك جاءت التعديلات المطروحة لمحاولة إعادة ترتيب الأولويات: لا سلاح قبل الانسحاب، لا ترتيبات أمنية قبل وقف الخروقات، ولا إدارة جديدة لغزة من دون تمكين فعلي على الأرض.

ميدانياً، يزيد استمرار التصعيد الإسرائيلي من صعوبة المهمة. فكل غارة جديدة، وكل ضحية جديدة، وكل تعطيل للمساعدات، يعمّق الشك الفلسطيني في جدوى الضمانات. كما أن بقاء القوات الإسرائيلية في مساحات واسعة من القطاع يضعف أي حديث عن انتقال فعلي إلى مرحلة سياسية جديدة. لذلك تبدو القاهرة وكأنها تفاوض على جبهتين في وقت واحد: جبهة النصوص داخل غرف الاجتماعات، وجبهة الوقائع التي تفرضها إسرائيل على الأرض.

ومع ذلك، فإن أهمية اللحظة تكمن في أن الانسداد بدأ يتزحزح قليلاً. فالفصائل التي كانت ترفض تحويل السلاح إلى شرط مسبق، باتت تبحث في مقاربة لا تفصل السلاح عن الانسحاب والحل السياسي. والوسطاء الذين كانوا يصطدمون بجدار الرفض، باتوا أمام صيغة يمكن تطويرها إذا توفرت ضمانات حقيقية. أما إسرائيل، فإنها ستجد نفسها أمام اختبار مختلف: إما التعامل مع المخرج السياسي بوصفه فرصة لتثبيت وقف النار، أو إسقاطه بالتمسك بمنطق الشروط الأحادية.

لهذا يمكن القول إن القاهرة لا تبحث اليوم عن اتفاق جديد بقدر ما تبحث عن صيغة إنقاذ للاتفاق القديم. صيغة تعبر فوق العقدة الأصعب: عقدة السلاح. فإذا نجحت، قد تفتح الباب أمام مرحلة ثانية أكثر وضوحاً في غزة. وإذا فشلت، فإن العودة إلى الجمود لن تعني فقط تعطيل المفاوضات، بل إطالة أمد النزف الإنساني والسياسي في القطاع.

في المحصلة، لا يبدو أن السلاح اقترب من “نهاية” ملفه، لكنه اقترب من مخرج سياسي للنقاش حوله. والفارق كبير بين الأمرين. فالأول يعني الحسم، وهو غير متوفر. أما الثاني فيعني أن القاهرة نجحت، ولو مؤقتاً، في تحويل العقدة من جدار مغلق إلى ممر تفاوضي ضيق. وفي السياسة، كما في الحروب، أحياناً يكفي فتح الممر كي يبدأ البحث عن الطريق.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القاهرة/غزة