صيغة فلسطينية معدّلة لـ«البند الثامن» تضع سلاح غزة في عهدة وطنية وترهن التنفيذ بالانسحاب الإسرائيلي

عمال وآليات ثقيلة يزيلون النفايات المتراكمة من سوق فراس وسط مدينة غزة، 9 يونيو/حزيران 2026. تصوير: بلال أسامة

القاهرة تنتظر ردّ إسرائيل وواشنطن على مقترح حصر وتخزين السلاح تدريجياً... وملف المرحلة الثانية يصطدم بعقدة الضمانات

تتجه أنظار الوسطاء في ملف وقف إطلاق النار بقطاع غزة إلى الموقفين الأميركي والإسرائيلي من صيغة فلسطينية معدّلة للبند الثامن في خريطة الطريق المطروحة للانتقال إلى مراحل جديدة من الاتفاق، وسط رهان فلسطيني وعربي على قدرة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الضغط باتجاه قبول مقاربة لا تقوم على تسليم السلاح لإسرائيل، بل على حصره وتخزينه تدريجياً ضمن إطار فلسطيني وبإسناد دولي.

وبحسب مصادر فلسطينية مطلعة على لقاءات القاهرة، فإن الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة «حماس»، توصلت إلى مواقف «متقاربة» مع الوسطاء من مصر وقطر وتركيا حول التعديلات المقترحة على خريطة الطريق المؤلفة من 15 بنداً، والتي تسلمتها «حماس» في أبريل الماضي. وتركزت المداولات بصورة أساسية على البند الثامن، باعتباره أكثر البنود حساسية وتعقيداً، لارتباطه بمستقبل السلاح في غزة وبترتيبات الأمن والحكم والانسحاب الإسرائيلي من القطاع.

وتنص الصيغة المعدلة، وفق ما أوردته مصادر مطلعة، على تنفيذ عملية «حصر وتخزين السلاح والبنى التحتية» بصورة تدريجية وعلى مراحل، ووفق جدول زمني متزامن مع انسحاب إسرائيل من المناطق التي تسيطر عليها في قطاع غزة. كما تربط الصيغة تنفيذ هذا المسار باستكمال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، بما يشمل تنفيذ البروتوكول الإنساني كاملاً، ووقف الاستهدافات، والالتزام ببنود الانسحاب، إضافة إلى دخول «اللجنة الوطنية» ومباشرة مهامها، وانتشار «قوة الاستقرار الدولية»، وتفكيك الميليشيات المسلحة.حسب صحيفة " الشرق الأوسط"

وتضيف الصيغة أن التنفيذ يتم من خلال اللجنة الوطنية الفلسطينية، وبإسناد القوات الدولية، وبالتعاون مع التنظيمات الفلسطينية، على أن تتولى لجنة تحقق متابعة التنفيذ. وتؤكد، وفق المصادر ذاتها، عدم تسليم أي أسلحة للاحتلال الإسرائيلي أو لأي جهة غير فلسطينية، على أن يجري ذلك في إطار خطة ترامب ووفق القرارات والقوانين الدولية ذات الصلة.

وتكشف هذه الصياغة عن محاولة فلسطينية لإعادة تعريف بند السلاح من زاوية «الحصر والتخزين» لا «التسليم»، ومن داخل إطار فلسطيني لا خارجي، بما يتيح للوسطاء تقديمها باعتبارها مقاربة أمنية قابلة للتطبيق، وفي الوقت نفسه تخفف من الاعتراضات الفلسطينية على أي صيغة قد تُفسَّر على أنها نزع كامل وفوري للسلاح تحت ضغط إسرائيلي.

وتقول مصادر من «حماس» وفصائل شاركت في لقاءات القاهرة إن الوسطاء طلبوا من وفد الحركة البقاء في العاصمة المصرية بانتظار الرد على الصيغة المعدلة، بينما غادرت وفود فصائل أخرى جاءت من الخارج، وبقي بعض ممثلي الفصائل المقيمين في مصر. ورجح مصدر من الحركة أن يطلب الوسطاء مشاورات إضافية بشأن نقاط قد تثير اعتراضاً إسرائيلياً أو أميركياً، خصوصاً على مستوى النصوص والضمانات وآليات التنفيذ، لا على الجوهر العام للتعديلات.

وبحسب المصادر، أبلغ الوسطاء الفصائل أنهم سيعملون على تسويق الصيغة لدى الإدارة الأميركية وإسرائيل، وأنهم سيضعون الجانب الفلسطيني في صورة نتائج المشاورات. وتفيد المعطيات المتداولة بأن تركيا تؤدي دوراً مهماً في محاولة إقناع واشنطن بجدوى المقاربة المعدلة، فيما يتواصل رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف للدفع باتجاه إنجاح المسار.

ويُنتظر، وفق مصادر مقربة من فريق «مجلس السلام»، أن يصل الممثل الأعلى لغزة في المجلس نيكولاي ملادينوف إلى المنطقة، مع ترجيح أن يبدأ زيارته من إسرائيل لإجراء تفاهمات أولية مع المسؤولين هناك، قبل الانتقال إلى القاهرة لمتابعة المشاورات مع الوسطاء والفصائل.

غير أن الأوساط الفلسطينية لا تبدي تفاؤلاً كبيراً إزاء الموقف الإسرائيلي. إذ توقعت مصادر مشاركة في النقاشات أن يكون الرد الإسرائيلي «سلبياً» أو متحفظاً على الأقل، بالنظر إلى تمسك تل أبيب بطرح نزع سلاح الفصائل باعتباره أحد أبرز استحقاقات المرحلة الثانية. لكنها أشارت في المقابل إلى أن الجهود الدبلوماسية تتركز حالياً على إنتاج «مقاربات ممكنة» تحقق الحد الأدنى من مطالب الأطراف، وتفتح الباب أمام انتقال منظم إلى المرحلة التالية من الاتفاق.

ويأتي هذا الحراك في ظل جمود يخيّم على المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل من جهة و«حماس» والفصائل من جهة أخرى، منذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي. وبينما تتمسك الفصائل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى، وعلى رأسها انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي التي يسيطر عليها، وإدخال المساعدات والبضائع، ووقف الاستهدافات، تضغط إسرائيل لجعل ملف السلاح مدخلاً إلزامياً للمرحلة الثانية.

وتقول مصادر فلسطينية إن النقاشات في القاهرة ركزت أيضاً على ضرورة وقف الخروقات الميدانية، ولا سيما الاغتيالات والغارات، باعتبار أن استمرارها يقوض فرص التقدم في المفاوضات. ونقل أحد المصادر أن الطلب الفلسطيني كان واضحاً في هذا الشأن، وأن الوسطاء أجروا اتصالات مع مختلف الأطراف وتلقوا «وعوداً إيجابية»، من دون أن يعني ذلك حصول التزام صريح بوقف كامل للعمليات العسكرية.

ميدانياً، شهد قطاع غزة هدوءاً نسبياً منذ فجر الثلاثاء وحتى ظهر الأربعاء، من دون تسجيل غارات جوية واسعة أو سقوط قتلى جدد خلال تلك الساعات، وذلك بعد أسبوع شهد تصعيداً دامياً. غير أن مناطق قريبة من «الخط الأصفر» تعرضت لقصف مدفعي وإطلاق نار من مسيّرات ورافعات عسكرية، ما أدى إلى وقوع إصابات، إلى جانب إطلاق نار من الزوارق الحربية الإسرائيلية قبالة سواحل القطاع، وتنفيذ عمليات نسف داخل مناطق السيطرة الإسرائيلية.

كما أُعلن عن وفاة ثلاثة فلسطينيين متأثرين بجروح أصيبوا بها في غارات سابقة. ويقول الجانب الفلسطيني إن استمرار هذه الحوادث يضعف مناخ التفاوض، خصوصاً أن الفصائل تربط أي تقدم حقيقي بتثبيت وقف إطلاق النار ووقف الاغتيالات والانسحاب التدريجي من المناطق التي لا تزال إسرائيل تسيطر عليها.

في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، مسؤوليته عن عملية نفذها الأحد الماضي، قال إنها أسفرت عن مقتل خضر الجماصي، الذي وصفه بأنه مسؤول شبكة تحويل الأموال في «حماس»، إلى جانب نائبه محمد الحرازين. ويعكس هذا الإعلان استمرار إسرائيل في تنفيذ عمليات تستهدف شخصيات تقول إنها مرتبطة بالبنية المالية أو العسكرية للحركة، حتى مع استمرار الحديث عن مسار تفاوضي في القاهرة.

وفي السياق السياسي، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن بلاده تعمل مع الوسطاء للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة، مشيراً إلى أن القاهرة تسعى أيضاً إلى التوصل لتفاهمات فلسطينية - فلسطينية، من بينها ملف نزع السلاح. وشدد عبد العاطي على أن مصر تعمل على تثبيت وقف إطلاق النار والحفاظ على القضية الفلسطينية ورفض تصفيتها، مؤكداً رفض القاهرة أي مخططات لتهجير سكان قطاع غزة طوعاً أو قسراً.

كما أشار الوزير المصري إلى وجود تنسيق مع السعودية ودول البحر الأحمر لتجنيب باب المندب تداعيات الحرب، في ظل اتساع المخاوف من انعكاسات التصعيد في غزة على أمن الملاحة الإقليمية والتوازنات الأوسع في المنطقة.

وكان مصدر فلسطيني قد أفاد بأن «حماس» سلمت رداً إيجابياً على الورقة المصرية المكونة من 15 بنداً، موضحاً أن الوسطاء ينتظرون الردين الإسرائيلي والأميركي على هذا الموقف. وجاء ذلك بعد وصول وفود من فصائل فلسطينية، إضافة إلى وفد قيادة «حماس» برئاسة خليل الحية، إلى القاهرة، حيث أجريت لقاءات مكثفة شملت رئيس الوزراء القطري ومسؤولين من المخابرات المصرية والتركية.

وتنظر الفصائل إلى الصيغة المعدلة للبند الثامن باعتبارها محاولة للخروج من مأزق «نزع السلاح» بصيغته الإسرائيلية، من خلال ربط أي خطوة عملية بجملة شروط: الانسحاب، ووقف الاستهداف، وإدخال المساعدات، وتفعيل اللجنة الوطنية، وانتشار قوة دولية، وضمان عدم انتقال السلاح إلى إسرائيل أو أي جهة غير فلسطينية. أما إسرائيل، فتتعامل مع الملف بوصفه اختباراً لمستقبل حكم غزة وترتيبات الأمن بعد الحرب، وترفض، وفق تقديرات فلسطينية، أي صيغة قد تبقي للفصائل هامشاً تنظيمياً أو عسكرياً خارج السيطرة المباشرة.

وبين هذين الموقفين، تتحرك القاهرة والدوحة وأنقرة في مساحة ضيقة، عنوانها تحويل التفاهمات الفلسطينية إلى صيغة قابلة للتسويق دولياً وقابلة للقبول إسرائيلياً، من دون أن تؤدي إلى انهيار موقف الفصائل أو نسف اتفاق وقف إطلاق النار الهش. وتبدو الساعات المقبلة مرهونة بمدى استعداد واشنطن للضغط على تل أبيب، وبقدرة الوسطاء على تقديم ضمانات كافية للطرف الفلسطيني بأن ملف السلاح لن يتحول إلى أداة لتعطيل الانسحاب أو تكريس السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من القطاع.

ومع استمرار التوتر على الأرض، تبقى الصيغة المعدلة للبند الثامن اختباراً حقيقياً للمرحلة التالية من اتفاق غزة: فإما أن تتحول إلى مدخل لتثبيت وقف النار وفتح مسار سياسي وأمني جديد، وإما أن تصبح بنداً إضافياً في قائمة نقاط الخلاف التي تُبقي القطاع عالقاً بين هدنة هشة وتصعيد قابل للتجدد في أي لحظة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القاهرة