غاب الفنان الذي خرج من أبو حمص إلى خشبة المسرح وشاشة السينما حاملاً ملامح الفلاح وقلق المثقف وصرامة صاحب الموقف
رحل الفنان المصري عبد العزيز مخيون، الأربعاء 10 يونيو/حزيران 2026، بعد مسيرة طويلة ترك خلالها بصمة خاصة في السينما والمسرح والدراما التلفزيونية، بوصفه واحداً من الوجوه التي لم تكتفِ بالحضور أمام الكاميرا، بل حملت معها تاريخاً من الوعي والثقافة والانحياز إلى الفن بوصفه موقفاً جمالياً وإنسانياً.
وقالت نقابة المهن التمثيلية، في نعيها للفنان الراحل، إن جسداً رحل بعدما أثرى الفن العربي بأعمال خالدة، مؤكدة أن اسمه سيبقى حاضراً في وجدان جمهوره وتاريخ الفن المصري والعربي. ووفق تقارير مصرية، توفي مخيون عن عمر ناهز 83 عاماً، بعد تدهور حالته الصحية خلال الأيام الماضية، فيما شيّع جثمانه من مسقط رأسه في أبو حمص بمحافظة البحيرة، حيث اختارت أسرته أن يكون العزاء هناك لا في القاهرة.
لم يكن اختيار أبو حمص مكاناً أخيراً للوداع تفصيلاً عابراً في سيرة عبد العزيز مخيون، فالرجل ظل، على امتداد رحلته، مشدوداً إلى الريف الذي خرج منه، لا باعتباره خلفية اجتماعية فقط، بل كمصدر للذاكرة واللغة والجسد والحس الشعبي. ومن هذه الجذور تشكل جانب كبير من حضوره الفني: وجه هادئ، عينان تحملان قلقاً مكتوماً، وصوت لا يعلو كثيراً لكنه يترك أثراً باقياً.
ولد مخيون في مدينة أبو حمص بمحافظة البحيرة، وتكوّن وعيه الفني والسياسي في ستينيات القرن الماضي، وهي مرحلة كانت مصر فيها تعيش تحولات كبرى في الثقافة والسياسة والمجتمع. درس الفن والمسرح، وحصل لاحقاً على منحة لدراسة الإخراج المسرحي في فرنسا، حيث اتسعت علاقته بالمسرح العالمي وبأسئلة العدالة والحرية ودور الفنان في المجال العام.

ومنذ بداياته، بدا مخيون أقرب إلى نموذج الفنان المثقف منه إلى صورة النجم التقليدي. لم ينشغل بصناعة الهالة حول نفسه، ولم يكن من هواة الحضور الإعلامي الكثيف أو الاستعراض الشخصي. كان حضوره يخرج من العمل نفسه: من الشخصية، ومن النص، ومن المسافة الدقيقة بين الصمت والكلام.
في المسرح، ارتبط اسم عبد العزيز مخيون بتجربة «مسرح الفلاحين»، وهي تجربة تكشف كثيراً عن جوهر اختياراته. فقد ذهب إلى الريف لا بوصفه موضوعاً للفرجة، بل بوصفه فضاءً ثقافياً قابلاً لإنتاج مسرحه الخاص. ومن هنا جاء اهتمامه بالسامر الشعبي وبأشكال الأداء المرتبطة بثقافة الفلاحين، في محاولة لرد الاعتبار إلى الهامش وإلى الناس الذين غالباً ما ظهروا في الأعمال الفنية كخلفية لا كمركز.
أما في السينما، فقد كان مخيون من ذلك النوع النادر من الممثلين الذين يضيفون إلى العمل حتى لو لم يكونوا في مركز البطولة. لم يكن حضوره قائماً على الضجيج، بل على الكثافة الداخلية. لذلك ظل قادراً على الانتقال بين الشخصيات المركبة: المسؤول، الأب، المثقف، الريفي، رجل السلطة، المهمش، والإنسان العادي الذي يخفي داخله مأساة أو تناقضاً.

وعرفه الجمهور في أفلام وأعمال بارزة شكّلت علامات في السينما والدراما المصرية، من بينها «إسكندرية ليه؟» و«حدوتة مصرية» و«الهروب» و«شحاتين ونبلاء»، إلى جانب عشرات الأعمال التلفزيونية التي رسخت صورته كفنان قادر على منح الشخصية عمقاً يتجاوز حدود الدور المكتوب.
ولعل ما ميّز عبد العزيز مخيون أنه لم يكن يؤدي الشخصية من خارجها، بل يتسلل إليها ببطء، كأنه يبحث عن تاريخها غير المرئي. في كثير من أدواره، كان يترك مساحة للصمت، ويجعل من النظرة أو حركة اليد أو نبرة الجملة بديلاً عن الانفعال الزائد. لذلك بدا في أعماله ممثلاً يعرف أن القوة لا تأتي دائماً من الصراخ، وأن التراجيديا قد تسكن في الهدوء أكثر مما تسكن في الانفجار.
وقد حافظ مخيون، على امتداد مشواره، على صورة الفنان الذي يقرأ ويتأمل ويملك موقفاً من العالم. لم يكن بعيداً عن السياسة أو الشأن العام، إذ ارتبط اسمه في مراحل مختلفة بحركات ومواقف معارضة، بينها حركة «كفاية»، كما ظل يُنظر إليه باعتباره من الفنانين الذين يرون أن الفن لا ينفصل عن سؤال الحرية والكرامة والعدالة.
هذه الصورة جعلته، في نظر كثيرين، واحداً من آخر الفنانين المثقفين بالمعنى القديم للكلمة: الفنان الذي لا يختزل نفسه في المهنة، ولا يرى الشهرة غاية نهائية، ولا يكتفي بأن يكون جزءاً من السوق، بل يحمل معه أسئلة المجتمع والهوية والسلطة والإنسان.
ولم تكن ثقافة مخيون خطاباً معلناً فقط، بل ظهرت في نوعية اختياراته وفي علاقته بالأدب والمسرح والسينما الجادة. فقد شارك في أعمال مستندة إلى نصوص أدبية أو قريبة من عوالم روائية وفكرية، وكان حضوره فيها امتداداً لطريقة ترى التمثيل فعلاً معرفياً، لا مجرد أداء مهني.
ومع ذلك، لم يكن مخيون فناناً نخبوياً بالمعنى المغلق. فقد أحبّه جمهور واسع لأنه ظل قريباً من الوجوه المصرية اليومية؛ من وجوه الريف والمدينة، ومن ملامح الآباء والموظفين والمثقفين البسطاء ورجال السلطة المهزومين من داخلهم. كان قادراً على أن يبدو مألوفاً ومقلقاً في الوقت نفسه، قريباً وبعيداً، بسيطاً ومركباً.
في رحيله، لا تفقد الشاشة المصرية ممثلاً قديراً فحسب، بل تفقد أيضاً نموذجاً لفنان جاء من زمن كانت فيه الثقافة جزءاً من تكوين الممثل، وكان المسرح مدرسة للوعي، وكانت السينما مساحة للأسئلة لا مجرد صناعة للنجومية. رحيل عبد العزيز مخيون يفتح باب الحنين إلى جيل آمن بأن الفن مسؤولية، وأن الممثل ليس وجهاً فقط، بل عقل وضمير وتجربة حياة.

ولذلك بدا وداعه في مسقط رأسه بالبحيرة أشبه بعودة أخيرة إلى المكان الأول؛ إلى الريف الذي حمله معه في صوته وملامحه وأفكاره، حتى وهو يتحرك بين القاهرة وباريس والاستوديوهات وخشبات المسرح. عاد مخيون إلى أبو حمص، لكن ما تركه في الفن المصري سيبقى موزعاً بين أدواره وملامحه ومواقفه، وبين ذاكرة جمهور رأى فيه فناناً لا يشبه إلا نفسه.
رحل عبد العزيز مخيون، ابن الريف، والممثل العميق، والمثقف الهادئ، وصاحب الموقف. رحل جسده، لكن صورته ستبقى حاضرة كلما تذكّر الجمهور زمناً كان فيه الفن سؤالاً عن الإنسان، لا مجرد مشهد عابر على الشاشة.
