قصف في المواصي يعمّق أزمة الهدنة… واليونيسف تصف وقف النار في غزة بأنه «وهم قاتل» للأطفال

يتلقى فلسطينيون جرحى، بينهم أطفال، العلاج بعد وصولهم إلى مجمع ناصر الطبي في خان يونس، جنوب قطاع غزة، في 19 يونيو/حزيران 2026.صورة: طارق محمد

تجددت، مساء الجمعة 19 يونيو/حزيران 2026، مؤشرات هشاشة وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بعد قصف إسرائيلي استهدف خيمة تؤوي نازحين في منطقة المواصي غرب خان يونس، جنوبي القطاع، ما أسفر، وفق إفادات محلية وطبية، عن استشهاد المواطن زكي يوسف محمود أبو مصطفى 41 عاماً وإصابة آخرين، بينهم أربعة أطفال بمنطقة الصناعة غربي المدينة، نقلوا إلى مجمع ناصر الطبي في خان يونس.  

استشهاد المواطن زكي يوسف محمود أبو مصطفى 41 عام على أثر الإستهداف الذي وقع اليوم بمنطقة الصناعة غربي خان يونس.jpg


وجاء القصف بعد ساعات من تسجيل خروقات ميدانية جديدة لاتفاق وقف إطلاق النار في مناطق متفرقة من القطاع، شملت إطلاق نار وقصفًا مدفعيًا وتحركات للآليات قرب خطوط التماس، خصوصًا في محيط وادي غزة وشرق خان يونس ومناطق قريبة مما يعرف بـ«الخط الأصفر». وأفادت مصادر محلية باستشهاد الشاب عبد الله ياسين برصاص الجيش الإسرائيلي في محيط وادي غزة، في واقعة أضيفت إلى سلسلة الاستهدافات التي تقول الفصائل والجهات الصحية في غزة إنها لم تتوقف رغم سريان الهدنة.

وبحسب مصادر طبية في غزة، ارتفعت حصيلة الحرب منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 إلى 73,018 شهيدًا و173,273 مصابًا، فيما بلغ عدد الشهداء منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي 1,007 شهداء، إضافة إلى 3,165 مصابًا، وانتشال 784 جثمانًا. وتؤكد هذه الأرقام أن الهدنة، على الرغم من خفضها مستوى العمليات العسكرية الواسعة، لم تتحول إلى حماية فعلية للمدنيين.

وفي موقف أممي لافت، وصفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» وقف إطلاق النار في غزة بأنه تحول، بالنسبة إلى الأطفال الفلسطينيين، إلى «وهم قاس وقاتل»، مشيرة إلى مقتل 265 طفلًا فلسطينيًا منذ إعلان الهدنة في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، أي بمعدل طفل تقريبًا كل يوم. وقال المتحدث باسم المنظمة جيمس إلدر إن أكثر من 400 طفل آخرين أصيبوا بجروح، كثير منها خطرة وكارثية، بينما يحتاج مئات الأطفال إلى إجلاء طبي عاجل في ظل القيود المفروضة على الأدوية الأساسية والإمدادات الطبية.

ويمنح هذا الموقف الأممي بعدًا إضافيًا للجدل السياسي الدائر حول المرحلة الثانية من خطة غزة، إذ لم تعد الأزمة محصورة في بند السلاح أو ترتيبات الإدارة، بل امتدت إلى سؤال أكثر إلحاحًا: هل يوجد وقف إطلاق نار فعلي إذا كان الأطفال والمدنيون لا يزالون يُقتلون يوميًا؟

وفي مجلس الأمن الدولي، حذر مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر من أن الوضع الإنساني في غزة لا يزال يتدهور رغم الهدنة. وأشار إلى أن نسبة الأسر التي تقول إنها تنام جائعة انخفضت من 92% إلى 36%، لكنه شدد على أن القطاع لا يزال في مستوى أزمة حادة، وأن المدنيين يواصلون السقوط جراء الغارات والقصف وإطلاق النار.

يتجمع الفلسطينيون على شاطئ مخيم النصيرات للاجئين، وسط قطاع غزة، في 19 يونيو/حزيران 2026. حسن الجدي


وقال فليتشر إن نحو 70% من سكان غزة يحتاجون إلى مأوى ملائم، وإن الخدمات الأساسية على حافة الانهيار، مع عدم وجود أي مستشفى يعمل بكامل طاقته، واستمرار أزمة المياه التي تمس 1.1 مليون طفل. كما لفت إلى تدهور أوضاع الصرف الصحي وتزايد حالات التعرض لعضات الجرذان، في مؤشر صادم على انهيار البيئة الصحية داخل مناطق النزوح المكتظة.

من جهتها، قالت مسؤولة السياسات الإنسانية العالمية في منظمة «أوكسفام» بشرى الخالدي أمام مجلس الأمن إن منع إسرائيل للمنظمات الإنسانية من أداء عملها يشكل جزءًا من «عقاب جماعي» أوسع ضد الفلسطينيين. وأكدت أن مرور شاحنات عبر المعابر لا يعني بالضرورة وصول المساعدة إلى العائلات المحتاجة، في ظل القيود، وارتفاع الأسعار، وانهيار القدرة الشرائية، وتقييد عمل المنظمات الإغاثية.

ويتزامن هذا الضغط الإنساني مع تطور سياسي وأمني مهم، إذ تحدثت وسائل إعلام عبرية عن وصول عناصر من «قوة الاستقرار الدولية» إلى إسرائيل تمهيدًا لنشرها لاحقًا في قطاع غزة، ضمن ترتيبات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ووفق هذه التقارير، يجري إنشاء مركز دعم لوجستي على الجانب الإسرائيلي من معبر كرم أبو سالم ليكون محطة عبور للقوات الدولية، على أن تتولى لاحقًا مهام الفصل بين مواقع الجيش الإسرائيلي والمناطق التي ستُنقل إلى إدارة اللجنة الفلسطينية داخل القطاع.

الطفل الفلسطيني معتصم الغلبان، الذي أصيب بالشلل الجزئي بعد إصابته بشظايا صاروخ خلال الحرب في غزة، يجلس داخل خيمة نزوح في خان يونس، جنوب قطاع غزة، في 19 يونيو، 2026. تصوير طارق محمد


وتعيد هذه التطورات خريطة غزة التفاوضية إلى نقطة شديدة التعقيد: فالفصائل الفلسطينية تدرس تعديلات نيكولاي ملادينوف بشأن حصر وتخزين السلاح وتسليم الإدارة للجنة الوطنية، بينما تستمر إسرائيل في فرض وقائع ميدانية قرب خطوط السيطرة. وفي المقابل، تسعى واشنطن والوسطاء إلى الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة عبر إدخال قوة دولية وترتيبات أمنية جديدة، في وقت يحذر فيه العاملون الإنسانيون من أن أي هندسة سياسية أو أمنية لن تكون قابلة للحياة ما لم تتوقف الخروقات، وتُفتح المعابر، وتُستعاد الحد الأدنى من مقومات الحياة في القطاع.

وبذلك، يتحول قصف خيمة المواصي من حادثة ميدانية معزولة إلى عنوان لاختبار أكبر: هل يمكن بناء ترتيبات حكم وأمن وإعمار في غزة بينما تبقى الهدنة نفسها موضع شك يومي، وتبقى مناطق النزوح عرضة للقصف وإطلاق النار؟

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - قطاع غزة