دخلت مباحثات تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام في غزة مرحلة أكثر حساسية، بعد تسلّم حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية ورقة معدلة جديدة من الممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تتضمن خريطة طريق تفصيلية للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، وفي مقدمتها ملفات السلاح، والحكم، والانسحاب الإسرائيلي، ونشر قوة الاستقرار الدولية، وإعادة الإعمار.
وقالت مصادر فلسطينية مطلعة على مباحثات القاهرة إن «حماس» تدرس الورقة المعدلة داخل أطرها القيادية، وبالتشاور مع فصائل المقاومة، قبل تقديم رد رسمي إلى الوسطاء. وتوقعت المصادر أن يكون الرد خلال الأسبوع الجاري، مع ترجيح أن يحمل «موقفاً إيجابياً مشروطاً»، يرتبط أساساً بالحصول على ضمانات واضحة تلزم إسرائيل بتنفيذ ما تتضمنه الورقة، ولا سيما الانسحاب التدريجي، ووقف الخروقات الميدانية، وفتح الطريق أمام الإغاثة وإعادة الإعمار.
وتأتي الورقة المعدلة بعد نحو أسبوعين من لقاءات مكثفة في القاهرة، شارك فيها مسؤولون من مصر وقطر وتركيا، إلى جانب ملادينوف وممثلين فنيين عن مجلس السلام. كما غادر وفد «حماس» المفاوض، برئاسة خليل الحية، القاهرة إلى إسطنبول، على أن يحدد الوسطاء موعد جولة جديدة بناءً على رد كل من «حماس» وإسرائيل على الصيغة الأخيرة.
حصر السلاح لا تسليمه لإسرائيل
أبرز ما تحمله الورقة الجديدة هو تعديل صيغة التعامل مع سلاح الفصائل. فبدلاً من طرح «نزع السلاح» بصورة مباشرة ومطلقة، تتحدث الصيغة المعدلة عن «حصر وجمع وتخزين السلاح» وفق بروتوكول تضعه اللجنة الوطنية لإدارة غزة بالتعاون مع قوة الاستقرار الدولية، وتحت رقابة لجنة تحقق دولية يشكلها مجلس السلام.
وتشمل العملية، بحسب الصيغة المتداولة، مستودعات الأسلحة، والأنفاق، ومواقع الإنتاج العسكري، والأسلحة الثقيلة، على أن تتم بشكل تدريجي ومتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي يسيطر عليها الجيش داخل القطاع.
وتحاول الورقة، بهذه الصياغة، تقديم مخرج سياسي وأمني وسط بين مطلب إسرائيل بنزع السلاح الكامل، وموقف الفصائل الذي يرفض تسليم السلاح دون انسحاب كامل وضمان مسار سياسي يؤدي إلى حق تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية.
وتنص الورقة أيضاً على أن تخضع الأسلحة الشخصية للقوانين الفلسطينية ذات الصلة، بما في ذلك التراخيص الفردية، وأن تكون اللجنة الوطنية هي الجهة صاحبة الصلاحية في التسجيل والترخيص والمراقبة خلال المرحلة الانتقالية.
«سلطة واحدة وقانون واحد ودستور واحد»
في ملف الحكم، تؤكد الورقة المعدلة مبدأ «سلطة واحدة، وقانون واحد، ودستور واحد»، في إشارة اعتبرتها مصادر فلسطينية محاولة لطمأنة «حماس» والفصائل بأن المرحلة الانتقالية لا تستهدف فقط ترتيبات أمنية مؤقتة، بل يفترض أن تفتح الطريق أمام حل سياسي أوسع يتصل بمستقبل الدولة الفلسطينية.
وتنص الصيغة الجديدة على أن تسلم «حماس» جميع وظائف الحكم المدني والأمني للجنة الوطنية لإدارة غزة، من دون تدخل الفصائل في عمل اللجنة خلال الفترة الانتقالية.
وفي هذا السياق، جرى التفاهم شفهياً، وفق المصادر، على استيعاب موظفي القطاعات المدنية الأساسية، خصوصاً الصحة والتعليم والشرطة المدنية، ضمن الجهاز الحكومي الذي ستديره اللجنة الوطنية لمدة لا تقل عن عامين. غير أن ملف الموظفين لا يزال أحد البنود الحساسة، خصوصاً مع حديث الصيغة المعدلة عن مسؤولية اللجنة عن الأعباء المالية التي تنشأ بعد توليها مهامها، لا عن الالتزامات السابقة لحكومة غزة.
لجنة وطنية وقوة استقرار ولجنة تحقق
تمنح الورقة المعدلة اللجنة الوطنية دوراً محورياً في إدارة المرحلة الانتقالية، إلى جانب قوة الاستقرار الدولية، ولجنة تحقق دولية تضم ممثلين عن الضامنين ومجلس السلام والقوة الدولية.
وتتولى لجنة التحقق متابعة التزام الطرفين، إسرائيل و«حماس»، بما يتم الاتفاق عليه، قبل الانتقال الكامل إلى المرحلة الثانية. أما قوة الاستقرار الدولية، فتنشر تدريجياً في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، وتدعم تدريب الشرطة الفلسطينية، من دون أن تتولى مهاماً مباشرة داخل المجتمع الفلسطيني.
وبحسب الصياغة المعدلة، فإن الانسحاب الإسرائيلي سيجري على مراحل إلى «محيط غزة»، وهي عبارة لا تزال موضع خلاف، إذ تطالب الفصائل بانسحاب كامل إلى خارج حدود القطاع، بينما تتمسك إسرائيل بإبقاء ترتيبات أمنية ومناطق عازلة في بعض المناطق.
نقاط الخلاف: السلاح، الانسحاب، والضمانات
رغم الحديث عن «مرونة» في موقف الفصائل، لا تزال ثلاث عقد رئيسية تهدد مسار التفاهمات.
العقدة الأولى هي تعريف السلاح والبنية العسكرية. فالفصائل تريد حصر النقاش في السلاح الثقيل والمخزن، بينما تسعى إسرائيل إلى توسيع التعريف ليشمل الأنفاق، ومواقع الإنتاج، والمعدات العسكرية، وربما مظاهر الوجود المسلح والتنظيمي.
العقدة الثانية تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي. فالفصائل تطالب بجدول زمني واضح يقود إلى خروج كامل من القطاع، بينما تتحدث صيغة ملادينوف عن انسحاب إلى محيط غزة بالتوازي مع تقدم عملية حصر السلاح.
أما العقدة الثالثة فهي الضمانات. إذ تخشى «حماس» والفصائل أن تقدم تنازلات في ملف السلاح والحكم من دون أن تلتزم إسرائيل فعلياً بالانسحاب أو بوقف العمليات العسكرية أو بفتح مسار سياسي واضح.
الميدان يضغط على التفاوض
تأتي هذه التطورات السياسية في وقت لا يزال فيه الوضع الميداني هشاً. فرغم وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، تستمر الغارات وإطلاق النار في مناطق عدة من القطاع، فيما تؤكد مصادر طبية فلسطينية ارتفاع عدد الشهداء منذ بدء الهدنة إلى أكثر من ألف فلسطيني.
كما تتهم الفصائل إسرائيل بتوسيع سيطرتها داخل القطاع وتحريك حدود ما يعرف بـ«الخط الأصفر» في بعض المناطق، في وقت تقول إسرائيل إن عملياتها تستهدف منع هجمات وشيكة من جانب «حماس» وفصائل أخرى.
هذا التصعيد الميداني يزيد من صعوبة تسويق أي اتفاق جديد داخل الأطر الفلسطينية، خصوصاً إذا لم يتضمن آلية رقابة ملزمة على إسرائيل، وجدولاً زمنياً واضحاً للانسحاب، وضمانات عملية لبدء الإغاثة وإعادة الإعمار.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
تتجه الأنظار الآن إلى الرد الفلسطيني الموحد المتوقع خلال الأسبوع الجاري. وفي حال جاء الرد إيجابياً، سيعمل الوسطاء على ترتيب جولة جديدة تجمع الملاحظات الفلسطينية والإسرائيلية على الصيغة المعدلة، تمهيداً لإقرار جدول تنفيذي للمرحلة الثانية.
أما إذا رفضت إسرائيل الضمانات المطلوبة، أو أصرت على تفسير واسع لبند السلاح دون التزام موازٍ بالانسحاب، فقد تعود المفاوضات إلى مربع التعطيل، مع احتمال تفاقم التوتر الميداني والإنساني داخل القطاع.
وتبدو الورقة المعدلة، في جوهرها، محاولة لصياغة معادلة جديدة: خروج تدريجي لإسرائيل من غزة، مقابل تفكيك تدريجي لقدرة الفصائل العسكرية، تحت إشراف فلسطيني ودولي. غير أن نجاح هذه المعادلة سيعتمد على السؤال الأكثر حساسية: من يضمن التنفيذ، ومن يملك القدرة على إلزام إسرائيل و«حماس» بالخطوات المتبادلة في وقت واحد؟
حتى الآن، لم يتحول التعديل الجديد إلى اتفاق نهائي، لكنه فتح نافذة تفاوضية ضيقة قد تحدد ما إذا كانت خطة ترامب ستنتقل فعلاً إلى مرحلتها الثانية، أم ستبقى عالقة بين حسابات السلاح، ومخاوف الأمن، وغياب الثقة السياسية.
