غزة تحت وقف نار هش: قصف المركبات و«الخط الأصفر» يوسّعان سجل الخروقات الإسرائيلية

يتفقد فلسطينيون موقع غارة إسرائيلية استهدفت مركبة في حي الرمال بمدينة غزة في 22 يونيو/حزيران 2026، أسفرت الغارة عن استشهاد فتاة وإصابة آخرين. صورة: بلال أسامة

تتواصل الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار المعلن في قطاع غزة منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، في ظل قصف جوي ومدفعي وإطلاق نار متكرر على مناطق مأهولة ومكتظة بالنازحين، كان أحدثها استهداف مركبتين مدنيتين في مدينة غزة وخان يونس، ما أسفر عن استشهاد الطالبة رغد عاشور والمسعف ميسرة الخواجا، وإصابة عدد من المواطنين، بينهم إصابات وصفت بالخطيرة.

وجاءت الهجمات الجديدة بينما أعلنت وزارة الصحة في غزة ارتفاع حصيلة الضحايا منذ بدء سريان اتفاق التهدئة إلى 1,024 شهيداً و3,260 مصاباً، إضافة إلى انتشال 784 جثماناً من تحت الأنقاض، في مؤشر جديد على هشاشة وقف النار وتحوله، وفق منظمات إنسانية، إلى حالة «هدوء اسمي» لا توفر حماية فعلية للمدنيين.

استهداف مركبة في الرمال.. طالبة ثانوية بين الضحايا

في مدينة غزة، استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي مركبة أمام مول الرحاب، قرب مقر شركة «جوال» في حي الرمال غربي المدينة. ووفق جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، نقلت طواقمها جثمان شهيدة وثلاث إصابات إلى مستشفى السرايا الميداني التابع للجمعية، بعد غارات جوية استهدفت المركبة في منطقة حيوية ومكتظة.

وذكرت مصادر محلية أن القصف وقع في شارع أحمد عبد العزيز، حيث كانت المنطقة تشهد حركة نشطة، خصوصاً مع توجه طلبة الثانوية العامة إلى تقديم امتحاناتهم. وأسفر القصف عن استشهاد الطالبة رغد حسين عاشور، البالغة من العمر 17 عاماً، والتي كانت في طريقها إلى امتحاناتها، فيما أصيب عدد آخر من المواطنين بجروح متفاوتة.

وبحسب روايات محلية، بدأ الاستهداف بصاروخ أصاب المركبة، قبل أن يعاود الطيران قصف المنطقة بصاروخين إضافيين بعد تجمع المواطنين في محيط المكان، ما أدى إلى وقوع مزيد من الإصابات وإحداث دمار في الموقع. ونُقلت الشهيدة والمصابون إلى مستشفى الشفاء ومستشفى السرايا الميداني، في وقت واصلت الطواقم الطبية التعامل مع آثار القصف.

الطالبة رغد حسين عاشور التي ارتقت خلال عودتها من قاعة لتقديم امتحان الثانوية العامة باستهداف إسرائيلي على مدينة غزة.jpg


مواصي خان يونس.. استشهاد مسعف في منطقة نازحين

وفي جنوب القطاع، استشهد المسعف في وزارة الصحة ميسرة صلاح الخواجا، وأصيب مواطن آخر بجروح خطيرة، جراء استهداف مسيّرة إسرائيلية مركبة مدنية في منطقة مواصي خان يونس، وهي من أكثر المناطق ازدحاماً بالنازحين.

وذكرت مصادر طبية في مجمع ناصر الطبي أن الخواجا وصل شهيداً إلى المستشفى بعد استهداف المركبة غربي خان يونس، في منطقة تؤوي آلاف العائلات التي نزحت من مناطق مختلفة من القطاع. ويعيد هذا الاستهداف تسليط الضوء على استمرار تعرض الطواقم الطبية والمسعفين للخطر، رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار.

إصابة مسن بجروح بنيران الجيش الإسرائيلي في منطقة الهابي ستي جنوبي مدينة خان يونس..jpg


كما أفادت مصادر محلية بإصابة مُسن بنيران الاحتلال في منطقة «هابي سيتي» جنوبي خان يونس، في حادثة إضافية تندرج ضمن سلسلة إطلاق النار المتكرر على المدنيين قرب مناطق التماس والمناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.

استشهاد المسعف في وزارة الصحة ميسرة الخواجا في قصف مركبة بمواصي خان يونس..jpg


وفي تطور آخر، أُعلن عن استشهاد أحمد محمود إبراهيم الخزندار متأثراً بإصابته في قصف سابق للاحتلال قرب منطقة العطار في مواصي خان يونس قبل نحو أسبوعين، ما يعكس استمرار ارتفاع حصيلة الضحايا حتى بعد وقوع الهجمات، نتيجة الإصابات الخطرة ونقص الإمكانات الطبية.

قصف مدفعي وإطلاق نار شرق غزة وشمالها

لم تقتصر الخروقات على استهداف المركبات. فقد تزامنت الغارات مع قصف مدفعي متقطع استهدف مناطق تقع خلف «الخط الأصفر» شرق مدينة غزة، إضافة إلى إطلاق نار كثيف طال أحياء الشجاعية والتفاح والزيتون.

وأفادت مصادر ميدانية بأن الطيران المروحي الإسرائيلي أطلق الرصاص الثقيل تجاه المناطق الشرقية من حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، فيما تعرضت مناطق شمال غربي القطاع لقصف مدفعي وإطلاق قنابل إنارة، في مشهد يعكس استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي رغم اتفاق التهدئة.

وتتعامل العائلات المقيمة قرب خطوط التماس مع حالة خوف دائمة، إذ بات الاقتراب من مناطق زراعية أو طرق فرعية أو أطراف الأحياء الشرقية محفوفاً بخطر إطلاق النار أو الاستهداف المباشر. كما أن وجود «الخط الأصفر» بوصفه فاصلاً ميدانياً بين مناطق السيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية لم يمنع، بحسب روايات سكان ومؤسسات حقوقية، استمرار إطلاق النار والتهجير والضغط على السكان في المناطق القريبة منه.

إطلاق قنابل إنارة شمال غربي قطاع غزة..jpg


الدفاع المدني: الاحتلال يواصل خرق الاتفاق

ندد المتحدث باسم جهاز الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، باستمرار الخروقات الإسرائيلية، قائلاً إن الاحتلال يواصل قصف المركبات المدنية رغم اتفاق وقف إطلاق النار. وأشار إلى أن استهداف مركبة في مدينة غزة وأخرى في مواصي خان يونس وقع وسط وجود مدنيين ونازحين، ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى.

وأكدت طواقم الدفاع المدني أن قدرتها على الوصول إلى بعض المناطق لا تزال محدودة بفعل استمرار إطلاق النار والقصف، إضافة إلى الدمار الواسع في الطرق والبنية التحتية ونقص المعدات والوقود.

وفي موازاة ذلك، تعاملت طواقم الدفاع المدني في خان يونس مع حوادث أخرى مرتبطة بالواقع الإنساني القاسي داخل المخيمات ومناطق النزوح، من بينها إصابة ثلاثة مواطنين من عائلة السكافي إثر حريق اندلع في خيام للنازحين غربي المسلخ التركي، وإنقاذ شاب انهارت عليه رمال حفرة بئر صحي غربي محطة إيتا في مواصي خان يونس.

أرقام جديدة منذ وقف إطلاق النار

أعلنت وزارة الصحة في غزة أن مستشفيات القطاع استقبلت خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة ثلاثة شهداء و11 إصابة، لترتفع الحصيلة منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار إلى 1,024 شهيداً و3,260 مصاباً، إضافة إلى انتشال 784 جثماناً.

أما الحصيلة التراكمية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، فارتفعت إلى 73,035 شهيداً و173,368 إصابة، في وقت لا يزال عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، وسط عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم بسبب استمرار المخاطر الميدانية ونقص المعدات الثقيلة.

وتقول وزارة الصحة إن هذه الأرقام لا تعكس الحجم الكامل للمأساة، لأن كثيراً من الإصابات لا تصل إلى المستشفيات، كما أن مناطق عدة لا تزال صعبة الوصول، خصوصاً في أطراف القطاع والمناطق الواقعة قرب خطوط السيطرة الإسرائيلية.

شهداء ومصابون في قصف إسرائيلي استهدف سيارة قرب مول الرحاب بحي الرمال غربي مدينة غزة..jpg


 

الرواية الإسرائيلية: استهداف «مسلحين» وإزالة تهديدات

في المقابل، يبرر الجيش الإسرائيلي استمرار عملياته داخل القطاع بالقول إنه يستهدف عناصر من حركة حماس وفصائل أخرى يزعم أنهم يخططون لتنفيذ هجمات ضد قواته. وأعلن الجيش وجهاز الأمن العام «الشاباك» في بيان مشترك أنهما قتلا سباعي زاهر عبد الحميد أبو حسنة، الذي وصفاه بأنه من عناصر «النخبة» في كتائب القسام وشارك في أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول، كما أعلنا قتل ثلاثة آخرين في هجوم منفصل شمالي القطاع بدعوى محاولتهم تنفيذ نشاط ضد القوات الإسرائيلية.

ولا يصدر عادة تعليق فوري من الفصائل الفلسطينية على كل عمليات الاغتيال التي يعلنها الجيش الإسرائيلي، فيما تقول جهات فلسطينية إن إسرائيل تستخدم ذريعة «إزالة التهديد» لتبرير استمرار القصف والاغتيالات داخل مناطق يفترض أنها مشمولة بوقف إطلاق النار.

كما كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، نقلاً عن ضباط ميدانيين، أن تعليمات إطلاق النار قرب «الخط الأصفر» شهدت تغييراً في الأسابيع الأخيرة، بحيث بات التعامل مع من يقتربون من الخط أو يعبرونه أقرب إلى «إجراء اعتقال» قد ينتهي بإطلاق النار على الركبتين، بدلاً من إطلاق النار بقصد القتل. غير أن استمرار سقوط ضحايا قرب مناطق التماس يعكس أن هذا الخط لا يزال واحداً من أخطر نقاط الاحتكاك في القطاع.

وقف نار بلا ضمانات كافية

تؤكد التطورات الأخيرة أن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة لا يزال عاجزاً عن وقف الخسائر البشرية اليومية، خصوصاً في ظل استمرار سيطرة الجيش الإسرائيلي على مساحات واسعة من القطاع، ومواصلة تنفيذ ضربات جوية وعمليات إطلاق نار بذريعة منع «تهديدات أمنية».

وتقول وكالات دولية إن القطاع يشهد منذ إعلان التهدئة نمطاً متكرراً من الغارات المحدودة، القصف المدفعي، إطلاق النار قرب خطوط السيطرة، واستهداف مركبات أو تجمعات، ما يجعل وقف إطلاق النار أقرب إلى إطار سياسي غير مكتمل منه إلى حماية فعلية للمدنيين.

وتزيد القيود المفروضة على إدخال المساعدات الإنسانية ومواد الإيواء والوقود والمستلزمات الطبية من خطورة الوضع، إذ لا تزال المستشفيات تعمل بطاقة محدودة، وتعاني من نقص حاد في الأدوية والمستهلكات والوقود، في حين يعيش مئات الآلاف من النازحين داخل خيام ومبانٍ مدمرة أو غير صالحة للسكن.

الأطفال يدفعون الثمن الأكبر

حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» من أن وقف إطلاق النار في غزة تحول بالنسبة للأطفال إلى «وهم قاس ومميت»، مشيرة إلى مقتل 265 طفلاً فلسطينياً منذ الإعلان عن التهدئة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أي بمعدل طفل تقريباً كل يوم.

وتقول المنظمة إن الأطفال قُتلوا في منازلهم، وفي مدارسهم، وأثناء اللعب أو البحث عن المياه والغذاء، فيما أصيب المئات بجروح خطيرة، كثير منها يتطلب علاجاً خارج القطاع. لكن القيود على الإجلاء الطبي ونقص الأدوية والمستلزمات تجعل فرص إنقاذهم محدودة.

كما تحذر الأمم المتحدة من أن الأزمة الإنسانية في غزة لا تزال بعيدة عن الانتهاء، فالمياه النظيفة شحيحة، والصرف الصحي متدهور، والنظام الصحي غير قادر على استيعاب الاحتياجات الهائلة، في حين لم يعد التعليم أو السكن أو العلاج متاحاً بصورة طبيعية لغالبية السكان.

يتفقد فلسطينيون موقع غارة إسرائيلية استهدفت مركبة في حي الرمال بمدينة غزة في 22 يونيو/حزيران 2026، أسفرت الغارة عن استشهاد فتاة وإصابة آخرين. صورة: بلال أسامة


 

الخلاصة

تكشف الهجمات الأخيرة في غزة، من استهداف مركبة قرب مول الرحاب في حي الرمال إلى قصف مركبة في مواصي خان يونس واستمرار إطلاق النار قرب «الخط الأصفر»، أن اتفاق وقف إطلاق النار ما زال هشاً ومفتوحاً على خروقات يومية.

وبين الرواية الإسرائيلية التي تتحدث عن «إزالة تهديدات»، والرواية الفلسطينية التي تؤكد استهداف المدنيين والنازحين والطواقم الطبية، يبقى الواقع الميداني أكثر وضوحاً من البيانات السياسية: شهداء جدد، مصابون جدد، عائلات أكثر نزوحاً، ومستشفيات تعمل فوق طاقتها.

ومع استمرار الوساطات للانتقال إلى مرحلة جديدة من التهدئة، تبدو الحاجة ملحة إلى آلية رقابة وضمانات تنفيذية حقيقية، لا تكتفي بإعلان وقف إطلاق النار، بل تمنع القصف وإطلاق النار، وتفتح المعابر، وتضمن حماية المدنيين والطواقم الطبية والإنسانية في قطاع أنهكته الحرب والحصار والخروقات المتواصلة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - قطاع غزة