معركة البناء بعد الدمار: واقع وتحديات إعادة إعمار غزة

بقلم: نيفين الشاعر

نيفين الشاعر

الكاتبة نيفين الشاعر
تُواجه عملية إعادة إعمار قطاع غزة تحدياً إنسانياً واقتصادياً غير مسبوق في التاريخ الحديث. فبعد جولات الدمار المتلاحقة، وتحديداً الحرب الطاحنة التي بدأت في أكتوبر 2023، تحول القطاع إلى ركام يستلزم خططاً دولية استثنائية لجعله مكاناً قابلاً للحياة مجدداً. إن معركة البناء في غزة ليست مجرد رصف للطرق أو تشييد للمباني، بل هي عملية معقدة تتداخل فيها السياسة بالتمويل والمخططات المكانية.

حجم الدمار: أرقام صادمة

تشير الإحصاءات والتقارير الصادرة عن الأمم المتحدة والمكتب الإعلامي الحكومي بغزة إلى حجم كارثة طال كافة مناحي الحياة:

القطاع السكني: تضرر نحو 70% من المساكن في القطاع، حيث دُمرت مئات الآلاف من الوحدات السكنية كلياً أو جزئياً.

البنية التحتية والمرافق: خرجت حوالي 85% إلى 90% من مرافق المياه والصرف الصحي عن الخدمة، بجانب تدمير 65% من شبكات الطرق

المنظومة الصحية والتعليمية: تضررت 95% من مدارس القطاع، وخرجت معظم المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة. كما أصاب الدمار 99% من الجامعات.

القطاع الاقتصادي والمالي: دُمِّر أكثر من 90% من المنشآت الاقتصادية ونحو 93% من فروع المصارف، مما هوى بمساهمة غزة في الناتج المحلي الفلسطيني إلى مستويات دنيا.

الفاتورة التقديرية لإعادة الإعمار

تُجمع التقييمات المشتركة الصادرة عن الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي على أن كلفة إعادة الإعمار الإجمالية تتراوح بين 70 إلى 80 مليار دولار أمريكي.

تتطلب المرحلة العاجلة والملحة وحدها (خلال السنوات الثلاث الأولى) قرابة 20 مليار دولار لإنعاش القطاع وتوفير الخدمات الأساسية.

تبدأ الخطوة الأولى والأكثر تعقيداً بمواجهة "جبال الركام"، حيث يتطلب رفع وإزالة ملايين الأطنان من الأنقاض والركام خططاً زمنية ومعدات ضخمة تمهيداً لأي بناء جديد.

التحديات والمعوقات البنيوية

على الرغم من وجود مقترحات وخطط لـ "اليوم التالي" للحرب، إلا أن تطبيقها على أرض الواقع يصطدم بجدار من العقبات

الاشتراطات السياسية والتمويل: ترهن العديد من الجهات المانحة الدولية والإقليمية تدفق أموال الإعمار بوجود تسوية سياسية شاملة، وتغييرات في هيكلية الحوكمة لإدارة القطاع.

القيود والحصار: استمرار السيطرة الإسرائيلية على المعابر وآلية دخول المواد الأساسية (مثل الأسمنت والحديد) بذريعة "الاستخدام المزدوج" يعطل وتيرة أي بناء مستدام.

أزمة الحوكمة الداخلية: يرى الخبراء أن غياب جهة فلسطينية موحدة ومقبولة دولياً ومحلياً يقوض التنسيق الفعّال لإدارة أكبر عملية إعمار في المنطقة.

آفاق الحل: نحو إعمار يقوده الفلسطينيون

لضمان عدم تكرار تجارب الإعمار السابقة المتعثرة، يوصي الخبراء بضرورة تبني مقاربة جديدة تقوم على:

تأسيس هيئة وطنية مستقلة: قيام مؤسسة مهنية غير سياسية لإدارة التمويل والإشراف على التخطيط العمراني بالتعاون مع المجتمع المدني.

أولوية القوى المحلية: إعطاء الأولوية للشركات والعمالة المحلية الفلسطينية لتحريك العجلة الاقتصادية لقطاع غزة وإعادة تدوير الأموال داخلياً.

رفع الحصار الشامل: لا يمكن لأي عملية بناء أن تنجح وتستقر دون فتح المعابر بشكل كامل وحرية حركة الأفراد والبضائع

خاتمة

إعادة إعمار غزة ليست مجرد مشروع هندسي، بل هي رافعة إنسانية وسياسية لإعادة الأمل لأكثر من مليوني فلسطيني عانوا سنوات من الحروب والحصار.
إن نجاح هذه العملية يتوقف بالدرجة الأولى على توفر الإرادة الدولية لرفع القيود، وتقديم تمويل سخي وغير مشروط، يتجاوز المصالح الضيقة ليضع الإنسان الفلسطيني واحتياجاته الأساسية في مقدمة الأولويات.

نيفين الشاعر / كاتبة فلسطينية 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت