في مشهد سياسي شديد التعقيد، تعود القاهرة إلى واجهة الاتصالات الخاصة بوقف إطلاق النار في قطاع غزة، مستضيفة محادثات جديدة بحضور ممثل «مجلس السلام» في القطاع نيكولاي ملادينوف، وسط غموض يلفّ فرص تحويل التفاهمات المطروحة إلى اتفاق قابل للتنفيذ، خصوصًا في ظل تحفظات فلسطينية معلنة، وموقف إسرائيلي يبدو، وفق مراقبين، العقبة الأكثر صلابة أمام أي اختراق حقيقي.
وتأتي هذه المحادثات بينما تتقاطع ثلاثة مسارات شائكة: محاولة مصرية لدفع اتفاق غزة وتثبيت التهدئة، تحركات «مجلس السلام» لإعادة ترتيب إدارة القطاع أمنيًا وسياسيًا، ومسعى من حركة «حماس» لفتح نافذة إقليمية عبر إدراج ملف غزة ضمن المفاوضات الأميركية - الإيرانية، في وقت تستمر فيه الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار، بما يجعل الاتفاق نفسه حاضرًا على الورق ومهتزًا على الأرض.
القاهرة تضغط لاستكمال المرحلة الأولى
كشفت وزارة الخارجية المصرية عن لقاء جمع وزير الخارجية بدر عبد العاطي بنيكولاي ملادينوف، مساء الأربعاء 24 يونيو/حزيران 2026، جرى خلاله التأكيد على ضرورة استكمال استحقاقات المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي الخاصة بغزة. وشملت هذه الاستحقاقات مباشرة اللجنة الوطنية لإدارة القطاع مهامها من داخل غزة، ونشر قوة الاستقرار الدولية، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية والطبية والإغاثية، بما يثبت التهدئة ويفتح الباب أمام التعافي المبكر وإعادة الإعمار.
وتنظر القاهرة إلى هذه الملفات بوصفها مفاتيح أساسية لمنع انهيار التفاهمات، غير أن تعقيدات التنفيذ تكشف أن الأزمة لم تعد محصورة في وقف إطلاق النار فحسب، بل باتت مرتبطة بسؤال أوسع: من يدير غزة، ومن يملك السلاح، ومن يضمن انسحاب إسرائيل، ومن يمتلك القدرة الفعلية على إلزامها؟

وفي موازاة محادثات القاهرة، يُنتظر أن يجتمع «مجلس السلام» المعني بغزة في قبرص نهاية الشهر الجاري، لتقييم مسار عمله بعد ستة أشهر من انطلاقه. غير أن هذا الاجتماع يأتي في لحظة حرجة، إذ تتصاعد الانتقادات الفلسطينية، لا سيما من «حماس»، لطبيعة الأوراق التي قدمها ملادينوف، والتي ترى الحركة أن بعضها لا يعكس ما تم التفاهم عليه في مباحثات القاهرة.
تحفظات «حماس»: الخلاف على المرحلة والسلاح والانسحاب
تتمسك «حماس» بموقف معلن يقوم على ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية. وتقول الحركة إن إسرائيل لم تلتزم بالانسحاب إلى «الخط الأصفر»، بل تقدمت بعده وفرضت ما وصفته بـ«الخط البرتقالي»، في إشارة إلى تغييرات ميدانية تعتقد الحركة أنها تفرغ الاتفاق من مضمونه.
وبحسب ما نقل عن القيادي في الحركة طاهر النونو، فإن «حماس» تلقت منذ أبريل/نيسان الماضي ثلاث أوراق مختلفة من «مجلس السلام» وممثله ملادينوف، وأن الورقة الأولى خضعت لتعديلات من جانب الحركة، قبل أن تصل ورقة ثانية في مايو/أيار، ثم ورقة ثالثة في 12 يونيو/حزيران بصياغات جديدة ومفاجئة. وتعتبر الحركة أن سحب ورقة كانت المفاوضات قد قطعت شوطًا إيجابيًا حولها، واستبدالها بأخرى، عمّق فجوة الثقة بينها وبين ملادينوف.
وترى «حماس» أن إسرائيل تسعى إلى ترحيل التزامات المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية، خصوصًا ما يتعلق بالانسحاب وترتيبات إدارة القطاع، في مقابل دفع ملفات نزع سلاح المقاومة وحل الفصائل إلى مقدمة النقاش. وتتعامل الحركة مع ملف السلاح باعتباره آخر أوراق القوة لديها، ولذلك ترفض طرحه بصيغة إملائية أو منفصلة عن ضمانات الانسحاب ووقف الخروقات وترتيب الإدارة الفلسطينية للقطاع.
كما انتقدت الحركة غياب الوضوح بشأن دخول اللجنة الإدارية إلى غزة وتسلمها مهامها، معتبرة أن أي انتقال سياسي أو أمني داخل القطاع من دون ضمانات واضحة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج واقع تتحكم فيه إسرائيل من الخارج، بينما تُترك السلطة الفعلية داخليًا لترتيبات غير متفق عليها فلسطينيًا.
ملادينوف بين رؤية «مجلس السلام» وحسابات إسرائيل
في قراءة لمسار المحادثات، يرى خبراء أن الخلاف بين ملادينوف و«حماس» ليس تقنيًا، بل سياسي عميق. فملادينوف، بوصفه ممثلًا لـ«مجلس السلام»، يحمل تصورًا دوليًا - إقليميًا لإعادة ترتيب قطاع غزة، يتقاطع في بعض نقاطه مع المطالب الإسرائيلية، وعلى رأسها تفكيك البنية العسكرية للفصائل وضبط الأمن عبر ترتيبات دولية ومحلية جديدة.
ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، الدكتور أحمد فؤاد أنور، أن محادثات القاهرة تمثل محاولة جديدة لتقريب وجهات النظر ودفع الاتفاق إلى الأمام، لكنه يعتبر أن الموقف الإسرائيلي سيظل العائق الأكبر، ما لم تتدخل واشنطن بجدية للضغط على تل أبيب. أما المحلل الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، فيعتقد أن «حماس» تناور للحصول على مكاسب قبل القبول بأي صيغة تتعلق بسلاحها، وأن القاهرة نجحت جزئيًا في فتح مقاربات حول الملف، لكنها لم تصل بعد إلى صيغة نهائية قابلة للتنفيذ.حسب صحيفة «الشرق الأوسط».
ويشير مطاوع إلى عامل آخر قد يطيل أمد الأزمة، يتمثل في التوازنات الداخلية داخل «حماس»، حيث يراقب جناح محسوب على الخط الإيراني نتائج المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، على أمل أن ينعكس أي تفاهم إقليمي على ملف غزة. كما يرى أن إسرائيل، في ظل حسابات انتخابية داخلية، قد لا تكون مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية في غزة، خصوصًا بعد تنازلات أو ترتيبات ارتبطت بملفي إيران ولبنان.

غزة على خط واشنطن وطهران
في خضم هذا الانسداد، تحاول «حماس» توسيع هامش المناورة عبر البوابة الإيرانية. فقد أجرى باسم نعيم، نائب رئيس مكتب العلاقات العربية والإسلامية في الحركة، اتصالًا مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، تناول مستجدات المفاوضات الإيرانية - الأميركية، إضافة إلى الملف الفلسطيني، ولا سيما قطاع غزة.
ووفق ما أعلنته الحركة، فقد أشاد نعيم بالموقف الإيراني الداعم للقضية الفلسطينية وقطاع غزة، بينما نقلت وكالة «تسنيم» الإيرانية أن عراقجي أكد أن الفريق الإيراني سيثير الملف الفلسطيني في المفاوضات الجارية، إلى جانب طرح ما وصفه بالعدوان الإسرائيلي في المحافل الدولية.
هذا الاتصال هو الثاني من نوعه خلال يونيو، إذ سبق لعراقجي أن تواصل مع خليل الحية، قائد الحركة في غزة ورئيس وفدها المفاوض. غير أن الاتصال الأخير بدا أكثر وضوحًا في محاولة ربط غزة بالمسار الأميركي - الإيراني، ولو سياسيًا وإعلاميًا، في ظل إدراك داخل «حماس» بأن واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى فصل الجبهات وعدم السماح بتحويل غزة إلى بند تفاوضي ضمن صفقة إقليمية أوسع.
مصادر قيادية في «حماس» بالخارج تؤكد أن التواصل مع طهران لا يعني الاستغناء عن مسار الوساطة الأساسي الذي تقوده مصر وقطر وتركيا، بل يأتي ضمن سياسة الانفتاح على كل الأطراف القادرة على دعم تثبيت وقف إطلاق النار. ومع ذلك، لا تخفي هذه المصادر تطلعها إلى دور إيراني ضاغط، خصوصًا بعدما رأت أن جبهة لبنان استفادت من التفاهمات الإيرانية - الأميركية في تثبيت وقف إطلاق النار هناك.
غير أن هذا الرهان يبدو محفوفًا بالشكوك. فمصادر فلسطينية ترى أن الولايات المتحدة لن تسمح بإدراج غزة ضمن مفاوضاتها مع إيران، وأنها تتعامل مع القطاع كملف منفصل له وسطاءه ومساره الخاص. كما أن فصائل فلسطينية نصحت قيادة «حماس» خلال اجتماعات القاهرة بعدم التعويل المفرط على المسار الإيراني، والدفع بدلًا من ذلك نحو موقف فلسطيني موحد يتعامل بإيجابية مع المقاربات المطروحة، بما يضمن وقف الخروقات وحماية ما تبقى من الاتفاق.حسب صحيفة «الشرق الأوسط».
خروقات ميدانية تقوّض السياسة
على الأرض، تبدو معادلة التفاوض أكثر هشاشة تحت وقع الخروقات الإسرائيلية المتواصلة. فقد واصلت قوات الاحتلال، الأربعاء، عمليات القصف وإطلاق النار في مناطق متفرقة من شرق وجنوب قطاع غزة، في انتهاك متكرر لاتفاق وقف إطلاق النار.
وأفادت المعطيات الواردة باستشهاد الطفل أحمد محسن الرقبب وإصابة عدد من المواطنين جراء قصف استهدف خيمة في مواصي خان يونس. كما استشهد المواطن آدم أبو حدايد متأثرًا بإصابته في قصف إسرائيلي سابق قرب شارع 5 في مواصي خان يونس جنوبي القطاع.
وفي مدينة غزة، قصفت طائرات الاحتلال مخيم إيواء للنازحين في حي الشيخ عجلين جنوب غربي المدينة، ما خلّف دمارًا واسعًا في خيام النازحين وشرد عشرات العائلات. كما شنت غارات في محيط محطة الخزندار قرب منطقة السودانية شمال غرب المدينة، واستهدفت حي التفاح شمال شرقي غزة، إضافة إلى قصف أرض في محيط مدرسة شهداء غزة في الحي نفسه.
وفي شمال القطاع، توغلت قوات الاحتلال في منطقة العطاطرة ببيت لاهيا، وحاصرت عائلات نازحة داخل خيامها، بينما أطلقت الآليات الإسرائيلية النار شمال شرقي خان يونس. وترافقت هذه الخروقات مع استمرار الحصار والقيود المفروضة على المعابر، بما يفاقم الأزمة الإنسانية ويجعل الحديث عن التعافي المبكر وإعادة الإعمار سابقًا لأوانه في نظر كثيرين.
ووفق وزارة الصحة، ارتفع عدد الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025إلى 1,028 شهيدًا، فيما بلغ عدد المصابين 3,280، إلى جانب 785 حالة انتشال. أما الحصيلة التراكمية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، فقد وصلت إلى 73,040 شهيدًا و173,388 مصابًا.
اتفاق بلا ضامن حقيقي
تكشف التطورات السياسية والميدانية أن أزمة غزة لم تعد أزمة نصوص تفاوضية فقط، بل أزمة ضمانات. فالقاهرة تحاول تثبيت مسار سياسي يمنع عودة الحرب الشاملة، و«مجلس السلام» يدفع نحو ترتيبات إدارية وأمنية جديدة، و«حماس» تسعى إلى عدم خسارة أوراقها قبل ضمان الانسحاب ووقف الخروقات، بينما تراهن إسرائيل على فرض وقائع ميدانية تعيد تعريف الاتفاق وفق مصالحها.
أما واشنطن، التي تملك التأثير الأكبر على القرار الإسرائيلي، فتبدو حتى الآن راغبة في إدارة الأزمة أكثر من حسمها. وبينما تنشغل بمسارات إقليمية أخرى، من إيران إلى لبنان، تحاول «حماس» إدخال غزة إلى جدول التفاوض الأوسع، لكنها تصطدم برغبة أميركية - إسرائيلية واضحة في فصل الملفات وتجزئة الجبهات.
وبين السياسة والنار، تبقى غزة عالقة في مساحة رمادية: لا حرب مفتوحة بالكامل، ولا وقف إطلاق نار مضمون، ولا إدارة مدنية مستقرة، ولا أفق واضح لإعادة الإعمار. وفي هذا الفراغ، تتحول كل ورقة تفاوضية إلى اختبار قوة، وكل خرق ميداني إلى رسالة سياسية، فيما يدفع المدنيون الثمن الأكبر لاتفاق لم يكتمل، وسلام لم يولد بعد.
