أثارت الصورة التي نشرها الصحفي والأسير المحرر مجاهد بني مفلح، بعد رحلة اعتقال وعلاج قاسية امتدت لأكثر من عام، صدمة واسعة في الوسط الصحفي والحقوقي الفلسطيني، بعدما عكست بوضوح حجم التحول الصحي والجسدي الذي طرأ عليه عقب خروجه من سجون الاحتلال الإسرائيلي.
وقال نادي الأسير، يوم الأربعاء 24 يونيو/حزيران 2026، إن الحالة الصحية التي وصل إليها الصحفي المعتقل سابقًا مجاهد بني مفلح، بعد مرور نحو ستة أشهر على الإفراج عنه، تختزل ما وصفه بـ«المعنى الحقيقي للسجن الإبادي الإسرائيلي»، الذي تحوّل، وفق البيان، إلى أداة للقتل البطيء والمباشر بحق الأسرى، عبر التعذيب والتجويع والحرمان من العلاج وسياسات الإذلال اليومية.
وكان الاحتلال قد اعتقل بني مفلح إداريًا في حزيران/يونيو 2025، وأُفرج عنه في كانون الثاني/يناير 2026. وبعد يومين فقط من الإفراج عنه، تعرض لنزيف دماغي حاد نُقل على إثره إلى المستشفى بحالة حرجة، وخضع لسلسلة عمليات جراحية نتيجة مضاعفات صحية خطيرة، ولا يزال حتى اليوم ينتظر رحلة علاج طويلة ومعقدة.
حالة فردية تكشف نمطًا ممنهجًا
وأكد نادي الأسير أن حالة بني مفلح ليست استثناءً، بل تمثل واحدة من بين آلاف الحالات التي واجهت وتواجه انتهاكات خطيرة داخل منظومة السجون الإسرائيلية، تشمل، بحسب النادي، التعذيب، والتجويع، والحرمان الكلي أو المتعمد من العلاج، والاعتداءات الجسدية والنفسية، إضافة إلى سياسة الإرهاب النفسي المستمرة التي تُمارس بحق الأسرى على مدار الساعة.
وأشار النادي إلى أن المؤسسات المختصة تابعت خلال الفترة الماضية مئات الحالات لأسرى محررين خرجوا من السجون بأوضاع صحية ونفسية بالغة الخطورة، غير أن كثيرًا من هذه الحالات لم يُكشف للرأي العام، بسبب حالة الخوف والصدمة والرعب التي يعيشها الأسرى المحررون وعائلاتهم، خشية إعادة اعتقالهم أو ملاحقتهم.
كما لفت إلى أن عددًا من الأسرى المحررين استُشهدوا بعد فترات وجيزة من الإفراج عنهم، متأثرين بالجرائم والانتهاكات التي تعرضوا لها خلال فترة اعتقالهم، بما يعزز المخاوف الحقوقية من أن تكون سياسات الإهمال الطبي والتعذيب والحرمان جزءًا من نمط ممنهج يستهدف حياة الأسرى وسلامتهم الجسدية والنفسية.
البعد القانوني: الاعتقال لا يسقط حق الأسير في الحياة والعلاج
وتعيد حالة بني مفلح تسليط الضوء على الالتزامات القانونية الواقعة على سلطات الاحتلال تجاه الأسرى والمعتقلين، وفي مقدمتها حماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية والنفسية، وحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وضمان الحق في الرعاية الصحية والعلاج الملائم.
وتزداد خطورة الحالة في ظل كون بني مفلح اعتُقل إداريًا، وهو نمط من الاعتقال يتيح احتجاز الفلسطينيين دون توجيه تهمة محددة أو محاكمة فعلية لفترات قابلة للتمديد، ما يجعله موضع انتقاد حقوقي دائم باعتباره إجراءً يمس ضمانات العدالة والمحاكمة العادلة، خصوصًا حين يقترن بظروف احتجاز قاسية وإهمال طبي وانتهاكات جسيمة.
وبذلك، لا تقف قضية بني مفلح عند حدود معاناة فردية، بل تفتح مجددًا ملف المساءلة القانونية عن أوضاع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وعن مدى التزام إسرائيل، بصفتها قوة احتلال، بالقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

شهادة من داخل الألم
وفي شهادة مؤثرة نشرها بني مفلح عبر صفحته في «فيسبوك»، قال إن 14 شهرًا من السجن والعلاج الطويل لم تكن مجرد وقت عابر، بل «عمرًا كاملًا من الوجع»، عاش خلاله الجوع حتى صار الخبز حلمًا، والعطش حتى أصبحت جرعة الماء نعمة، ومرّ خلاله بأشكال من الإذلال والتعذيب تركت أثرها على الروح قبل الجسد.
وأضاف أنه تعرّف في السجن إلى معنى الألم حين يصبح الجسد عاجزًا عن الراحة، وإلى قسوة الليالي حين تتحول الساعات إلى عبء ثقيل بين الوجع والتفكير والخوف من المجهول. ثم جاءت رحلة العلاج، كما وصفها، امتدادًا لذلك الألم، ومحاولة يومية لاستعادة ما سُلب من الجسد والروح.
وأشار بني مفلح إلى أن تجربة الاعتقال أعادت تعريفه للنعم البسيطة التي اعتاد الإنسان التعامل معها كأمور عادية؛ الطعام الكافي، والماء، والنوم الآمن، والقدرة على الحركة، والعيش بحرية وكرامة.
وقال في شهادته: «هناك، بين الجدران الباردة والليالي الطويلة، تعلّمت كيف يمكن للجوع أن يكسر الكبرياء، وكيف يمكن للألم أن يجرّد الإنسان من كل شيء إلا إيمانه وصبره». وأضاف أن التجربة كشفت له قيمة الصحة والحرية والكرامة، مؤكدًا أن بعض التجارب لا تمر بالإنسان فقط، بل تحفر في أعماقه حقيقة لا تُنسى: أن ما يملكه الإنسان اليوم قد يصبح غدًا أمنية بعيدة.
صدمة في الوسط الصحفي الفلسطيني
وأحدثت صورة بني مفلح تفاعلًا واسعًا في الأوساط الصحفية والحقوقية، لما حملته من مفارقة قاسية بين صورته قبل الاعتقال وصورته بعد الإفراج ورحلة العلاج. واعتبر صحفيون ونشطاء أن الصورة تختصر جانبًا من معاناة الأسرى الفلسطينيين داخل السجون، وتكشف أثر الاعتقال لا على الجسد وحده، بل على حياة الإنسان وكرامته وذاكرته وأسرته ومحيطه المهني والاجتماعي.
وعقّب الصحفي صالح مشارقة على الصورة قائلًا إن مجاهد بني مفلح عاد من «سجن وقهر ومرض» ليظل «أجمل الوجوه وأطهر القلوب»، مضيفًا أنه سيكون رمزًا يكشف للعالم كيف تُغتال حياة الصحفي وهو في طريقه إلى الحرية.
استهداف الصحفيين: بين القتل والاعتقال والملاحقة
وفي سياق متصل، قال نادي الأسير إن استهداف الصحفيين الفلسطينيين شهد تصاعدًا غير مسبوق منذ بدء حرب الإبادة، سواء عبر عمليات القتل التي طالت مئات الصحفيين في قطاع غزة، أو من خلال حملات الاعتقال والملاحقة في الضفة الغربية والقدس.
ووفق عمليات التوثيق والرصد، بلغ عدد حالات الاعتقال في صفوف الصحفيين أكثر من 245 حالة منذ بدء الحرب، في مؤشر يعكس، بحسب مؤسسات حقوقية، اتساع دائرة استهداف حرية الصحافة ومحاولة إسكات الرواية الفلسطينية، سواء داخل الميدان أو خلف القضبان.
وتؤكد قضية بني مفلح أن الصحفي الفلسطيني لا يواجه خطر الاستهداف أثناء التغطية فحسب، بل يواجه أيضًا خطر الاعتقال الإداري، والتعذيب، والإهمال الطبي، والعودة من السجن محمّلًا بجراح مفتوحة لا تنتهي لحظة الإفراج.
وبين صورة ما قبل الاعتقال وصورة ما بعد العلاج، لا تبدو حكاية مجاهد بني مفلح مجرد قصة شخصية لأسير محرر، بل شهادة إنسانية وقانونية على منظومة قمع تمس الحق في الحياة والصحة والكرامة والحرية، وتضع المجتمع الدولي أمام اختبار جديد: هل تكفي بيانات القلق، أم آن أوان المساءلة الفعلية عن الجرائم المرتكبة بحق الأسرى والصحفيين الفلسطينيين؟
