كشف الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» بشأن قطاع غزة، نيكولاي ملادينوف، تفاصيل إضافية عن خارطة الطريق المتعلقة بالمرحلة المقبلة في القطاع، واضعاً معادلة تبدو، في جانب أساسي منها، مختلفة عن الصورة التي حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تقديمها عندما أعلن رفض إسرائيل وثيقة النقاط الـ15.
فبحسب ملادينوف، لا تطالب الخطة بانسحاب إسرائيلي فوري وغير مشروط من قطاع غزة، وإنما تربط الانسحاب بعملية واسعة ومراقبة لـإخراج جميع الأسلحة من الخدمة وتفكيك البنية العسكرية والأنفاق، في مقابل التزام إسرائيل بعدم توسيع انتشار قواتها خارج «الخط الأصفر».
وبذلك، يتحول جوهر الخلاف من سؤال: «هل تنسحب إسرائيل قبل نزع السلاح؟» إلى سؤال أكثر دقة: هل يجري تنفيذ نزع السلاح والانسحاب وفق خطوات متدرجة ومتبادلة، أم تفرض إسرائيل إنجاز العملية برمتها قبل أن تنفذ أي خطوة مقابلة؟
ملادينوف: تفكيك الأنفاق قد يحتاج أكثر من عشر سنوات
وقال ملادينوف، في مقابلة مع القناة 12 الإسرائيلية، إن حجم شبكة الأنفاق في قطاع غزة يجعل الحديث عن تدميرها بالكامل خلال فترة قصيرة أمراً غير واقعي من الناحية العملية.
وأضاف أن تدمير جميع الأنفاق قد يستغرق أكثر من عشر سنوات، ولذلك يبحث «مجلس السلام» في الاستعانة بآليات ومقاولين وجهات متخصصة قادرة على تنفيذ عملية التفكيك الفعلية.
وتكشف هذه التصريحات عن واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في خارطة الطريق، إذ إن ربط أي انسحاب إسرائيلي بإزالة آخر نفق في غزة حرفياً قد يعني عملياً بقاء القوات الإسرائيلية لسنوات طويلة.
ومن هنا تأتي محاولة «مجلس السلام» صياغة آلية تقوم على إخراج المنظومة العسكرية من الخدمة بصورة يمكن التحقق منها، بدلاً من انتظار انتهاء كل أعمال الهدم الهندسية للأنفاق التي قد تستمر سنوات.
«كل السلاح».. وليس سلاح حماس وحدها
وذهب ملادينوف إلى أبعد من الحديث عن حماس، مؤكداً أن الخطة تستهدف في نهايتها وجود سلطة واحدة وسلاح واحد داخل قطاع غزة.
وقال إن المناقشات الحالية تهدف إلى التوصل إلى نتيجة يتم بموجبها إخراج جميع الأسلحة من الخدمة، بما يشمل الأسلحة الموجودة لدى الفصائل والميليشيات، والأسلحة الثقيلة، ومنشآت تصنيع السلاح.
وأوضح أن عملية إخراج السلاح من الخدمة يفترض أن تخضع للتحقق، وأن تسحب الأسلحة من الفصائل وتوضع في مخازن مخصصة قبل الوصول في نهاية العملية إلى جعلها غير قابلة للاستخدام.
وتنسجم هذه الصيغة مع ما أعلنه «مجلس السلام» سابقاً من أن الخطة تشمل الأسلحة الثقيلة والخفيفة والأنفاق ومستودعات السلاح ومنشآت الإنتاج، وأن التنفيذ يجب أن يخضع للتحقق وليس لمجرد التعهدات السياسية.
كما سبق لملادينوف أن شدد على أن الانسحاب يجب أن يتحرك بالتوازي مع عملية نزع السلاح، ضمن مبدأ التبادلية بين خطوات الطرفين.
متى تنسحب إسرائيل؟
وفي أكثر النقاط حساسية، أوضح ملادينوف أن إسرائيل ستنسحب عندما يجري التحقق من إخراج الأسلحة من الخدمة وسحبها من التنظيمات المسلحة وفق الآلية المتفق عليها.
لكن ذلك لا يعني، في المقابل، منح الجيش الإسرائيلي حرية توسيع المنطقة التي يحتلها أثناء عملية التنفيذ.
وقال ملادينوف بوضوح إن القوات الإسرائيلية موجودة حالياً عند «الخط الأصفر»، وإن ما يطلبه مجلس السلام هو ألا ينشر الجيش الإسرائيلي قوات في مواقع تتجاوز هذا الخط.
وهنا يظهر الفارق الأساسي بين موقف المجلس والموقف الذي يحاول اليمين الإسرائيلي الدفع باتجاهه.
فالمجلس يقبل ببقاء القوات الإسرائيلية عند الخط الأصفر خلال عملية نزع السلاح، لكنه لا يمنح إسرائيل، بحسب هذا التصور، حق تحويل المرحلة الانتقالية إلى فرصة للاستيلاء على مساحات إضافية أو التقدم وراء الخط.
وفي المقابل، يفترض أن يبدأ الانسحاب من المناطق التي يتم التحقق من نزع السلاح منها وفق مراحل التنفيذ.
إذاً.. ماذا رفض نتنياهو؟
هذا التوضيح يضع إعلان نتنياهو، الأحد، رفض وثيقة النقاط الـ15 تحت مجهر مختلف.
فنتنياهو قال إن إسرائيل «ترفض» الوثيقة، وأصر على أن الجيش لن ينسحب قبل نزع سلاح حماس بصورة «حقيقية»، بما يشمل السلاح الثقيل والخفيف. وهو موقف أكده علناً خلال اجتماع حكومته.
لكن عند مقارنة هذا التصريح بما يقوله «مجلس السلام»، يتبين أن المجلس نفسه لا يطالب بانسحاب إسرائيلي كامل قبل نزع السلاح، بل أعلن سابقاً أن القوات الإسرائيلية لن تتجاوز الخط الأصفر باتجاه الانسحاب النهائي إلا بعد استكمال عملية إخراج السلاح من الخدمة.
وهذا ما دفع وسائل إعلام إسرائيلية إلى التساؤل عن الحجم الحقيقي للخلاف.
فبحسب ما أوردته هيئة البث الإسرائيلية «كان»، فإن الوسطاء الذين ساهموا في التوصل إلى التفاهم مع حماس ينتظرون الآن تحركاً وضغطاً أميركياً باتجاه إسرائيل لتنفيذ التزاماتها.
ونقلت القناة عن مسؤولين مطلعين على عمل «مجلس السلام» تشديدهم على أن المطلوب في المرحلة الحالية هو أن «تفي الأطراف بالتزاماتها».
رفض سياسي أم خلاف على طريقة التنفيذ؟
المفارقة أن نتنياهو يعلن رفض الاتفاق رغم أن إسرائيل ليست الطرف الذي تفاوض مع الفصائل الفلسطينية على وثيقة النقاط الـ15 بصيغتها الحالية، فيما تتقاطع بعض أهم مطالبه المعلنة مع ما يقوله مجلس السلام نفسه.
فنتنياهو يقول: لا انسحاب قبل نزع السلاح.
وملادينوف يقول بدوره: لا انسحاب نهائي قبل التحقق من إخراج السلاح من الخدمة.
لكن نقطة الاشتباك الحقيقية تظهر في كيفية التنفيذ؛ فخارطة الطريق تستند إلى خطوات متبادلة وتدريجية، بينما يريد جناح واسع في الحكومة الإسرائيلية تحويل نزع السلاح الكامل في عموم قطاع غزة إلى شرط مسبق لإنجاز أي خطوة إسرائيلية مقابلة.
وقد وصف «مجلس السلام» الاتفاق عند إعلانه بأنه يقوم على التنفيذ والتحقق المتبادل، مع انتقال السيطرة إلى إدارة مدنية فلسطينية جديدة مدعومة بقوة الاستقرار الدولية.
القوة الدولية لم تعد مجرد اقتراح
وتزداد الفجوة بين الخطاب السياسي الإسرائيلي وما جرى إقراره بالفعل عندما يتعلق الأمر بقوة الاستقرار الدولية.
فالكابينت الإسرائيلي كان قد أعطى موافقة أولية على إدخال قوة متعددة الجنسيات إلى مناطق في قطاع غزة، في إطار مشروع تجريبي يبدأ من منطقة رفح.
وتحدثت المعلومات المنشورة عن مشاركة أولية لمئات العناصر من دول بينها المغرب وأوغندا، على أن تعمل القوة ضمن ترتيبات أمنية متفق عليها.
كما وافق البرلمان الأوغندي بالفعل على إرسال قوات للمشاركة في القوة الدولية، فيما بدأت ترتيبات متعلقة بوجود عناصر مغربية، وهو ما يؤكد انتقال المشروع من مستوى النقاش النظري إلى خطوات عملية.
وكشفت تقارير أخرى عن منح أول عقد لبناء موقع عسكري مخصص لعناصر من قوة الاستقرار في جنوب قطاع غزة، في مؤشر إضافي إلى تقدم التحضيرات الميدانية للمشروع.
القناة 12: تحضيرات للانسحاب من مناطق في رفح
وفي هذا السياق، أفادت القناة 12 الإسرائيلية، بحسب المعلومات المتداولة مساء الأحد، بأن نتنياهو ورئيس أركان الجيش أقرا من حيث المبدأ خطة لإعادة انتشار الجيش من ثلاث مناطق في رفح واستبدال القوات الإسرائيلية فيها بقوة دولية في إطار مشروع «مجلس السلام».
وإذا استكملت هذه الخطوة، فإنها ستشكل نموذجاً عملياً للمعادلة التي يريد المجلس تطبيقها لاحقاً: منطقة يجري تأمينها ونزع مظاهر السلاح منها، تتراجع منها القوات الإسرائيلية، وتحل قوة الاستقرار والإدارة الفلسطينية الجديدة مكانها.
وتنسجم الفكرة من حيث المبدأ مع الموافقة الإسرائيلية المعلنة سابقاً على إطلاق تجربة لقوة الاستقرار في رفح، وإن كانت تفاصيل إعادة الانتشار ومواعيدها لا تزال خاضعة للمفاوضات.
حديث إسرائيلي عن تقليص القوات
كما تأتي التطورات السياسية وسط تقارير إسرائيلية عن استعداد الجيش لإعادة تنظيم انتشاره داخل القطاع وتقليص حجم القوات الموجودة فيه.
وفي الوقت نفسه، أكدت تقارير دولية أن إسرائيل خفضت في الأيام الأخيرة من وتيرة هجماتها، وأن العمليات باتت تتركز بصورة أكبر على ما تصفه بالتهديدات الفورية، بالتزامن مع الضغط الأميركي لدفع المرحلة التالية من الاتفاق إلى الأمام.
وبالتالي، فإن المشهد الميداني لا يبدو متطابقاً تماماً مع الصورة التي رسمها نتنياهو في خطابه الرافض؛ إذ تجري على الأرض استعدادات للقوة الدولية، واتصالات حول إعادة الانتشار، مع انخفاض في وتيرة الهجمات.
ملادينوف يشيد بمصر وقطر وتركيا
وفي جانب آخر من المقابلة، منح ملادينوف الوسطاء الإقليميين ثقلاً واضحاً في الوصول إلى التفاهمات الأخيرة.
وقال إن تجربته خلال الأشهر الثمانية الماضية أثبتت أنه لولا مصر وقطر وتركيا لما أمكن الوصول إلى الوضع الذي وافقت فيه حماس على خارطة الطريق، مؤكداً أن مساهمة الدول الثلاث كانت حاسمة.
وتشكل هذه الإشارة رسالة سياسية مهمة في وقت تحاول فيه أطراف داخل إسرائيل التشكيك في الاتفاق أو تصويره باعتباره تفاهماً منفصلاً عن المصالح الأمنية الإسرائيلية.
فملادينوف يقدم الاتفاق باعتباره نتيجة أشهر طويلة من العمل مع الوسطاء، لا خطوة مفاجئة، ويقول إن الهدف النهائي للخطة هو منع غزة من العودة إلى الوضع العسكري الذي سبق هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأكد أن تنفيذ خطة «مجلس السلام» بصورة كاملة يهدف إلى ضمان عدم تكرار أحداث ذلك اليوم.
واشنطن تريد إغلاق جبهة غزة
وفي خلفية هذا الخلاف، تحدثت القناة 13 الإسرائيلية عن تصاعد التوتر بين حكومة نتنياهو وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وبحسب القناة، تطالب واشنطن بتخفيف العمليات العسكرية الإسرائيلية ووقف الاغتيالات التي يمكن أن تعطل تنفيذ التفاهمات، بالتوازي مع الدفع باتجاه إدخال القوة متعددة الجنسيات إلى غزة.
ويأتي الضغط الأميركي في سياق أوسع، إذ زار قائد القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» الأدميرال براد كوبر إسرائيل، السبت، وأجرى مباحثات مع رئيس الأركان إيال زامير وكبار المسؤولين العسكريين حول غزة والملفات الإقليمية. وقد أكدت تقارير مستقلة حصول الزيارة والمباحثات بشأن غزة وإيران.
المشكلة في «من يبدأ» لا في عنوان نزع السلاح
وبعد تصريحات ملادينوف، يبدو أن توصيف الأزمة باعتبارها خلافاً بين طرف يريد «نزع السلاح» وآخر يريد «انسحاباً بلا شروط» لا يعكس الصورة كاملة.
فالخطة نفسها تقوم على نزع السلاح بصورة شاملة، وتفكيك الأنفاق ومنشآت التصنيع، ونقل الأمن إلى أجهزة مدنية وقوة دولية.
لكن في المقابل، تطالب إسرائيل بالتوقف عند «الخط الأصفر» وعدم توسيع انتشارها، ثم الانسحاب تدريجياً وفق التقدم المحقق في نزع السلاح.
ولهذا، فإن معركة نتنياهو مع «مجلس السلام» ليست على الهدف النهائي بقدر ما هي على ترتيب الخطوات ومن يملك التحكم في توقيتها.
وهو ما يجعل إعلان نتنياهو «رفض وثيقة النقاط الـ15» أقل وضوحاً عندما يوضع بجانب المواقف التي أعلنها ملادينوف: فلا مجلس السلام يطالب الجيش الإسرائيلي بالانسحاب غداً من كل غزة، ولا إسرائيل بعيدة عملياً عن ترتيبات القوة الدولية وإعادة الانتشار التي تتضمنها الخطة.
ملادينوف يضع نتنياهو أمام السؤال الأصعب
وخلاصة تصريحات ملادينوف تبدو واضحة:
غزة يفترض أن تصبح منزوعة السلاح، والأنفاق يجب تفكيكها، والأسلحة يجب إخراجها جميعاً من الخدمة، وإسرائيل لن تنسحب نهائياً قبل تحقق ذلك؛ لكن إسرائيل بدورها مطالبة بعدم تجاوز الخط الأصفر، وبالانسحاب عندما تتحقق شروط نزع السلاح وفق خارطة الطريق.
ومن هنا يصبح السؤال السياسي الأكثر إحراجاً لحكومة نتنياهو:
إذا كان «مجلس السلام» يتبنى بالفعل مبدأ نزع السلاح الكامل قبل إتمام الانسحاب، فما الذي يرفضه نتنياهو تحديداً؟
الإجابة التي تتبلور من التقارير الإسرائيلية هي أن الصراع لم يعد يدور فقط حول سلاح حماس، وإنما حول من يسيطر على عملية التنفيذ، وهل تبقى إسرائيل صاحبة القرار المنفرد على الأرض، أم تنتقل غزة تدريجياً إلى معادلة جديدة تشارك فيها إدارة فلسطينية وقوة دولية وضمانات أميركية وإقليمية.
وهذه هي، على الأرجح، العقدة التي ستحدد خلال الأيام المقبلة ما إذا كان إعلان نتنياهو رفض الوثيقة مقدمة لنسف خارطة الطريق، أم مجرد محاولة لرفع سقف الشروط الإسرائيلية قبل الدخول في تنفيذ خطة بدأت بعض ملامحها تظهر بالفعل على الأرض.
