نتنياهو يحوّل الحرب إلى برنامج انتخابي: غزة ولبنان وإيران أوراق بقاء في الحكم

رئيس الحكومة الإسرائيلية، نتنياهو (Getty Images).jpg

حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن يربط بصورة مباشرة بين استمرار سياساته العسكرية في غزة ولبنان وإيران، وبين بقائه في رئاسة الحكومة، في خطاب اتخذ طابعاً سياسياً انتخابياً واضحاً، قدّم خلاله الحرب بوصفها «إنجازاً» شخصياً ينبغي تثبيته عبر استمرار قيادته.

وفي تصريحات خلال مشاركته، مساء الأربعاء 24 يونيو/حزيران 2026 ، في مؤتمر الحكم المحلي لعام 2026، خصص نتنياهو جانباً واسعاً من خطابه لاستعراض الحرب ونتائجها كما يراها، في محاولة لإعادة صياغة صورته داخلياً من رئيس حكومة واجه أكبر إخفاق أمني في تاريخ إسرائيل الحديث إلى زعيم يزعم أنه يقود تحولاً استراتيجياً في المنطقة.

وقال نتنياهو إن السياسة التي يقودها تقوم على ركيزتين هما «الأمن والازدهار»، معتبراً أن الحرب «غيّرت وجه المنطقة». وأضاف أن «أهم شيء فعلناه في هذه الحرب هو كسر حاجز الخوف»، في إشارة إلى محاولته تقديم استمرار العمليات العسكرية بوصفه شرطاً لاستعادة الردع الإسرائيلي.

لكن الخطاب، في جوهره، بدا أقل انشغالاً بمستقبل الحرب وأكثر التصاقاً بمستقبل نتنياهو السياسي. فقد كرر في أكثر من ملف عبارة «طالما أنا رئيس للحكومة»، محولاً غزة ولبنان وإيران إلى عناوين في معركة البقاء السياسي، لا إلى ملفات أمنية منفصلة تُدار وفق حسابات الدولة والمؤسسات.

غزة: احتلال أوسع تحت شعار «خنق حماس»

في ملف غزة، دافع نتنياهو عن قراراته العسكرية، وزعم أنه رفض ضغوطاً داخلية وخارجية لوقف الحرب أو الانسحاب من القطاع مقابل استعادة الأسرى الإسرائيليين. وقال إن جهات عدة طالبت إسرائيل بالخروج من غزة، لكنه رفض ذلك، مدعياً أن الجيش الإسرائيلي يسيطر اليوم على «نحو 70% من قطاع غزة».

وأضاف: «نحن نخنق حماس»، زاعماً أن إسرائيل اغتالت «أحد آخر مهندسي السابع من أكتوبر»، في إشارة إلى عز الدين الحداد. لكنه أقر في الوقت نفسه بأن «حماس ما زالت موجودة»، قائلاً إن إسرائيل «ستتعامل مع ذلك أيضاً».

ويكشف هذا المقطع من الخطاب أن نتنياهو لا يتحدث عن وقف حرب أو انتقال سياسي أو ترتيبات إنسانية، بل عن توسيع السيطرة الميدانية وإدامة الوجود العسكري. فبدلاً من تقديم رؤية لإنهاء الحرب أو معالجة الكارثة الإنسانية، أعاد نتنياهو إنتاج معادلة القوة ذاتها: المزيد من السيطرة، المزيد من الضغط، والمزيد من ربط مستقبل القطاع بالقرار الأمني الإسرائيلي.

وفي أحد أكثر المقاطع استفزازاً، تطرق نتنياهو إلى قرار حكومته إقامة مطار جديد جنوبي إسرائيل، قائلاً إن مسؤولين نبهوا إلى قرب الموقع من غزة، فردّ، وفق ما نقل عنه: «لا توجد غزة». وأضاف مهدداً: «إذا أطلقوا النار علينا فلن يبقى منهم شيء».

هذه العبارة، بما تحمله من دلالة سياسية ولغوية، لا تبدو مجرد جملة عابرة في خطاب تعبوي، بل تلخص منطقاً أوسع يقوم على محو غزة ككيان سياسي وجغرافي وإنساني، وتحويلها إلى مساحة أمنية خاضعة للتهديد الدائم. وهي تعكس، في الوقت ذاته، حجم الانزياح في الخطاب الرسمي الإسرائيلي من الحديث عن «أمن الحدود» إلى التهديد بإلغاء المكان وسكانه من المعادلة.

لبنان: احتلال معلن باسم «المنطقة الأمنية»

وفي الملف اللبناني، ربط نتنياهو استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب اللبناني ببقائه في منصبه، قائلاً: «طالما بقيت رئيساً للحكومة، سنحافظ على المنطقة الأمنية في جنوب لبنان».

بهذه العبارة، لم يكتف نتنياهو بتأكيد نية إسرائيل البقاء في مناطق تحتلها في الجنوب اللبناني، بل حوّل هذا البقاء إلى تعهد سياسي شخصي، موجّه بالأساس إلى الجمهور الإسرائيلي اليميني، وإلى سكان الشمال، وإلى شركائه في الائتلاف.

وزعم نتنياهو أن إسرائيل قتلت «نحو عشرة آلاف» من عناصر حزب الله منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأن الجيش الإسرائيلي «قضى على نصر الله وكامل طاقم القيادة»، على حد تعبيره. كما قال إن المنطقة الأمنية تمنع أي محاولة للتسلل إلى الجليل، وإن إسرائيل تواصل العمل على تدمير البنى التحتية تحت الأرض في جنوب لبنان.

غير أن هذا الخطاب يتجاوز فكرة الدفاع إلى تثبيت واقع عسكري جديد خارج الحدود. فنتنياهو لا يتحدث عن انسحاب أو تسوية أو تنفيذ اتفاقات، بل عن بقاء مفتوح، وعن تحويل الجنوب اللبناني إلى ساحة أمنية إسرائيلية مباشرة، بما يهدد بإدامة التوتر وإعادة إنتاج نموذج الاحتلال تحت مسمى «منطقة أمنية».

كما أشار إلى أن إسرائيل ما زال أمامها «عمل ينبغي القيام به» في لبنان، معتبراً أن أحد أبرز التحديات يتمثل في مواجهة الطائرات المسيّرة. وقال إن إسرائيل ستكون «أول دولة في العالم تحل مشكلة المسيّرات الانتحارية»، في محاولة لربط الحرب المستمرة بصورة التفوق التكنولوجي والعسكري.

إيران: نتنياهو يبيع صورة «الحارس الأخير»

وفي ما يتعلق بإيران، كرر نتنياهو معادلته السياسية المفضلة، قائلاً: «طالما أنا رئيس للحكومة، لن يكون لدى إيران سلاح نووي».

هذا الربط ليس جديداً في خطاب نتنياهو، لكنه يعود الآن في سياق مختلف، بعدما تحولت إيران مجدداً إلى محور أساسي في حملته السياسية. فهو يقدم نفسه للجمهور الإسرائيلي بوصفه «الحارس الأخير» أمام المشروع النووي الإيراني، في محاولة لاستعادة صورة الزعيم الذي لا يمكن استبداله في الملفات الكبرى.

وزعم نتنياهو أنه تجاهل على مدى سنوات تحذيرات ونصائح دعت إلى عدم مهاجمة إيران أو استهداف قيادتها، مضيفاً أن إسرائيل نفذت عمليات داخل إيران قبل الانتقال إلى العمل العسكري المباشر.

وقال إنه أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب مسبقاً بخطة مهاجمة إيران، في إشارة إلى الحرب التي شنتها إسرائيل في حزيران/يونيو 2025، لكنه شدد على أنه لم يطلب إذناً من واشنطن، بل أبلغها بالخطة. وأضاف أن ترامب «انضم في نهاية المطاف» إلى العملية العسكرية ضد إيران، معتبراً أن ذلك ساهم في تحقيق أهدافها.

ورغم محاولة نتنياهو تقديم هذا المسار بوصفه إنجازاً استراتيجياً، فإن توقيت خطابه يعكس قلقاً سياسياً واضحاً من أي تفاهم أميركي - إيراني قد يقلص هامش المناورة الإسرائيلي، أو يضعف سرديته القائمة على أن المواجهة وحدها، لا الدبلوماسية، هي الطريق الوحيد للتعامل مع طهران.

واشنطن بين بايدن وترامب: استدعاء الخلاف لخدمة الرواية

عاد نتنياهو في خطابه إلى خلافاته مع الإدارة الأميركية السابقة بشأن الحرب على غزة، قائلاً إن الرئيس الأميركي السابق جو بايدن عارض دخول الجيش الإسرائيلي إلى رفح وهدد بوقف إمدادات السلاح.

وأضاف أنه أبلغ الإدارة الأميركية حينها بأن إسرائيل ستواصل عملياتها العسكرية حتى «لو اضطرت إلى القتال بأظافرها»، على حد تعبيره.

ومن خلال هذا الاستدعاء، حاول نتنياهو رسم صورة مزدوجة: زعيم قادر على تحدي واشنطن عندما تعارضه، وقادر في الوقت ذاته على جرّها إلى جانبه عندما تتطابق مصالحه مع إدارتها. إنها رواية مصممة بدقة للجمهور الداخلي، خصوصاً في لحظة انتخابية محتملة، حيث يسعى إلى إظهار نفسه باعتباره السياسي الإسرائيلي الأكثر قدرة على إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة من موقع القوة لا التبعية.

غير أن هذه الرواية تتجاهل حقيقة أن إسرائيل تعتمد سياسياً وعسكرياً على الدعم الأميركي، وأن قدرة نتنياهو على المناورة لم تكن منفصلة عن الحماية الدبلوماسية والعسكرية التي وفرتها واشنطن لإسرائيل طوال الحرب.

الضفة الغربية: الاستيطان جزء من «المحور الشرقي»

لم يغب ملف الضفة الغربية عن خطاب نتنياهو، إذ تعهد بمواصلة تعزيز الاستيطان في ما يسميه «يهودا والسامرة»، وتحدث عن تطوير «المحور الشرقي للدولة»، في إشارة إلى المناطق الحدودية مع الأردن.

ويأتي هذا التعهد في سياق تصعيد استيطاني متواصل، تتداخل فيه البنى التحتية والطرق والمشاريع الحكومية مع هدف سياسي واضح: تكريس السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، ومنع قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقابلة للحياة.

ومن خلال إدراج الضفة في خطاب «الأمن والازدهار»، يعيد نتنياهو تقديم الاستيطان لا باعتباره مشروعاً أيديولوجياً فحسب، بل كجزء من بنية أمنية واقتصادية للدولة الإسرائيلية. وهذا يعني، عملياً، أن برنامجه للحرب لا ينفصل عن برنامجه للضم الزاحف وتقويض حل الدولتين.

محاكمة تتسارع وخطاب يتجه نحو الانتخابات

تزامن خطاب نتنياهو مع تطور قضائي لافت، بعدما أفادت وسائل إعلام عبرية بأن المحكمة قررت تسريع محاكمته في ملفات الفساد، بحيث تُعقد خمس جلسات أسبوعياً بعد انتهاء شهادته، بدءاً من تشرين الأول/أكتوبر المقبل.

وهذا التطور يمنح الخطاب بعداً سياسياً إضافياً. فنتنياهو لا يخاطب فقط خصومه في الخارج أو أعداء إسرائيل كما يسميهم، بل يخاطب أيضاً أزمته الداخلية: المحاكمة، والانتخابات، وتآكل الثقة، وتداعيات السابع من أكتوبر، والانتقادات المتزايدة لمسؤوليته السياسية والأمنية.

ومن هنا يمكن قراءة خطابه بوصفه محاولة استباقية لإعادة ترتيب جدول النقاش العام في إسرائيل: بدلاً من سؤال المسؤولية عن الفشل، يطرح سؤال «من يستطيع مواصلة الحرب؟» وبدلاً من النقاش حول إنهاء الاحتلال والحرب، يضع الإسرائيليين أمام معادلة شخصية: بقاؤه يعني استمرار القوة، ورحيله يعني ضياع ما يسميه «الإنجازات».

حرب مفتوحة كاستراتيجية بقاء

على امتداد الخطاب، لم يقدم نتنياهو أفقاً سياسياً لإنهاء الحرب، ولا تصوراً واضحاً لليوم التالي في غزة، ولا مساراً دبلوماسياً للبنان، ولا بديلاً عن التصعيد مع إيران. ما قدمه هو سردية قوة مفتوحة: سنبقى في غزة، وسنبقى في جنوب لبنان، وسنواصل مواجهة إيران، وسنعزز الاستيطان، وسأكون أنا الضامن لكل ذلك.

بهذا المعنى، بدا الخطاب أقرب إلى إعلان برنامج انتخابي لحرب طويلة، لا إلى خطاب رئيس حكومة يبحث عن مخارج سياسية. فنتنياهو يحاول تحويل الجبهات المفتوحة إلى ضمانة لبقائه، وتحويل الخوف الإسرائيلي إلى رأس مال انتخابي، وتحويل الاحتلال والحرب إلى عنوان «قيادة حقيقية».

لكن خلف لغة الانتصار التي استخدمها، تظهر معادلة أكثر خطورة: كلما ضاق الهامش السياسي والقضائي أمام نتنياهو، اتسعت الحاجة إلى إبقاء الجبهات مشتعلة. وكلما اقترب الاستحقاق الانتخابي، جرى تسويق الحرب بوصفها دليلاً على ضرورة استمرار الرجل نفسه في الحكم.

في النهاية، لم يكن خطاب نتنياهو مجرد استعراض لإنجازات عسكرية مزعومة، بل كان محاولة لصياغة عقد سياسي جديد مع الجمهور الإسرائيلي: امنحوني البقاء في الحكم، أمنحكم استمرار الحرب. أما الفلسطينيون واللبنانيون والإيرانيون، فحضروا في الخطاب لا كشعوب وحقوق وسيادة، بل كساحات اختبار لزعامة تبحث عن خلاصها في إدامة الصراع.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - عرب 48