كشفت وثيقة حكومية إسرائيلية جديدة أن حجم الأضرار التي لحقت بمجمع مصافي تكرير النفط في خليج حيفا، جراء الهجمات الصاروخية الإيرانية خلال المواجهات الأخيرة، أوسع مما أُعلن عنه في حينه، وأن أعمال ترميم المنشآت المتضررة لن تكتمل قبل عام 2028.
وبحسب ما أوردته مصادر عبرية نقلًا عن وثيقة نشرتها وزارة الداخلية الإسرائيلية، الاثنين 29 حزيران/يونيو 2026، في إطار إجراءات المصادقة على أعمال ترميم الأضرار داخل المجمع، فإن الإصابات لم تقتصر على المواقع التي أعلنت عنها شركة “بازان” سابقًا، بل شملت مباني ومنشآت وأنظمة تشغيلية إضافية لم يُكشف عن تضررها بصورة مفصلة في البيانات الأولى.
وتضع الوثيقة الرواية الرسمية الإسرائيلية السابقة أمام تساؤلات جديدة، بعدما كان وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين قد أكد عقب الهجمات أن إصابة المجمع لن تمس إمدادات الوقود، وأن منشآت الإنتاج لم تتضرر بصورة تؤثر على السوق. غير أن المعطيات الحكومية الجديدة تشير إلى أن الأضرار طالت مكونات أساسية في منظومة التشغيل والتخزين، بما ينعكس على قدرة إنتاج البنزين وتزويده.
وتعرض مجمع “بازان” في خليج حيفا لإصابات خلال هجومين منفصلين؛ الأول في حزيران/يونيو 2025، والثاني في آذار/مارس 2026. وتُعد إصابة حزيران/يونيو الأشد، إذ أدت إلى مقتل ثلاثة من العاملين في المجمع، وإلى تعطيل محطة الطاقة التابعة له، ما تسبب في وقف جميع منشآت التكرير عن العمل.
وكانت الشركة المشغلة قد أبلغت بورصة تل أبيب، عقب هجوم حزيران/يونيو، بأن محطة الطاقة في المجمع “تضررت بصورة كبيرة”، وقدرت حينها حجم الأضرار بما بين 150 و200 مليون دولار.
أما في هجوم آذار/مارس، فقد تعرض المجمع لإصابتين؛ الأولى ناجمة عن شظايا صاروخ اعتراضي، والثانية إثر سقوط صاروخ على سقف خزان للمشتقات النفطية. وفي ذلك الوقت، قالت “بازان” إن الضرر “غير جوهري”، وإن جميع منشآت الإنتاج تعمل، فيما أكدت وزارة الطاقة الإسرائيلية أن الإصابة لا تمس إمدادات الوقود.
لكن الوثيقة الحكومية الجديدة تقدم صورة مختلفة. فإلى جانب إصابة توربينات الغاز في هجوم حزيران/يونيو، تكشف الوثيقة عن أضرار لحقت بغلايات البخار، وغرف الكهرباء، وأنظمة مساعدة إضافية داخل المجمع، وهي مكونات ترتبط مباشرة باستمرارية تشغيل منظومة التكرير والطاقة في الموقع.
كما تشير الوثيقة إلى أن خزان المشتقات النفطية الذي أصيب في هجوم آذار/مارس غير قابل للإصلاح، وأن الأمر يتطلب إقامة خزان بديل جديد بالكامل، بسعة تصل إلى 12,700 متر مكعب.
وتظهر المعطيات أن مساحة البناء التي صودق عليها لأعمال الترميم داخل مجمع “بازان” تكاد تكون ضعف المساحة التي جرت المصادقة عليها عقب إصابة حزيران/يونيو، ما يعكس اتساع نطاق الأضرار مقارنة بما أُعلن سابقًا.
وتلفت الوثيقة إلى أن تضرر خزان المشتقات النفطية مسّ بقدرة التخزين داخل المجمع، وهو ما يؤثر بصورة مباشرة على القدرة على إنتاج بنزين مطابق للمواصفات المطلوبة للسوق الإسرائيلية، وعلى تزويده للمستهلكين.
وتناقض هذه الخلاصة التطمينات التي صدرت عقب الهجمات، سواء من جانب وزارة الطاقة أو من جانب مسؤولين في قطاع الطاقة الإسرائيلي، والذين أكدوا في حينه أن تعطّل مصفاتي التكرير خلال الحرب لم يستدعِ فتح مخزون الطوارئ في السوق الإسرائيلية.
وتكشف الوثيقة، بذلك، عن فجوة بين الخطاب الرسمي الذي حاول حصر الأضرار في نطاق محدود، وبين حجم الإصابات الفعلية التي مست بنية تشغيلية وتخزينية حساسة في أحد أهم مجمعات الطاقة والصناعات البتروكيميائية في إسرائيل.
وتشير المعطيات إلى أن الترميم الكامل في مجمع “بازان” لن ينتهي قبل عام 2028، أي قبل نحو ثلاث سنوات فقط من الموعد المخطط لإخلاء المجمع عام 2031، بموجب قرار حكومي إسرائيلي سابق يقضي بإخلاء الصناعات البتروكيميائية من خليج حيفا.
ويضع هذا الجدول الزمني السلطات الإسرائيلية أمام معادلة معقدة؛ فمن جهة، تحتاج الدولة إلى ترميم منشأة حيوية لضمان استمرار إنتاج الوقود وتخزينه وتزويد السوق، ومن جهة أخرى، يفترض أن يكون المجمع نفسه في طريقه إلى الإخلاء خلال سنوات قليلة ضمن خطة أوسع لإعادة تنظيم خليج حيفا وإبعاد الصناعات الملوثة عنه.
وتحمل الوثيقة دلالة أمنية واقتصادية أوسع، إذ تظهر أن استهداف منشآت الطاقة في العمق الإسرائيلي لم يكن محدود الأثر كما حاولت التصريحات الرسمية الإيحاء به، بل أصاب واحدة من أكثر نقاط البنية التحتية حساسية في منظومة الطاقة والتكرير.
كما يعيد الكشف عن حجم الأضرار طرح أسئلة حول جاهزية إسرائيل لحماية منشآتها الاستراتيجية في أي مواجهة إقليمية ممتدة، لا سيما أن مجمع “بازان” لا يمثل فقط مركزًا صناعيًا محليًا، بل حلقة أساسية في سلسلة تزويد الوقود والمنتجات البتروكيميائية.
وبين ترميم طويل الأمد، وتكلفة اقتصادية مرتفعة، وتأثير محتمل على إنتاج البنزين، تكشف الوثيقة الحكومية أن الضربة الإيرانية لمجمع حيفا كانت أعمق من الرواية الرسمية الأولى، وأن تداعياتها ستبقى حاضرة في قطاع الطاقة الإسرائيلي حتى عام 2028 على الأقل.
