نتنياهو يكرّس معادلة “الأمن أولًا”: لا دولة فلسطينية ولا انسحاب من جنوب لبنان قبل زوال تهديد حزب الله

نتنياهو وكاتس في جنوب لبنان.jpg

نتنياهو يرفع سقف المواجهة: لا دولة فلسطينية ولا انسحاب من جنوب لبنان

صعّد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، يوم الثلاثاء 30 يونيو/حزيران 2026، خطابه السياسي والأمني، جامعًا بين رفض إقامة دولة فلسطينية، والتمسك ببقاء الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، والتأكيد على أن إسرائيل انتقلت إلى سياسة أمنية “ناشطة” لا تنتظر التهديدات عند حدودها، في رسائل بدت موجهة إلى الداخل الإسرائيلي، والولايات المتحدة، ولبنان، وتركيا، والفلسطينيين في آن واحد.

ونقلت وسائل إعلام عبرية عن نتنياهو قوله إن “إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي”، مضيفًا: “لن تقوم هنا دولة فلسطينية. لدينا سياسة ناشطة وأمنية، ولا ننتظر، ولا ننغلق على أنفسنا”. وتأتي هذه التصريحات بعد أيام من تصريحات مماثلة قال فيها إنه “لا مكان لدولتين” بين البحر المتوسط ونهر الأردن، معتبرًا أن الحرب غيّرت المزاج العام داخل إسرائيل باتجاه رفض أوسع لإقامة دولة فلسطينية، وفق ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية.

وفي رسالة سياسية داخلية وخارجية، أقر نتنياهو بوجود تباينات مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكنه حرص على وصف العلاقة معه بأنها “جيدة جدًا”، مضيفًا أن “اختلافات في وجهات النظر” تقع أحيانًا حتى بين أقرب الحلفاء. ونقلت وسائل إعلام عبرية عنه قوله إن العلاقة لا تصل إلى مستوى “الصراخ”، لكنها تشهد خلافات في بعض الملفات، في إشارة إلى حساسية التفاهمات الأميركية–الإسرائيلية حول لبنان، وغزة، وإيران، ومسارات التطبيع.

وجاءت أبرز رسائل نتنياهو الميدانية خلال جولة أجراها، الثلاثاء، مع وزير الجيش يسرائيل كاتس في ما تسميه إسرائيل “المنطقة الأمنية” جنوبي لبنان، وهي مناطق لبنانية تتمركز فيها قوات إسرائيلية منذ الحرب الأخيرة. وقال مكتبه إن الجولة تضمنت إحاطات عسكرية حول عمليات الجيش وقدرات ووسائل قتالية مخصصة لمواجهة تهديد الطائرات المسيّرة.

وخلال الجولة، شدد نتنياهو على أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان ما دام “حزب الله” مسلحًا ويشكل تهديدًا. ونقلت وكالة “رويترز” عنه قوله للجنود إن إسرائيل “لن تغادر جنوب لبنان حتى إزالة التهديد”، مضيفًا: “ما دام حزب الله موجودًا هنا، مسلحًا ويهددنا، فسنظل هنا أيضًا”. وتأتي الزيارة بعد اتفاق أمني أميركي الوساطة بين إسرائيل ولبنان يقضي بتسليم منطقتين “تجريبيتين” إلى الجيش اللبناني، من دون أن يعني ذلك، وفق الموقف الإسرائيلي، انسحابًا شاملًا من المنطقة الحدودية.

وزعم نتنياهو أن “أهم حلقة في المحور الإيراني كانت هنا، وهي حزب الله”، قائلًا إن الحزب كان يمتلك نحو 150 ألف صاروخ وقذيفة، وإنه لم يتبق لديه سوى نحو 8% من هذه الترسانة. كما ادعى أن الجيش الإسرائيلي قتل نحو 9 آلاف عنصر من الحزب، بينهم مئات خلال الأسابيع الأخيرة، وهي أرقام لم يصدر تأكيد مستقل لها من حزب الله. وأفادت “رويترز” بأن نتنياهو قال إن الحزب ما زال يمتلك نحو 12 ألف صاروخ وقذيفة، وإن إسرائيل أنشأت منطقة عازلة تمتد داخل الأراضي اللبنانية لحماية بلدات الشمال.

وقال نتنياهو إن إسرائيل غيّرت مفهومها الأمني بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، عبر إقامة مناطق عازلة “ليس داخل الجانب الإسرائيلي من الحدود، بل داخل أراضي الخصوم”، مضيفًا أن ذلك جرى في لبنان كما جرى في غزة. واعتبر أن هذه المعادلة تعني أن إسرائيل لن تسمح لما وصفه بـ”جيش إرهابي” بالتمركز على حدودها.

وفي لهجة موجهة إلى بيروت وطهران في آن واحد، قال نتنياهو: “لبنان يعترف بإسرائيل، وإسرائيل تعترف بلبنان”، مضيفًا: “نقول لإيران وحزب الله: ارحلوا من هنا، فليس لكم ما تفعلونه هنا. هناك دولتان ذاتا سيادة تريدان صنع السلام بينهما وإعادة الأمن والازدهار لسكان الشمال ولسكان لبنان أيضًا”. لكنه ربط أي انسحاب إسرائيلي بزوال التهديد العسكري للحزب، قائلًا إن بقاء الحزب “مسلحًا ومهددًا” يعني استمرار بقاء الجيش الإسرائيلي في المنطقة.

وتكتسب هذه التصريحات حساسية إضافية في ظل الاعتراض اللبناني وحزب الله على الاتفاق الأمني المدعوم أميركيًا. وكانت تقارير إسرائيلية ودولية قد أشارت إلى أن الاتفاق يتضمن انسحابًا إسرائيليًا محدودًا من منطقتين فقط، مع ربط أي تقدم إضافي بتولي الجيش اللبناني السيطرة الأمنية ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة. وذكرت “تايمز أوف إسرائيل” أن الانسحاب الإسرائيلي المقترح سيكون من مناطق تقع خارج حدود المنطقة العازلة الأصلية التي أقامتها إسرائيل، وليس من كامل الشريط الحدودي.

بالتوازي، هاجم نتنياهو قادة في المنظومة الأمنية الإسرائيلية، قائلًا إن “تقريبًا كل القرارات العملياتية منذ 7 أكتوبر اتُّخذت وسط تحفظات من ذراعين أو ثلاثة من الأجهزة الأمنية”، مضيفًا أن من حقهم إبداء التحفظ، لكنه “يفعل ما هو صحيح”، في إشارة إلى محاولته تثبيت صورته كصاحب القرار الأمني النهائي، رغم الانتقادات الداخلية المرتبطة بإدارة الحرب.

وردًا على تهديدات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، نقلت وسائل إعلام عبرية عن نتنياهو قوله: “أنا قلق، لكننا أثبتنا بالفعل ما نحن قادرون على فعله.. من الأفضل له أن يهدأ”. وتعكس هذه العبارة تصاعد التوتر السياسي بين تل أبيب وأنقرة، رغم الدور التركي المتنامي في ملفات الوساطة الإقليمية، خصوصًا في غزة.

وفي ملف سيناء، قال نتنياهو إنه تواصل مع مصر بشأن ما يجري هناك، مضيفًا: “قلت لهم ما الذي أتوقع فعله، والأمور تتغير”، من دون أن يقدّم تفاصيل إضافية. أما عند سؤاله عن احتمال عودة الاستيطان الإسرائيلي إلى غزة، فاكتفى بالقول: “لن أضيف شيئًا في هذا الشأن”، في إجابة أبقت الباب مفتوحًا أمام التأويلات داخل الإعلام العبري.

كما كشف نتنياهو، بحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، أن “اتفاقيات تطبيع إضافية مطروحة على الطاولة”، لكنه رفض ذكر أسماء الدول المعنية “لضمان تحقيق النتائج”، في محاولة لإظهار أن حكومته ما زالت قادرة على تحقيق اختراقات سياسية إقليمية رغم الحروب المفتوحة في غزة ولبنان والتوتر مع إيران.

وفي سياق الضغط على “حزب الله”، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، الثلاثاء، أن الدول الأعضاء في مركز استهداف تمويل الإرهاب فرضت تصنيفات مشتركة على مكونات رئيسية في البنية المالية للحزب، شملت 5 كيانات و16 فردًا، بينهم “القرض الحسن” و”بيت المال” ومسؤولون ماليون بارزون. وقالت الخزانة إن جميع الأهداف كانت مدرجة سابقًا على لوائح العقوبات الأميركية، وإن الخطوة تهدف إلى تقييد قدرة الحزب على استغلال النظام المالي الدولي.

وشملت الكيانات المذكورة في بيان الخزانة “القرض الحسن”، و”بيت المال”، و”الخبراء للمحاسبة والتدقيق والدراسات”، و”تسهيلات ش.م.ل”، و”المدققون للمحاسبة والتدقيق”، إلى جانب أسماء مالية بينها إبراهيم علي ضاهر، وعادل محمد منصور، وأحمد محمد يزبك، وسامر حسن فواز، وعلي محمد قرنيب، وعباس حسن غريب، ومصطفى حبيب حرب، وعزت يوسف عكر، وحسن شحادة عثمان، ونعمة أحمد جميل، وعيسى حسين قصير، وعلي أحمد كريشت، وناصر حسن نصر، ووحيد محمود سبيتي، ومحمد سليمان بدير، وعماد محمد بزّي.

سياسيًا، تعكس تصريحات نتنياهو محاولة لتثبيت معادلة جديدة عنوانها: بقاء عسكري في مناطق عازلة، رفض الدولة الفلسطينية، واستثمار الضغط الأميركي المالي على حزب الله، مع الإبقاء على خطاب التطبيع مفتوحًا. غير أن هذه المعادلة تواجه تحديات كبيرة، أبرزها اعتراض لبنان على استمرار الوجود الإسرائيلي، ورفض حزب الله نزع سلاحه، وتزايد الخلافات مع واشنطن حول سقف العمليات العسكرية، إلى جانب استمرار الغموض بشأن مستقبل غزة والضفة الغربية.

وبينما يحاول نتنياهو تقديم نفسه كزعيم يفرض “الأمن أولًا” على كل الملفات، تشير التطورات إلى أن المنطقة تدخل مرحلة من التفاوض تحت النار: اتفاقات جزئية في لبنان، ضغوط مالية على حزب الله، توتر مع تركيا، تباينات مع واشنطن، وملف فلسطيني يعود إلى الواجهة من بوابة رفض الدولة لا من بوابة التسوية.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - تل أبيب/جنوب لبنان